فيلم "The Trial of the Chicago 7".. هل تُخضع المحاكم منظومة الأخلاق أم تنتهي بالخضوع لها؟

 

العودة إلى الماضي هي أيسر السُّبل لفهم الحاضر، ربما لذلك عمد الكاتب والمخرج "آرون سوركين" إلى التنقيب عن جذور المِحَن للواقع المَعيش ليستخرج فيلمه الأخير "محاكمة 7 من شيكاغو" (The Trail of the Chicago 7). أصاب الفيلم وترا حساسا في طرحه في هذا الوقت من العام، إذ أتى متوافقا مع ذروة معركة الانتخابات الرئاسية في أميركا، وتقاطع مع فيلم "سبايك لي" الأخير "الإخوة الخمسة" (Da 5 Bloods) الذي شاركه التوقيت المثالي، إذ أتى كلاهما في سنة واحدة وبإنتاج من "شبكة نتفليكس"، وبمقصد مشترك، وهو فضح فساد منظومة العدالة التي تقوم عليها المنظمة السياسية، وإدانة الحاضر استنادا إلى وقائع تاريخية.

 

يتشابه الفيلمان في طريقة سرد تجمع بين الوثائقي والدراما الغرض منها توضيح مدى تجانس أحداث الحاضر مع أحداث 1968، فقد كان أول دونالد ترامب في تاريخ أميركا هو "ريتشارد نيكسون"، وحكم الأخير في فترة الستينيات وما بعدها. ومن خلال عرض "آرون سوركين" و"سبايك لي" جوانب من تلك الفترة في فيلمهما، يكشفان سوء إدارة نيكسون سابقا، وبالتبعية بغي "ترامب" في الحاضر، إلى جانب العنصرية التي عانى منها السود في الستينيات ولا يزالون يعانون منها إلى اليوم، فكلا العهدين والرئيسين وجهان لعُملة واحدة.

 

ركَّز "سوركين" في فيلمه "محاكمة 7 من شيكاغو" (The Trail of the Chicago 7) على إحدى تجليات حرب فيتنام؛ المحاكمة غير المنصفة التي خضع لها شباب ثوريون انخرطوا في احتجاجات معارضة لحرب فيتنام، وتزامنت التظاهرات مع انعقاد المؤتمر الوطني الديمقراطي بشيكاغو. أبانت تلك المحاكمة عن غياب العدالة، كما غابت المساواة في فيلم سبايك لي "الإخوة الخمسة" (Da 5 Bloods)، لكنه ولّى اهتمامه إلى العنصرية، فقد كانت مناهضتها سمة مميزة لأفلامه، لذا شرح المخرج المتمرّد والثائر على النظام في فيلمه خطابا يعتمد على رؤيته لهشاشة الإنسان والزمن والذنب والألم الجماعي والفردي، كل ذلك عبر مشهد من حرب فيتنام ينكأ جراح مَن خاضوها (15). وتتجلّى العنصرية أيضا في فيلم "محاكمة 7 من شيكاغو" (The Trail of the Chicago 7) مُتمثِّلة في اختلاف التعامل مع "بوبي سيل"، المتهم الأسود مقارنة بالسبعة المتهمين البيض.

في فيلم "سبايك لي" "الإخوة الخمسة" (Da 5 Bloods)، يُقرِّر بعض المحاربين القدامى من السود العودة لفيتنام مرة أخرى للبحث عن رفات قائدهم في المعركة واستخراج كنز كانوا قد دفنوه هناك، وربطت بين هذه المجموعة رابطة أخوة بالدم. وقد عرض سبايك لي العنف الذي شكَّل جانبا من الإمبريالية الأميركية، والمفارقة القاسية التي عايشها الجنود السود الذين أُجبروا على إراقة الدماء وعلى القتال بذريعة الحرية التي حُرِموا منها في بلادهم (14). لا يتعامل الفيلم مباشرة مع جحيم حرب فيتنام، بل يُؤْثِر التعاطي مع الماضي غير المدفون، وتقصّي مشاعر المحاربين العائدين بعد سنوات طويلة إلى ساحة المعركة في فيتنام.

 

لا يُصوِّر "سبايك لي" الحرب من منظور أميركي أفريقي، بل يمرّ عبر عقود من الإمبريالية الأميركية، وينقلنا دائما بين الحاضر والماضي. وبينما تتوغل الشخصيات في أعماق الغابة؛ تصبح ذكرياتهم حية. لا يُظهر "سبايك لي" متعمدا أي تغيير في عمر الأبطال وملامحهم عند عودتهم بالزمن، فهذه ليست مجرد ذكريات، بل هي تاريخ ممتد إلى ما لا نهاية لا يستطيعون الفكاك منه، وأثره عليهم لا يمكن أن يمحوه الزمن (15). نخلص إلى أن ما يبحثون عنه هو أكثر من رفات أو كنز، بحثهم ما هو إلا وسيلة لمواجهة أشباح ماضيهم، وسيلة لإيجاد مُدافع عن قضيتهم، وتطلُّع لاسترداد ما وجدوه يوما وامتلكوه وهلة، في ظل شتاتهم، واعتبروه ملكا لهم. إن ما قد يثأر لهذا الظلم هو محاكمة، حتى وإن لم تكن مُنصفة فإنها قد كشفت عن وجه للطغيان، كتلك التي عقدها سوركين في فيلمه.

 

فيلم "محاكمة 7 من شيكاغو" (The Trail of the Chicago 7) هو أحد الأفلام المنتسبة إلى دراما المحاكم، وتجري أحداث تلك الدراما بين أروقة المحاكم وقاعاتها (1)، تفتحهما محاولة إقصاء الظلم وإيجاد العدالة. لذلك النوع من الدراما سمات أساسية، مثل: وجود القاضي والمتهمين، الشهود والأدلة، وقاعة مكتظة بالمهتمين بمتابعة سير القضية. في تلك الأفلام قد ننتهي إلى تقمُّص دور القاضي أو التعاطف مع المتهم. في فيلم سوركين ننحاز إلى صف الشهود، ونبصر الأحداث من عَلٍ، فنراها بمعيّة أكثر من شخص.

 

وفي تلك الدراما لا تتوقف الصراعات، بين محامين في أطراف متضادة، أو بين المدعي العام والمدعى عليه. أحيانا، يكون بطل الفيلم ليس إلا فردا عاديا يقف أمام مؤسسة أو شخص من ذوي النفوذ، وقد يكون نزالا بين الخير والشر. ويغلب على محتوى تلك الأعمال عناصر كالقتل، والخيانة، والخداع، والحنث باليمين، وغالبا ما تُقَدَّم بمونولوجات. وقد تحتوي الدراما على تقلُّبات غير متوقعة، وشهادات مفاجئة، ودوافع غير عادية، ومعضلات أخلاقية، وضحايا متهمين أبرياء. في فيلم سوركين توجد معظم هذه السمات، فالمتهمون أبرياء، والشهود منهم مَن شهد زورا، والصراع بين خير وشر، كما أن الأغلبية الساحقة من مشاهد الفيلم كما كان في واقعه تدور في المحكمة.

 

يبدأ "سوركين" فيلمه بمونتاج من لقطات واقعية لبعض أهم اللحظات التصعيدية للأحداث التي سبقت بدء الفيلم، مثل اغتيال كلٍّ من "مارتن لوثر كينغ"، والسيناتور "روبرت ف. كيندي" شقيق الرئيس الأميركي "جون كيندي"، وحرب فيتنام، ويعرض جزءا من خطاب الرئيس الذي يتحدث عن حرب فيتنام، ويتبعه قطع فوري لموته (4). يظهر السيناتور "روبرت كينيدي" في المشهد اللاحق وهو يُعبِّر عن دعمه لـ "مارتن لوثر كينج"، ثم يُغتال بعد ذلك. اللقطات المتكررة في التسلسل الافتتاحي مقتصرة على الدعوة إلى التجنيد وتصعيد حرب فيتنام، ويجمع الفيلم بين الحاضر والماضي في فلاش باك أحيانا ومع لقطات حقيقية.

 

يفتتح الفيلم بدعوات منفصلة الزمان والمكان، من المتهمين السبعة للتظاهر في يوم المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاجو، بعدها مباشرة يتنامى إدراك أن أربعة أشهر قد مضت. نبصر وزارة العدل الأميركية حيث يُكلَّف المدعي العام بإثبات التهم على المتهمين، ننتقل بعدها إلى المحاكمة، الموقع الرئيسي للفيلم. تحدث انتقالات أحيانا لكننا دائما ما نعود للمحكمة، وينظم المونتاج سير سرد الحكاية متدخلا أحيانا ليمنحه "سوركين" صوتا. ففي مشهد لاحق، عندما يشهد أحد عناصر الشرطة زورا، يُخبرنا المونتاج أن ذلك الشخص راوٍ غير موثوق فيه بأن يعرض علينا لقطة من الأحداث التي جرت، ليُثبت زيف ادعاءاته، وتتداخل سردية "هوفمان" الذي يقص على الجمهور أحيانا ما جرى في المظاهرات بالفعل. يمتزج كل ذلك بشكل سلس يمنح للكوميديا دورا لا يمكن إغفاله.

ينجح سوركين في جعلنا نشتبك مع الواقع الذي عدنا له عام 1968 (رغم عدم حاجتنا إلى الارتداد إلى تلك الفترة) لنعيش في فترة زمنية يُقتل فيها المفكرون الأحرار، ويألف الشباب الموت. يجعلنا نتوق للتغيير في عالم في أمسّ الحاجة إليه، تماما كما تسعى الشخصيات في الفيلم، بالأخص المتهمين السبعة.

 

في البداية، كانوا ثمانية متهمين، الثامن هو "بوبي سيل" (يحيى عبد المجيد الثاني) زعيم حزب الفهود السود، لكنه تلقّى في النهاية محاكمة منفصلة، فباتو سبعة أُطلق عليهم "اليسار الجديد" (5). لم يكن جميع المتهمين على صلة ببعضهم بعضا، ولم يلتقِ أغلبهم إلا في المحكمة. كانوا ينتمون إلى فصائل مختلفة، فـ "آبي هوفمان" (ساشا بارون كوهين) و"جيري روبين" (جيريمي سترونج) يُمثِّلان الراديكاليين المحبين للسلام ومن حركة الهيبز الذين يأملون في بدء ثورة ثقافية، في حين كان "توم هايدن" (إيدي ريدماين) زعيم الطلبة الذي يطمح إلى مجتمع ديمقراطي، وصديقه "ريني ديفيس" (أليكس شارب) من الطلاب المثاليين الذين اعتقدوا أن بإمكانهم تنفيذ إصلاح مؤسسي من الداخل، وكان "ديفيد ديلينجر" (جون كارول لينش) رجل عائلة في منتصف العمر ويعمل في الكشافة. لكن إحدى الشخصيات التي لمعت هي محاميهم المحنك "ويليام كانستلر" (مارك رايلانس)، والمدعي العام "ريتشارد شولتز" (جوزيف جوردون)، والقاضي المتعصب "جوليوس هوفمان" (فرانك لانجيلا). لا يُقدِّم سوركين القاضي بوصفه متعصبا جلفا (6)، وإنما يُقدِّمه في شخصية جد طاعن في السن، ذي نظرة عنصرية، يتلعثم ويغمغم بشكل هزلي، كما يخلط بين أسماء المتهمين، ويرمي تهما بازدراء المحكمة.

 

 

يُوضِّح "سوركين" عدم التجانس داخل المجموعة من خلال الشجار الداخلي المستمر بين "هوفمان" و"هايدن"، فهما يختلفان في أساليب الاحتجاج، وحجم التغطية الإعلامية، ودرجة الالتزام بالقضية، ويخلصان إلى حتمية مواجهة تهمهما دون المساس بقناعاتهما الفلسفية. يتزامن ذلك مع اعتقاد "هايدن" أنهم سيحصلون على محاكمة عادلة مع مراعاة الأصول القانونية (7)، لكن "هوفمان" يدرك أن المحاكمة التي هم بصددها هي "محاكمة سياسية"، مما يعني أن نتيجتها محسومة سلفا، وأن محاكمتهم ليست سوى مسرحية، بالتالي فإن أقل ما يمكن أن يفعلوه هو أن يحرصوا أن تكون مسرحية جيدة.

 

تعقد المحكمة جلستها يوما تلو يوم، وشهرا تلو أشهر أخرى، يقضونها في الشد والجذب، بين ازدراء القاضي لهم وتحيُّزه ضدهم، وبين سخرية هوفمان منه هو وصديقه وارتدائهما عباءة القُضاة في إحدى جلسات المحاكمة فوق زي الشرطة. وفي أحد مشاهد المحاكمة يبدو على محيا المحامي "ويليام كونستلر" الإرهاق، وكأنه يحاول استدعاء الأمل الذي يبدو ضائعا إلى الأبد، الأمل المفقود في أن كلماته ومُرافعاته وشهوده قد تُحدِث فرقا، ويُعبِّر عن ذلك بقوله: "لا شيء مما أقوله مهم حقا".

قال الممثل "فرانك لانجيلا"، الذي يُجسِّد دور "القاضي هوفمان" في أحد اللقاءات: "في معظم الأوقات، عندما تؤدي دور شخصية لديها الكثير من العيوب تبذل جهدا لإظهار الجزء الإنساني منها، لكن القاضي هوفمان كان فاسدا وعديم الشعور. لو لم أُصوِّره بهذا المستوى من الشر لما كان لمشاهد المحكمة هذا الوقع الكبير".

 

لم يكن "القاضي هوفمان" وحده مَن يُضمِر ويُظهِر عداءه للمتهمين السبعة، بل كان يُجسِّد ما يقارب نصف الشعب الأميركي، الذي كان يَعتَبِر حركات الثقافة المضادة، التي ظهرت في الستينيات، خطرا على الولايات المتحدة، بسبب رفضها لحرب فيتنام ودعمها لحقوق السود وتمرُّدها على المبادئ المحافظة. فهل يمكن اعتبار ذلك الجزء من المجتمع الأميركي شريرا أيضا؟

يحاول الممثل "فرانك لانجيلا" الإجابة عن هذا السؤال في قوله: "أعتقد أنه عندما يكون لديك رأي قوي حول مسألة ما، فإنه أمر شبه مستحيل أن تُصدِّق الحقائق الموجودة أمامك. إن هناك مجموعة كبيرة من الناس لا ترى الحقيقة وإن كانت ماثلة أمام أعينهم، ولا يتأثرون بها. فعندما تصل إلى منصب قاضٍ أو رئيس أو سيناتور أو نائب، تتملَّكك القوة والسلطة كالطاعون وتتفشّى فيك، تخشى أن تفقدها وفي سبيل ذلك قد تفعل أي شيء. فأعضاء مجلس الشيوخ والطغاة حول العالم لا يريدون أن يخسروا سلطتهم، بل يريدون أن يتمسكوا بها، لكنهم بهذا يفقدون أي شعور بالإنسانية. فأجل، هناك أشرار، ونحن الآن في ظل وجود عدد كبير منهم". بقول آخر، التعصب والجهل قد يُضاهيان السلطة تماما في نزع الإنسانية من الأشخاص الذين يعتنقونهما.

 

شر "هوفمان" يتجلّى بقوة في تركيز عدائه الأعنف على المتهم ذي الأصول الأفريقية "بوب سيل"، الذي وُجِّهت إليه بداية تُهم مماثلة للمتهمين البيض ليصبح المتهم الثامن، رغم أنه حضر إلى شيكاغو لمدة ساعتين وحسب، ألقى خلالها خطابا وغادر، دون أن يشارك في المظاهرات أو في تنظيمها.

 

لهذا يرفض "سيل" ضمّه للمتهمين السبعة، ويتهم المدعي العام بزجّه معهم لكي يُثير الرأي العام الأميركي المعادي للسود ضدهم ويدفع المحلفين إلى إدانتهم،  ويطالب بحضور محامٍ بديل لمحاميه الغائب والمريض ليدافع عنه، لكن القاضي يرفض طلبه (8). وفي لحظة ما، ينفجر "سيل" بالحديث حانقا على كل ما يتعرض له، متألما لمقتل صديقه. يأمر القاضي بعض الضباط بأخذ "سيل" ومعاملته كما ينبغي، فيُساق إلى غرفة ويُبرح ضربا وركلا. يقومون بتكبيله وتكميمه من أجل إسكاته وإذلاله، ويعيدونه بهذه الحالة إلى المحكمة، مما يعكس العنصرية ضد السود في المحاكم وخارجها. في الواقع، بعيدا عن الفيلم، فإن مدة تعذيب سيل لم تكن يوما، بل امتدت لعدة أيام وليالٍ طويلة.

في أحد لقاءات "يحيى عبد المتين"، الذي يُجسِّد دور "سيل" قال: "دستور الولايات المتحدة يمنح كل فرد، بغض النظر عن الجرائم التي ارتكبها، الحق في اختيار تمثيل له للدفاع عنه في المحاكم، لكن سيل حُرِم من ذلك الحق وتم إسكاته، كما أنه حُرِم من الخروج من السجن بكفالة والعودة إلى أحبائه وطلب الاستشارة خارج السجن مثل المتهمين البيض، الذين كانوا يعودون إلى منازلهم بعد كل يوم في المحكمة، ويظهرون على وسائل الإعلام ويطرحون قضيتهم أمام الرأي العام، ويصلون إلى المحكمة كل صباح مع محاميهم، بينما يدخل بوبي مُكبَّل اليدين. وهذا يُعبِّر عن التباين الصارخ في العدالة في ظل نظام كان سيل يقاومه".

 

يطرح "سوركين" خلال الفيلم تساؤلا جوهريا يُمرِّره على لسان أكثر من شخصية: مَن الذي بدأ العنف في الاحتجاجات، المتظاهرون أم الشرطة؟ قد تأتي الإجابة في صور وحشية الشرطة التي بُثَّت للجمهور الوطني وهجومهم على المتظاهرين، ليسمع العالم حينها على التلفاز هتافات "العالم كله يشاهد". مزج سوركين بين لقطات حقيقية وسينمائية (9)، وصوَّر ذلك المشهد في موقع الحدث الحقيقي من أجل الوصول إلى صورة أقرب للواقعية (10).

 

أصبحت هذه المظاهرات أيضا نقطة البداية للاحتجاج السياسي الحديث. وفي مقطع فيديو لصحيفة نيويورك تايمز، وصف "توم هايدن" (إيدي ريدماين) وقع الهتاف عليه حين سمعه لأول مرة قائلا: "دفعتنا الشرطة أثناء تظاهراتنا نحو النافذة، تشظى الزجاج وانهالوا علينا ضربا، فيما تعرّضنا للغاز المسيل للدموع وللضرب واقتيد العديد من الثوار إلى السجون" (11). تناهى إلى سمعنا صراخ أحد العابرين في الخارج "العالم كله يراقب"، "العالم كله يشاهد"، لنتخذ من هذا شعارا لنا.

في الحقيقة، كان ذلك بعد تجمُّع أكثر من عشرة آلاف متظاهر في شيكاغو، الذين قوبلوا بستة آلاف من قوات الحرس الوطني وستة آلاف جندي من الجيش الذين انضموا إلى 12000 ضابط شرطة في شيكاغو، قام بعضهم بإزالة شاراتهم وبطاقات الأسماء قبل ضرب الثوار، ودفع ذلك البعض إلى وصف الدولة بأنها "دولة بوليسية" (11).

 

 

"التكتيكات ستتغير، الناس سوف يُخطئون، الكثيرون سيلقون حتفهم في الشوارع ويموتون في السجن، لكنني لا أعتقد أنه يمكن إنكار هذه الحركة. كان هناك حلم بالعدالة والمساواة والحرية والأخوة، وأعتقد أن هذا الحلم هو أقرب إلى التحقيق اليوم مما كان عليه في أي وقت في تاريخ هذا البلد".

(من الكلمة التي قالها ديلينجر (أحد المتهمين) في المحكمة)

لم تحز نهاية الفيلم إعجابا جماهيريا، إذ أُثير حولها الجدل. اعتقد البعض أن الخاتمة السينمائية بعيدة كل البُعد عما حدث بالفعل، كما أن محاورات الشخصيات في الفيلم أوحت أن المأساة الوحيدة للحرب هي مقتل الجنود الأميركيين، دون الوقوف على حقيقة أنهم كانوا يُزهقون أرواح الفيتناميين. الاستثناء الوحيد لذلك هو "توم هايدن"، فأثناء استجواب مُتخيَّل بينه وبين "كانِستلر"، رد على سبب عدم التحاقه بالجيش قائلا: "لم أتطوَّع لقتل الفيتناميين" (12).

 

قبل النطق بالحكم في الفيلم، انتهز "توم هايدن" الوقت المخصص له للتحدُّث، ليقرأ أسماء الجنود الأميركيين الذين لقوا حتفهم في فيتنام منذ بدء المحاكمة. أثناء قراءته، دخلت الموسيقى المشهد على استحياء، ومن ثم ملأت أرجاء المحكمة. غضب القاضي، ووقف المتهمون، وانضم إليهم الحضور في قاعة المحكمة، بمَن فيهم المدعي العام. إنها نهاية تثور على الظلم، ولا تأبه لتبعات ذلك في آنٍ واحد.

_____________________________________________________

المصادر

  1. The Trial of the Chicago 7 review – totally exasperating court drama
  2. الدراما القانونية تسعى إلى تثقيف الجمهور
  3. The 10 best courtroom dramas | Culture
  4. MOVIE REVIEW: ‘TRIAL OF THE CHICAGO 7’ IS A COURTROOM DRAMA THAT PARALLELS OUR TIME
  5. Explained: Why Netflix film ‘The Trial of the Chicago 7’ is significant
  6. The Trial of the Chicago 7 movie review: Starry courtroom drama amounts to little more than Sorkin-standard speechifying
  7. Movie Review: ‘The Trial of the Chicago 7’
  8. The Trial of The Chicago 7 review: A sharp commentary on democracy, riots & revolution
  9. ‘The Trial of the Chicago 7’ Fact Check: Was ‘The Whole World Is Watching’ A Real Slogan?
  10. The True Story Behind The Trial of the Chicago 7 | Netflix
  11. ‘The Trial of the Chicago 7’ Fact Check: Was ‘The Whole World Is Watching’ A Real Slogan?
  12. Aaron Sorkin Sanitizes the Chicago 7
  13. أفضل 10 أفلام في عام 2020
  14. The Long, Strange Journey of Da 5 Bloods
  15. فيلمه الجديد «اخوة الدم الخمسة» مانيفستو سياسي من جحيم حرب فيتنام: سبايك لي في قلب الانتفاضة السوداء

حول هذه القصة

خلال 62 سنة أرسلت 13 دولة عربية 125 فيلماً إلى الأكاديمية الأميركية لفنون وعلوم السينما للمنافسة على جائزة أفضل فيلم بلغة أجنبية.. ولكن يبدو أنها تواجه العديد من الصعاب في طريقها للفوز بالأوسكار!

26/10/2020

يهاجم كوفمان دائما النظرة غير الواقعية والمضللة لرومانسيات هوليوود، هذه الرومانسيات المصممة بدقة والمحمية بشكل تقليدي من البداية للنهاية في سرد خطي لا يشبه تعقيدات المشاعر التي نختبرها في الواقع.

27/10/2020

تشبث آن بالخيال وغرقها في الفانتازيا هما وسيلتها للنجاة من صدمات الطفولة، آلية دفاعية ضد هجمات ذاكرة طفل مصدوم حيث تجد في خيالاتها تعويضا عن المحبة والرعاية المفقودة في واقعها.

4/11/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة