سينما تشارلي كوفمان.. الهزيمة في الواقع والخيال

"لكي لا تكون إلا نفسك في عالم يبذل أقصى الجهد، في ليله ونهاره، ليجعلك كل مَن هو غير نفسك، فمعنى ذلك أن تخوض أقسى المعارك التي يمكن لبشري أن يخوضها، وألّا تتوقف وهلة عن القتال".

(الشاعر إ. إ. كامينجز)(1)

"الشيء الوحيد الذي يمكنني أن أُقدِّمه لكم هو نفسي".

(تشارلي كوفمان) (2)

تشارلي كوفمان

أمضى تشارلي كوفمان قرابة عقد من الزمن يكتب حلقات تلفزيونية لمسلسلات كوميدية مثل "Get a life" و"Ned and stacey"، كان كل ما يفعله كوفمان وغيره في فريق الكتابة في مثل هذه المسلسلات هو تكرار صوت مبدعيها، الأمر الذي بدا محبطا ومعذبا بالنسبة لشخص مثله يسعى دائما لكي لا يكون إلا نفسه. لم يكن يكتب ما يريد أن يكتبه، أو ما يهمه حقا، ربما ذلك ما ألهمه بالدخول إلى رأس واحد من أفضل ممثلي أميركا، ممثل متحقق وذو شهرة كي يستطيع بطله المحبط أن يستخدمه واجهةً لكي يكون ما يريد أن يكون، ربما بدا له آنذاك أن هذا هو الحل الوحيد.

 

كان سيناريو "أن تكون جون مالكوفيتش" (Being John Malkovich) نوعا من التدريب على ما يمكن أن يُنجزه كوفمان إذا سعى خلف صوته الخاص. لم يكن يتخيل أن يُنفَّذ نصه في يوم من الأيام، وهو النص الذي رفضته كل أستوديوهات هوليوود بعد أن مدحته لأصالته وعبقريته.

فيلم (أن تكون جون مالكوفيتش- Being John Malkovich)

كان افتتان المخرج الأميركي الكبير "فرانسيس فورد كوبولا" بنصه نوعا من المصادفة السعيدة، قام إثرها بمنحه لسبايك جونز (زوج ابنته صوفيا) لكي يكون عمله الإخراجي الأول. بعد عرض الفيلم وفي نهاية عام 1999، وصفت مجلة "إسكواير" (Esquire) فيلم كوفمان "أن تكون جون مالكوفيتش" بأنه آخر فيلم عظيم في هذا القرن. منذ هذه اللحظة لم يكتب كوفمان سوى صوته الخاص، يضع ذاته على نحو استحواذي في قلب كل أفلامه مُعرِّيا هواجسه، ومخاوفه، وأحلامه، وإحباطاته.

 

في فيلمه "التكيُّف" (Adaptation) الذي يُصوِّر معاناته الحقيقية بوصفه كاتبا في تحويل كتاب سوزان أورلين "سارق الأوركيد" إلى فيلم سينمائي، وحين تصل محاولاته في الكتابة إلى طريق مسدود فإنه يجد الحل في أن يضع نفسه في قلب الفيلم، حيث كاتب يُدعى تشارلي كوفمان يُعاني لتقديم معالجة سينمائية صادقة وأصيلة عن نص أورلين:

"لا أفهم أي شيء عدا هلعي، واشمئزازي من ذاتي ووجودي المثير للشفقة. إن الشيء الوحيد المؤهل للكتابة عنه هو ذاتي".

أن تكتب نفسك، هذه هي وسيلة كوفمان لكتابة شيء أصيل وحقيقي، هو الذي يرى أن "الحقيقة الوحيدة التي يمكننا أن نُقدِّمها هي حقيقة خبرتنا الخاصة في هذا العالم". هنا تكمن معاناة كوفمان كونه فنانا ملعونا بالأصالة الكاملة لأفكاره، كونه يبحث عن الحقيقة عبر وسيط مبني على الزيف والوهم والاصطناع، وهذا ما يضعه على نحو واضح ومباشر في خصومة مع هوليوود.

فيلم ( االتكيف- Adaptation)

 

"أنا لا أمتلك في الحقيقة أي حلول، ولا تُعجبني الأفلام التي تمنحني ذلك. أريد أن أخلق مواقف تمنح المشاهدين شيئا يفكرون فيه. أنا أكره أن ينتهي فيلم ما بإخباري أنه عليَّ أن أتعلَّم كيف أحب نفسي، هذا مُهين واستعلائي وبلا معنى. في نهاية أفلامي لا تتعلَّم شخصياتي كيف تحب نفسها أو تحب الآخرين".

(تشارلي كوفمان)

يسعى كُتَّاب السيناريو في هوليوود لإضفاء علّة ما على شخصياتهم، نقطة ضعف/كعب أخيل مثل الطموح، الطمع، القسوة، الحسد، الفخر، الأنانية، الرغبة في الكمال. هذه الأخطاء والعيوب تمنح الشخصيات شيئا داخليا يحاولون تجاوزه (صراع داخلي)، وتمنح المشاهدين شيئا يتوحَّدون معه، كما تظهر بطولية هذه الشخصيات عبر تأمل قدرتها على تجاوز العقبات الخارجية ومشكلاتها الداخلية.

بينما تظهر شخصيات كوفمان إنسانية على نحو تراجيدي، وعيوبها تؤثر في كل قرار تتخذه في حياتها، وهو ما يُعقِّد مشكلاتها وحياتها أكثر، الأمر أشبه بكرة الثلج التي تزداد حجما مع الوقت. شخصيات محبطة، وحيدة كارهة لذاتها ومثيرة للشفقة، الوجود الاجتماعي لها عذاب ومحنة تفر منها إلى مزيد من الانعزال، والوحدة تلتهمها في النهاية مثل ما يحدث مع الشخصية الرئيسية في أحدث أفلامه "أفكر في إنهاء الأمور" (I am thinking of ending things).

يحاول السرد السائد في هوليوود أن يفرض نوعا من النظام والشكل على ما هو متشظٍّ وفوضوي في الحياة والذات، لكن كوفمان بوعيه ما بعد الحداثي يسعى إلى نقيض ذلك، ومن هنا دائما ما تُوصَف أفلامه بأنها مُلغزة ومُعقدة. تكمن قيمة نصوص كوفمان السينمائية في هذا التعقيد الذي يُماثل التعقيد الداخلي لشخصياته وضياعها داخل عقلها مع سرد غير قابل للاختزال أو التبسيط، لأن ذلك سيفقد الحكاية حساسيتها الداخلية وقوتها العاطفية والمجازية، كما أنه يعتمد في سرده دائما على منطق شديد الارتباط بحكاياته وشخصياته.

 

يهاجم كوفمان دائما النظرة غير الواقعية والمضللة لرومانسيات هوليوود، هذه الرومانسيات المُصمَّمة بدقة والمحمية بشكل تقليدي من البداية للنهاية في سرد خطي لا يُظهِر أي تشابه لتعقيدات المشاعر التي نختبرها في الواقع. يدرك كوفمان جيدا الأثر المُدمِّر لمثل هذه الرومانسيات عبر التوقعات والتصورات التي تزرعها داخل مشاهديها عما يجب أن تكون عليه العلاقات العاطفية، وهو ما يحاول أن يحمي مشاهديه منه بتقديم صورة واقعية عن العلاقات العاطفية، عن صعوبتها وفوضاها. في المسودة الأولى لسيناريو "إشراقة أبدية لعقل نظيف" (Eternal sunshine of spotless mind)، تجلس كليمنتاين مع د. ميرزوياك لتخبره عن مبررات رغبتها في محو ذكرياتها مع جويل، تقول:

"على كل حال كان الأمر صعبا معه، وعند مرحلة معينة أردت الانفصال عنه، لكن ظللت أتساءل مرارا هل ينبغي أن أُنهي الأمر الآن أم أمنحه مزيدا من الوقت، وجويل شخص جيد حقا. لم أكن سعيدة، لكن ماذا كنت أتوقع؟ العلاقات تتطلّب الكثير من الجهد كي تستمر. أفكر أحيانا ربما أنا ضحية لتلك الأفلام التي شاهدتها، وأن لديّ إدراكا غير واقعي تماما لما يمكن أن تكون عليه العلاقة العاطفية، ثم أعود لأخبر نفسي: لا، هذا ما أريده. الأمر معقد كما تعرف".

تجارب الحب كما نختبرها في الواقع نادرا ما تُوثَّق على الشاشة، يأتي الحب وتأتي معه مشكلاته الخاصة، فالوقوع في الحب ليس نهاية الحكاية مثلما يحدث في رومانسيات هوليوود، إذ تنتهي دائما مع بداية قصة الحب. في أحدث أفلامه "أفكر في إنهاء الأمور" (I am thinking of ending things)، يجلس العجوز جايك أثناء استراحة الغداء لمشاهدة فيلم زائف من إخراج روبرت زيمكس، يتبع شاب الفتاة التي يحبها إلى مكان عملها حيث تعمل نادلة في مطعم، يصرخ أمام الجميع مُصرِّحا بمحبتها، وهو ما يُكلِّفها عملها الذي تحتاج إليه، لكن ذلك لا يهم طبعا، فهي واقعة في الحب، ثم ينتهي الفيلم عند هذه اللحظة. يمتلك جايك نفسه تجربة مع فتاة كانت تروق له ذات مساء في بار، ظل ينظر لها طيلة الليل دون أن يمتلك الجرأة ليتحدث إليها.

 

في فيلمه "إشراقة أبدية لعقل نظيف" (Eternal Sunshine of the Spotless Mind) يعرض كوفمان الصورة كاملة؛ عذوبة الوقوع في الحب وجمال البدايات مع إحباطات وصعوبات العلاقة بشكل واقعي، يُبدِّد كوفمان التوقُّعات المُضلِّلة التي ترسمها رومانسيات هوليوود مع الإبقاء على الجوهر الرومانسي للحكاية، إذ تظل حكايته واحدة من أجمل الحكايات الرومانسية التي ظهرت على شاشة السينما.

فيلم "Eternal Sunshine of the Spotless Mind"

ويُعَدُّ فيلم "التكيُّف" (Adaptation) هو المثال الأكثر وضوحا للصراع بين كوفمان وهوليوود، بين السينما كما يراها وبين ما تفرضه تقاليد الصناعة الهوليوودية الحاكمة. في الفيلم، يخلق كوفمان لنفسه توأما يُدعى دونالد أو لنقل ينقسم على نفسه من أجل أن يُعبِّر بطريقة أفضل عن الصراع داخله أثناء محاولته تقديم معالجة سينمائية أصيلة/غير هوليوودية لكتاب سوزان أورلين. يلتقي تشارلي/نيكولاس كيج بمنتجة الفيلم في البداية، يخبرها: "لا أريد أن أُقلِّل من أهمية الكتاب بتحويله إلى فيلم هوليوودي، كأن يصبح فيلما عن سرقة الأوركيد أو استبدال الأوركيد بأزهار الخشاش، فيتحوَّل إلى فيلم عن تهريب المخدرات، لا أريد أن أقحم الفيلم في الجنس، أو البنادق، أو مطاردة السيارات، أو أن تتعلم الشخصيات في النهاية درسا عميقا عن مغزى الحياة".

 

كما لو كان كوفمان يضع "المانيفستو" الخاص به مبكرا، رافضا أن يكون ثمة قالب جاهز للكتابة مفروضا من البداية، فالكتابة بالنسبة له رحلة نحو المجهول. يرغب دونالد هو الآخر في أن يكون كاتبا، ومع ذلك لا يمنح ذاته أبدا لما يكتب، يكتب ضمن القوالب التقليدية وحسب المبادئ المجربة، فيُكلَّل بالنجاح ضمن المنظومة الهوليوودية. يعاني تشارلي طيلة الفيلم ليبقى اقتباسه غير هوليوودي، أن يحمل شيئا حقيقيا وأصيلا عن الحياة. لكن المثير هو ما يحدث في الثلث الأخير للفيلم، إذ ينقلب الفيلم على نفسه، يتحول إلى شيء هوليوودي تماما، يحدث كل ما لم يرغب تشارلي في حدوثه.

 

"يمكنك الاستعانة بأخيك دونالد في كتابة سيناريو سارق الأوركيد"، هذا ما يقترحه وكيل أعمال تشارلي عليه، بعد أن أعجبه سيناريو دونالد، ورغم رفض تشارلي هذا الاقتراح فإن هذا ما يتحقق في النهاية، وكأن تشارلي قد أصابه اليأس وتخلّى عن فكرته وترك السيناريو لدونالد ليكتبه على الطريقة الهوليوودية. هذه النهاية تُشير إلى واحدة من أكثر الثيمات تكرارا في سينما كوفمان وهي الفشل.

 

يمكننا أن نقول إن أفلام كوفمان هي سرديات عن الإحباط والفشل، أفلامه عن شخصيات تحاول أن تراوغ ذاتها وتهرب من إحباطها ومحدوديتها لكنها تفشل في ذلك. هذه المحاولات عادة تتمثَّل في شيء ما فانتازي، شيء ما غير موجود في الواقع يعمل بوصفه أداة مثالية لتحقيق رغبات شخصياته. في "أن تكون جون مالكوفيتش"، يكره كريج/جون كوزاك أن يكون ذاته، لأنه فنان مخذول، يرغب أن يكون آخر. حين تسأله ماكسين/كاثرين كينر عن عمله مُحرِّكَ دمى، يجيبها: "إنها فكرة أن تكون في جلد شخصية أخرى، أن تشعر وتفكر كشخص آخر".

 

هنا تظهر أداة الفانتازيا التي بإمكانها تحقيق رغبته، بوابة تقود إلى داخل عقل جون مالكوفيتش. بالنسبة له جون مالكوفيتش هو [أنا] مثالية، شخص لديه القبول والتحقق والشهرة بحيث يمكن استخدامه واجهةً لتحقيق حلمه في العمل مُحرِّكَ دمى والوصول إلى الجمهور، بالإضافة إلى كونه سيكون إلى جوار ماكسين، التي رفضته أكثر من مرة لكنها ستقبله الآن فقط وهو داخل مالكوفيتش. ينتهي الأمر به خارج جسد مالكوفيتش بلا عمل ولا حب بعد أن فقد ماكسين أيضا. نشاهد كريج نهاية الفيلم داخل جسد فتاة صغيرة هي طفلة ماكسين ولوت، يشاهد حبيبتيه السابقتين ترقصان معا في سعادة، بينما يتحول مالكوفيتش إلى مجرد وعاء لمجموعة من العجائز الراغبات في الخلود. يبدو الفيلم كله مجازا عن فشل الإنسان في أن يكون نفسه، يكتب ديفيد سميث (David l. Smith):

"كوفمان هو شاعر اليأس، كل نص من نصوصه ينقلب إلى ضرب من المهزلة، حيث تناضل شخصياته في الحياة ويفشلون على نحو حتمي. يفشلون في إيجاد معنى لحياتهم، في أن يكونوا أكثر اكتمالا، أو في تجاوز الهوة التي تفصل بين حياتنا وتلك الحياة التي طالما رغبنا في عيشها".(3)

شخصيات كوفمان مهووسة بوهم السيطرة على حياتها، يعمل كريج مُحرِّكَ دمى في "أن تكون جون مالكوفيتش"، حين ترفضه ماكسين في الواقع فإنه يخلق دمية على شاكلتها، يحرك هو خيوطها، يتحكم في مصيرها ويجعلها تقع في حبه. ينكشف الوهم في النهاية، نحن الدمى ولسنا مُحرِّكها. في "سينكدوكي، نيويورك" (Synecdoche, New York) نحن أمام فنان/مخرج مسرحي يُدعى كايدن/فيليب سيمور هوفمان في مواجهة هاجس موته والتداعي الغريب لجسده، يشعر أن حياته وصلت إلى طريق مسدود، وأن كل شيء في حياته بات خارج السيطرة. كايدن هنا بعد أن تركته زوجته وابنته مستهلك تماما تحت إحساس مكبل بالعجز، إنه يرغب في أن يكون المتحكم في حياته، تأتي منحة العبقرية لإنجازه المسرحي كي تمنحه الوسيلة لتحقيق رغبته، حيث يقوم في محاولة منه لفرض نوع من النظام على فوضى حياته بتحويل نفسه، وحياته وكل شخص فيها، إلى عرض مسرحي بحيث يكون هو المُحرِّك الأول لهذا العرض.

فيلم "Synecdoche, New York"

ماذا يحدث في النهاية؟ يُبْعَد عن كرسي المخرج، يُعطى دورا هامشيا في مسرحية حياته، دور امرأة تُدعى إلين/عاملة نظافة، بينما يُملى عليه كل ما يقول وكل ما يفعل، حتى أكثر الأفعال طبيعية وبساطة، يتحول إلى دمية بعد أن توهم أنه سيد العرض. إنها الحكاية نفسها تتكرر في نصوص كوفمان، يمنح أبطاله اليائسين أداة سحرية (منحة كايدن، البوابة إلى عقل مالكوفيتش، تقنية لاكونا التي تمحو الذكريات في "إشراقة أبدية لعقل نظيف" (Eternal sunshine of spotless mind)) تُمكِّنهم من تحقيق رغباتهم اليائسة التي يظنون أنها ستُنهي معاناتهم. يسمح لأبطاله بتحقيق رغبتهم ومتابعة حلمهم ليكشف لهم في النهاية سراب الحلم وحماقة الرغبة، وربما ليسخر من شخصياته مرة بعد أخرى حين يسمح لهم أن يصنعوا عالمهم الخاص ويضعون قوانينه ومع ذلك يُهزمون في النهاية!

 

يبدو كوفمان مشغولا في نصوصه بقدرة الإنسان الاستثنائية على خداع ذاته والهرب من الحقائق الواضحة لعالمه، يتحدث كوفمان عن أن أكثر ما جذبه لكتاب "تشاك باريس" الذي اقتبسه للسينما "اعترافات عقل خطر" (Confessions of a Dangerous Mind) هي تلك الفرضية الأكثر احتمالا بأنه يكذب، وأن كتابه نوع من ضلالات الذات. كان "باريس" قد ادّعى في سيرته سالفة الذكر أنه بالإضافة إلى عمله مُقدِّما ومنتجا لعروض تلفزيونية شهيرة كان قاتلا أجيرا لدى وكالة المخابرات المركزية الأميركية.

فيلم (اعترافات عقل خطر- Confessions of a Dangerous Mind)

لماذا يختلق "باريس" مثل هذه الحكايات؟ ولماذا هذه الفانتازيا تحديدا، التي هي أقرب لفانتازيا طفل في العاشرة كتبها رجل في الخمسين، إلا لاعتقاده أن حياته على هذه الشاكلة ستكون أكثر قيمة ومعنى ومتعة؟ كان تشاك ناجحا ومُتحقِّقا في مجال العروض التلفزيونية قبل أن يكتب هذا الكتاب، فلماذا يرغب في خلق "أنا" آخر يعيش به؟ ما لم يكن سعيدا بسمعته كونه صانعَ عروض تلفزيونية رديئة أو كارها لذاته مثل بطل كوفمان في "أن تكون جون مالكوفيتش".

 

يهتم كوفمان دائما بسيكولوجية شخصياته، وبالطريقة التي يعمل بها العقل من أجل خداع نفسه ومحاولة الانغماس في عالم خيالي. هذه الفانتازيات المتقنة هي محاولة شخصياته للتأقلم مع يأسها وإحباطاتها، ولتشويش وعيها، لأن الوعي كما يقول في فيلمه "التكيُّف" (Adaptation) "لعنة مُفزعة". هذا بلا شك أحد الأسباب التي جذبت كوفمان لرواية "آيان ريد" التي تحمل اسم "أفكر في إنهاء الأمور" (I’m Thinking of Ending Things)، فلدينا عجوز وحيد، عامل نظافة في مدرسة ثانوية، ويفكر في إنهاء حياته. في الرواية كما في الفيلم، لدينا خطان سرديان، أحدهما الروتين اليومي للعجوز، والخط الثاني هو حكايته الخيالية. يتخيل العجوز جايك نسخة شابة ومثالية منه في زيارة إلى بيت والديه مع حبيبته. نحن أمام حكي يعتمد دائما على منطق شديد الارتباط بالحياة الداخلية للشخصية الرئيسية كعادة نصوص كوفمان.

 

يرغب العجوز في الانتحار لأنه لم يعد قادرا على احتمال وحدته ويأسه، لكنّ جزءا منه لا يزال رافضا لذلك، نحن أمام صراع بين أجزاء ذات واحدة منقسمة على نفسها في لحظة صراع محتدمة. هذا الصراع يعكسه التوتر الدائم بين جايك وفتاته متعددة الأسماء، تخبره صديقته: "إن كل شيء يريد أن يعيش، حتى الفيروسات والأفكار الرديئة والمزيفة". يرد جايك: "هناك أنواع من الحشرات تقوم بتفجير نفسها دون سبب واضح، أعتقد أن كل الأشياء لا تريد أن تعيش". يخبرها هو عن عظمة فيلم كازافيتس "امرأة تحت التأثير" (A Woman Under the Influence)، تتقمص هي شخصية الناقدة الأميركية بولين كايل وتبدأ في قراءة مقالها الذي ينتقد الفيلم بقسوة.

 

يخلق جايك لنفسه عالما جديدا ينقل إليه من أشياء العالم الذي يعيشه ما يُلائم الغرض من الفانتازيا، يُوزِّع مظاهر الذات على عدد من الشخصيات مثلما يحدث في الحلم، لكن هذه الفانتازيا كما الحلم أيضا يسكنها اللا وعي ويُحرِّفها باستمرار، وبالتالي فهي مُعرَّضة دائما للتبدُّل والتداعي تحت ثقل هواجس العجوز التي تحاول اختراقها، تتبدّل الأزياء والديكورات، يدور الزمن دورة كاملة، فنشاهد حياة كاملة مُستعادة. تمنحنا الفانتازيا حسب فرويد لحظة من الإرضاء، نوعا من المواساة وتقدير الذات. ينصب جايك داخل فانتازيته مسرحا ويقوم ببطولة حكايته بينما يُصفِّق الجمهور، إنه يستحق ذلك الاحتفاء بعد حياة من الحرمان والوحدة. بينما تُبدي فتاته إعجابها بتفانيه في خدمة والدته المريضة، يخبرها: "يسعدني أنك تُخبرينني بذلك، هذا يواسيني كثيرا، أشعر أحيانا أنه لا أحد يرى ما أفعله من خير وكأنني وحدي".

يُشبِّه عالم النفس جاك لاكان الفانتازيا بلقطة ثابتة على شاشة السينما، حيث يتوقف شريط الفيلم عند لحظة محددة وظيفتها حماية الذات، لقطة الفانتازيا الثابتة تُخبِّئ تحتها كارثة مُقبلة. قرب نهاية الفيلم، تُخبر عاملة محل المثلجات صديقة جايك وعلى وجهها ملامح الرعب: "ابقي هنا" (أي داخل الفانتازيا)، لأن التقدُّم في الطريق معناه نهاية الفانتازيا ووقوع الحدث الصادم/انتحار العجوز.

 

من الأشياء المُثيرة بشأن فانتازيا جايك أن هذه المرأة في قلب حكايته الخيالية التي يملأ مونولوجها الداخلي شريط الصوت ليست قصة حب ضائع، بل مجرد امرأة صادفها ذات ليلة ولم يجرؤ على الحديث معها، حين تنكشف الحقيقة في النهاية تقول له إنها حتى لا تتذكَّره، وإنها ظنّته غريب الأطوار لأنه ظل يُحدِّق فيها طيلة الليلة، وإن تذكُّره الآن أشبه بمحاولة تذكُّر بعوضة لدغتها ذات ليلة منذ ٤٠ عاما. هذا هو المُثير للشفقة في شخصية جايك، أن هذه المرأة بطلة حكايته الفانتازية التي لا تذكره هي أكثر شيء برّاق في حياته الرمادية، إنها أكثر امرأة اقترب منها خلال حياته اللعينة، وتبدُّل اسمها ووظائفها داخل الفانتازيا هو انعكاس لكونه لم يكن حتى يعرف اسمها أو وظيفتها.

 

من المُثير أيضا فكرة أن جايك يواصل العيش داخل الفانتازيا حتى اللحظات الأخيرة من وجوده البائس، وكأنه غير قادر على مواجهة الحقيقة العارية حتى النهاية، إذ يتخيل نفسه يتسلَّم جائزة نوبل في محاكاة صريحة لفيلم "عقل جميل" (A Beautiful Mind)، أو في مشهد أخير يُحاكي أحد مشاهد مسرحية أوكلاهوما، لكن الحضور في المشهدين يمنحونه ما يتوهَّمه وما يُريده من تقدير مُستحَق.

 

حين تقوم بحذف الآلة الفانتازية من حكايات كوفمان، ماذا سيتبقّى؟ تخيل إشراقة أبدية بدون تقنية لاكونا التي تمحو الذكريات، أو جون مالكوفيتش دون البوابة التي تؤدي إلى داخل عقل جون مالكوفيتش، أو فانتازيا العجوز جايك في أحدث أفلامه. شخصيات كوفمان بحاجة إلى هذا الوهم، إلى هذا الانعتاق اللحظي من المعاناة، إلى هذه الآلة التي تظهر في اللحظة التي تبدو المعاناة فيها قد بلغت ذروتها، لكنها تتعطل في النهاية، تنهزم هذه الفانتازيات أمام واقع شخصياته.

في أحدث أفلامه، تدخل فتاة جايك إلى غرفته، تجد رفوفا من الكتب والأفلام، إنها الثقافة التي شكَّلت جزءا من شخصيته، فما نتوحَّد معه يُبدِّلنا من الداخل، يصير جزءا منا، وكل حوار حدث في الفيلم بين جايك وفتاته متعددة الأسماء خارج من بين هذه الرفوف. فكَّرت كثيرا في غرفة كتلك داخل عقل كوفمان، وكيف ستمنحنا عناوين هذه الكتب والأفلام لمحة عن عالم كوفمان الداخلي، عن مزاجه وهواجسه. آثار هذه الثقافة عضوي ومُخبّأ عميقا في نسيج حكاياته وشخصياته، ستجد هناك بلا شك عناوين مسرحيات بتوقيع يوجين يونسكو، وصامويل بيكيت، ولويجي بيرانديللو. هناك أيضا روايات فيليب ك. ديك، كورت فونيجت، شيرلي جاكسون، باتريشيا سميث، محاكمة كافكا وزمن مارسيل بروست المُستعاد.

 

وعلى رف الأفلام سنجد بلا شك أفلام مخرجه المفضل ديفيد لينش في موضع بارز، كوميديا جروشو ماركس، مونتي بايثون وبعضا من أفلام وودي آلن في السبعينيات والثمانينيات، ستجد أيضا "بارتون فينك" للأخوين جويل وإيثان كوين في أعلى هذه الأفلام ليكون في متناول يده كلما رغب في إعادة مشاهدته، الذي ربما يحكي على نحو ما حكاية كوفمان نفسه: كاتب مسرحي عبقري يقوده نجاحه إلى هوليوود لتتحوَّل حياته هناك إلى كابوس سريالي.

____________________________________________________________________________________

المصادر

  1. من محاضرة ألقاها كوفمان في الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتليفزيون.
  2. المصدر السابق.
  3. The Philosophy of Charlie Kaufman, edited by David LaRocca.

حول هذه القصة

باتت الرقابة الصينية لا تقتصر على النطاق الجغرافي الصيني، لكنها آخذة بالتفشي بالولايات المتحدة الأميركية، عبر هوليوود ونتفليكس، والعديد من المنصات العصرية بحيث يلتزم محتواها برؤية الحزب الشيوعي للصين.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة