فيلم "المعلم" (The master).. ما الذي يحاول الفيلم بالضبط أن يقول؟

"إن حلما غير مُفسَّر يشبه رسالة غير مقروءة"

(التلمود)

في عام 2012، أي بعد خمسة أعوام من تحفته الأكثر مديحا "ستسيل الدماء" (There Will Be Blood)، يعود المخرج الأميركي بول توماس أندرسون بفيلمه "المعلم" (The master)، الفيلم الذي يمكن أن نصفه بأنه الأكثر غرابة وغموضا في فيلموجرافيا المخرج حتى الآن. يكتب الناقد الأميركي الكبير روجر إيبرت في مراجعته النقدية للفيلم وقت صدوره واصفا افتتانه وحيرته أمام الفيلم:

"المعلم فيلم مدهش على مستوى الحِرفة الإخراجية والأداء التمثيلي، إنه مبتكر، وفاتن، ويمنحنا فضولا لا نهائيا تجاه موضوعه، لكن كلما ظننت أنه في متناول يدي أغلقت يدي على الهواء، ما الذي يحاول الفيلم بالضبط أن يقوله؟!".(1)

لكن هذا الغموض المستغلق لا يمنعنا من محاولة تأويل فيلم أندرسون وفهم شخصياته، وتأويل الفن في العموم وخاصة السينما لا يقتضي بالضرورة حل لغز ما أو الوصول إلى حقيقة واضحة، لكن ما يعول عليه هو ما تخرج به من تجربتك الشخصية مع الفيلم، ما شعرت به وما أثاره في داخلك من أفكار وأسئلة. هذه محاولة لتتبع الأفكار والأسئلة التي أثارها فيلم أندرسون.

 

ينتمي فيلم أندرسون إلى ما يُسمى بأفلام دراسة الشخصية (character study film)، في هذه النوعية من الأفلام تحدد الشخصية الرئيسية مسار السرد، بحيث يصبح كل شيء تابعا لها، ويكتسب قيمته من قدرته على إضاءة ملامح الشخصية الرئيسية ورصد الأفكار والمشاعر التي تسيطر عليها. فيلم "المعلم" (The master) هو بورتريه سينمائي لشخصيته الرئيسية "فريدي كويل/خواكين فينيكس"، فريدي مجند البحرية الأميركية الخارج لتوّه من جحيم الحرب العالمية الثانية.

 

يظهر فريدي من البداية روحا ضائعة، لا تجد نفسها في أي شيء حولها، حتى وسط رفاقه في البحرية يبدو غريبا ومنعزلا. يُغرِق نفسه في الكحول، إنه يشرب أي شيء تقريبا، نشاهده في أحد المشاهد يشرب وقود أحد محركات السفينة. من البداية يؤطر أندرسون غلبة الطبيعة الحيوانية على فريدي، تسلّقه للأشجار في أحد المشاهد، نشاهده نائما في أعلى نقطة من السفينة بينما يقذف رفاقه بأشياء تجاهه، كما لو كان حيوانا في حديقة حيوانات. جسد خواكين هنا أشبه بلوحة تعبيرية، إذ يشي تشوّه الخارج بدواخل الشخصية المضطربة، تقوّس ظهره الذي يمنحه مظهرا حيوانيا والتواءة وجهه الدائمة التي تجسِّد الغضب المتأصل في شخصيته، تمتمته غير المفهومة التي تفضح عجزه عن التواصل مع الآخرين؛ كل هذه رتوش خارجية لا تمنحنا أي اقتراب من عالمه الداخلي المغلق.

 

أولى محاولات الكشف عن داخل فريدي تأتي بعد العودة من الحرب في إحدى المصحات النفسية التي تقوم بتأهيل الجنود الذين يعانون من صدمات نفسية للعودة من جديد إلى حياتهم الطبيعية. يعرض أحد الأطباء عليه سلسلة من بقع الحبر تُمثِّل أنماطا تجريدية نموذجية طالبا منه أن يُخبره عما تُمثِّله هذه الصور (اختبار نفسي معروف باسم اختبار روشاخ)، وتأتي كل إجابات فريدي عبارة عن أعضاء جنسية، وهذا ما يُبرِز مرة أخرى غلبة جانبه الحيواني.

يبدأ طبيب آخر في سؤاله عن بعض الأعراض التي عانى منها أثناء فترة خدمته العسكرية مثل نوبات بكائه، لكنه ينكر ذلك:

"* الأمر كله أني تلقيت خطابا من فتاة.

– أهي حبيبتك؟

* لا، ليست حبيبتي، إنها فقط الشقيقة الصغرى لأحد أصدقائي".

يضحك فريدي أثناء إجاباته ضحكات عصبية، لكنّ عينيه تعكسان ألما حقيقيا، ويبدو اضطرابه النفسي وجراح روحه أكثر غورا من صدمة الحرب. هذه المرة أيضا لا نعرف شيئا عن داخل فريدي، كل ما هنالك أننا نلمس عن قرب ألمه الداخلي عبر نظرات عينيه، وأنه لا يكشف عن هذا الألم لأي أحد.

 

نراه ما بعد الحرب يعمل مصورا في متجر كبير، يتركه بعد شجار مفتعل مع أحد زبائنه، ثم نراه يعمل في إحدى المزارع مع عمّال مهاجرين، يهرب منها أيضا بعد اتهامه بقتل أحد العاملين بواسطة المشروبات الغريبة التي يصنعها بنفسه.

 

خطواته الهاربة تقوده إلى سفينة على شاطئ خليج سان فرانسيسكو حيث يلتقي على متنها بشخصية معلم روحي يُدعى لانكستر دود/فيليب سيمور هوفمان، ومؤسس لطائفة دينية ذات تقاليد خاصة، ينجذب دود نحو فريدي مباشرة، يستغل أندرسون هذا الانجذاب الغامض والمتبادل بين فريدي ولانكستر، ويجعل من علاقتهما قلبَ فيلمه، يستكشف عبرها الحالة الإنسانية بغموضها الكبير والمتعذّر سبره، إذ يعرف أندرسون جيدا كيف يصنع فيلما يحتوي العالم عبر شخصياته التي تبدو أكبر من الحياة.

هذا الإنكار الذي حدث أثناء تأهيله ما بعد الحرب، والذي يمارسه فريدي طيلة الوقت، يستمر حتى بعد لقائه بلانكستر، لا يبدأ فريدي بالإفصاح عن منابع ألمه الداخلي إلا حين تتوطّد صِلاته العاطفية بلانكستر. في هذا المشهد الأيقوني الذي يجمعهما معا (2) يبدأ فريدي بالبوح واستعادة شيء من ذكرياته، نعرف أن والده مات بسبب إدمانه للكحول، وأمه تقيم في إحدى المصحات العقلية، نعرف أن الخطاب الذي سبّب نوبات بكائه كان من "دوريس" الفتاة الوحيدة التي تقبّلته وأحبّته، لكنه يتركها ويبتعد، لا يعود لها حتى بعد انتهاء الحرب، وحين يسأله لانكستر ما الذي يمنعه من العودة إليها الآن، يجيب: "لا أعرف، إنني أحمق". فريدي ليس لديه أي فكرة عما يفعله في العالم، فقط تتملّكه رغبة مُلِحّة في الهرب والإفلات من قبضة الأماكن والبشر، اندفاعاته الغاضبة والعنيفة تدفعه بعيدا عن الجميع، ولأن الشخصية هي ما تقود السرد، فليس لدينا هنا حبكة واضحة، بل نتجوّل مع بطله بين المكان والزمان في سرد أشبه بالحلم، نحن دائما في داخله ولا نعرف أبدا كيف أو متى بدأ؟

 

لماذا ينجذب لانكستر لفريدي مباشرة؟ ربما جانبه الحيواني الطاغي هو ما يسعى له لانكستر. نعرف عبر تعاليمه أن ما يسعى له لانكسترهو أن يُخلِّص الإنسان من مشاعره الدونية، ممّا يُطلق عليه الأصل الحيواني، في فلسفته لا يوجد سوى الروح التي تتنقل بين الأوعية/الأجساد، تعيش أكثر من حياة، وبالتالي هو ضحية مثالية يستطيع أن يُجري عليها تجاربه. لا يوجد فارق كبير بين لانكستر وفريدي، إذا كانت صدمات فريدي حفّزت جانبه الحيواني وجعلته أكثر ظهورا، فلانكستر لا عقلاني وشهواني أيضا وعنيف، لكنه يعرف كيف يُخفي ذلك تحت قناع المعلم الروحي، أحيانا يُفلت غضبه، فيثور حين يُواجَه عقلانيا بضعف حججه، غالبا لأنه يعرف في داخله أنه مزيف، وأن فلسفته المختلقة لن تشفي أحدا. يُبقي فريدي إلى جواره لأنه إذا استطاع أن يُعيده من جديد إلى حالته الطبيعة حتى لو عن طريق الإيهام والتلاعب بعواطفه، فإن بإمكانه أن يوهم نفسه وأتباعه بجدوى فلسفته. إنه مُتعطِّش للسلطة كتعطش بلاينفو/دانييل دي لويس للمال، إنه أقرب في الحقيقة لشخصية إيلاي/بول دانو في فيلم "ستسيل الدماء" (there will be blood).

 

تظل شخصيات أندرسون مشفرة حتى النهاية، ويبقى فيلمه غامضا غموض شخصياته، منفتحا على كل الاحتمالات. يتناقض الغموض النهائي لفيلمه مع قوة صوره وزخمها التعبيري، يُبقي أنظارنا معلّقة بشخصياته ويجعل شخصياته جزءا من "ميزانسين" مصنوع بإتقان شديد. يخبرنا علم النفس بأن رغبات الإنسان الدفينة وطبيعة شخصيته يمكن فهمها إلى حدٍّ بعيد عبر تأمّل ما يقوله ويفعله أو ما يحلم به، يُشهدنا أندرسون على شيء من كل ذلك في شخصياته، لكن كل ذلك يظل عاجزا في النهاية عن رسم بورتريه واضح لشخصياته، إذ تظل حتى النهاية عالقة في غموضها. ربما هذا الافتقاد إلى المعنى وهذه الحيرة اللا نهائية هما المعنى النهائي للفيلم.

 

العائلة في سينما بول توماس أندرسون أشبه بفردوس مسموم، دائما هي مصدر الجرح المفتوح، هي ما يُغيّر مسار الشخصيات ويدفعها إلى تشكيل هوية غالبا ما تتناقض مع حقيقتها الداخلية. تبحث الشخصيات عن حب بديل يعوّضها عن حب فقدته (الأم، الأب، الطفل، أو العائلة)، هذه ثيمة أساسية في سينما أندرسون، ومكمن التناقض في شخصياته، فهي تسعى دائما إلى شيء هربت منه في الأساس.

ففي فيلمه "ليالٍ عبثية" (Boogie Nights) نجد "إدي" الذي يهرب من أم مضطربة ومسيطرة ينجذب لشخصية "أمبر" التي حُرمت من التواصل مع ابنها بواسطة زوجها، كلاهما يجد في علاقتهما معا ما يفتقد؛ هو الأم البديلة، وهي الابن المفقود. وفي فيلم "ماغنوليا" (Magnolia) نجد كل العلاقات العائلية محطمة، نجد مثلا الابنة "كارولينا" العصابية ومدمنة المخدرات لأن الأب قد تحرّش بها جنسيا في صغرها، و"فرانك" الذي يقوم بتقديم عرض تلفزيوني ينضح بذكورية متطرفة ويعلّم الرجال كيفية خداع النساء والإيقاع بهن ثم هجرهن، ينبع ألمه الأعمق من هجران والده له ولوالدته بعد أن أُصيبت بالسرطان، ولأنه عاجز عن مواجهته بغضبه، فإنه يتوحّد بشخصيته ويوجّه غضبه تجاه النساء.

 

أما في فيلمه "الحب المترنّح" (Punch-Drunk Love) نجد "باري"، نتيجة العائلة الضاغطة والخانقة والمكوّنة كلها من النساء، لا يستطيع أن يقيم علاقة حقيقية مع امرأة، فالمرأة رغم أنها تُشكِّل خَلاصه فإنها تظل التهديد الأكبر بالنسبة له نتيجة تاريخه العائلي.

 

هنا في "المعلم" (the master)، ما الذي يدفع فريدي للعيش هكذا جوّالا دون جذور؟ لماذا يهرب من دوريس؟ لماذا لا يعود إلى بيته؟ إننا في الحقيقة لم نرَ بيته أبدا. ورغم أن نص أندرسون لا يُصرِّح بما حدث له في حضن عائلته، فإننا يمكن أن نتخيّل طفلا بهشاشة فريدي يعيش بين أبٍ مخمور وأُمٍّ تعاني من مرض عقلي، نعرف أيضا من التجارب العلاجية له مع لانكستر أنه أقام علاقة محرمة مع عمته أثناء سُكْره. فريدي إذن يحمل الكثير من الجراح المفتوحة النابعة من عائلته، هذا في الغالب هو الدافع لهربه من فتاته دوريس، إنه لا يريد أن يُعيد من جديد تاريخ العذاب المحفور في ذاكرته الشعورية بارتباطه بها وتكوين عائلة معها. ربما أيضا ظن أنها ستكرهه إذا اطلعت على أعماقه المظلمة، فقرَّر أن يُبقيها حية ولو في خياله. لكن العذاب الأكبر أنه في أعماقه يحن إلى العائلة كونها فكرة، كونها مصدرا للأمان والسعادة. في المشهد الذي يجمعه بالطبيب النفسي بعد عودته من الحرب، يدور هذا الحوار:

"* لقد قلت إنك رأيت رؤيا لوالدتك؟

– لم تكن رؤيا، كان حلما.

* أخبرني إذن عن حلمك.

– لماذا تريد أن تعرف حلمي؟

* لأن هذا سيساعد في علاجك.

– إنك لا تستطيع أن تساعدني، إنك حتى لا تعرف… حسن، لقد كان حلما عن أبي وأمي وعني، في بيتنا، كنا نجلس حول المائدة، نحتسي الشراب ونضحك، وأعتقد هنا انتهى الحلم".

هذا حلم الأعماق، سواء كانت ذكرى حقيقية احتفظ بها بعيدا عن ذكرياته المظلمة وباغتته في زمن الحرب، أو هذا ما يحلم به ولم يحدث أبدا، وفي الحالتين هناك رغبة ربما أكثر عمقا من كل الجراح تجعله يحنّ إلى فكرة العائلة. ولذلك نجد أبطال أندرسون بعد هربهم من عائلاتهم الأصلية يبحثون عن الحب ذاته في هياكل بديلة تشبه العائلة، هنا لدينا الطائفة "القضية" (the cause) التي تشبه عائلة حقيقية، وخاصة العلاقة التي تتكوّن بينه وبين لانكستر، إنه أقرب إلى أبٍ بديل، لكن أشباح ماضيه تظل تطارده، فيترك هذه العائلة من جديد.

 

"حر كالريح، ولا أحد يستبد بك. فريدي بحار البحار السبعة، أنت حر أن تذهب إلى أي مكان، اذهب إذن، إلى تلك البقعة القاحلة، حظا سعيدا. لأنك إذا توصلت إلى وسيلة للعيش دون أن تخدم سيدا ما، أي سيد، فأعْلِم بقيتنا بهذا، لأنك ستكون وقتها أول إنسان في تاريخ البشر يفعل ذلك".

(لانكستر دود من فيلم "المعلم" (the master))

كان فرويد متشائما بشأن الطبيعة البشرية، كان يتحدث عن وهم الحرية، فإرادتنا وذكاؤنا ليسا مطلقين، وجزء كبير مما يحفز سلوكنا في الحياة يُفلت من قبضة الوعي. كان فرويد يتحدّث عن قوّة المكبوت، وعن جروح العائلة، وضغوط المؤسسات، وسطوة الدين، وثقل المجتمع والثقافة السائدة، كل هذا يسكننا ويحرّكنا في الخفاء. لهذا صاغ فرويد هذه العبارة المُغرقة في تشاؤمها:

"لن تكون الأنا أبدا سيدة بيتها الخاص".(3)

وهي العبارة التي نجد صداها في كلمات لانكستر التي يوجّهها إلى فريدي بأن هذا العالم لم يشهد أبدا إنسانا عاش دون سيد. على المستوى المباشر لدينا فريدي، أسير ماضيه ومخاوفه وحنينه المضني إلى فكرة العائلة والاستقرار، ولدينا لانكستر، القائد الروحي الذي يلقّبه أتباعه بالمعلم أو السيد، هو واقع بلا شك تحت سُلطة زوجته بيجي/إيمي آدامز.

على مستوى نفسي، وحسب فرويد، يمكننا أن نرى الشخصيات الثلاث كونها مكوّنات الذات البشرية، فريدي المعبِّر عن الغرائز الحيوانية كالجنس والعدوان غير المتوقع وغير المحكوم بالمنطق يُمثِّل "الهو"، بينما لانكستر بميله للعقلانية وقدرته على ضبط غرائزه واندفاعاته باستثناء مرات قليلة يُمثِّل "الأنا"، وبيجي التي تُمثِّل "الأنا الأعلى"، المراقب الأكثر سطوة تحجم اندفاعات "الهي".

 

الحكاية إذن هي حكاية المعلم المُحاصَر برغباته الحيوانية المكبوتة التي تتناقض مع صورته كونه قائدا روحيا يرى أن الإنسان لا ينتمي إلى مملكة الحيوانات، لذا فرغبته في التسامي تتم عبر كبح جانبه الحيواني المهدد، الأمر الذي نراه واضحا في أكثر من مشهد في الفيلم.

 

في هذا السياق أيضا يمكننا أن نفهم التوتر الدائم بين بيجي وفريدي، ورؤيته خطرا يُهدد لانكستر. بعد ابتعاده عن لانكستر، يراه فريدي في حلمه، إذ يدعوه لزيارته في إنجلترا حيث يقيم الآن. يسأله فريدي: "كيف وجدتني؟"، يجيبه لانكستر: "نحن مقيّدان معا".

 

التكوين في مشهد اللقاء الأخير بين الشخصيات الثلاث يخدم هذه الرؤية. تبدو بيجي هي المسيطرة كالعادة، وجودها خلف لانكستر قليلا وفي منطقة معتمة وكأنها هي التي تُحرِّكه، حين تتحدث يصمت لانكستر تماما، تبدأ في استجواب فريدي قبل أن تُعلن نبذها له باعتباره حالة ميؤوسا منها. تترك الغرفة لهما وحيدين، نشاهد مدى تأثر لانكستر الذي يرغب في بقاء فريدي، لكن فريدي الذي لا يعيش إلا وفق قانونه الخاص يخبره ربما في حياة أخرى. ثم يبدأ في غناء هذه الكلمات:

"إني أحب أن آخذك

على متن قارب يبحر بطيئا نحو الصين

ملكا لي، وحدي

أحضنك وأُبقيك بين ذراعي دائما

تاركا كل حسناواتك ينتحبن على الضفة البعيدة".

يمكننا قراءة هذه الأغنية الوداعية بينهما كونها نوعا من الإيروسية المثلية الكامنة، أو ربما تهويدة أب لطفله، ويُمكننا قراءتها كونها رغبة الأنا اليائسة في التحرر، أن تكون على طبيعتها بعيدا عن أي مراقبة أو حصار.

 

"الآن سأموت، وسأخبرك بشيء، إن ندمي الأكبر في الحياة أنني تخليت عن حبي".

(شخصية إيرل من فيلم أندرسون "ماغنوليا")

يفتتح أندرسون فيلمة بلقطة من زاوية علوية لمياه المحيط المضطربة والمزبدة، كان يمكن اعتبارها لقطة تأسيسية أو تعبيرا عن الداخل المضطرب لبطله الذي سيظهر في اللقطة التالية، إلا أن اللقطة تتحوّل فيما بعد إلى نوع من الموتيفة البصرية، إذ تظهر بعد ذلك في موضعين آخرين، وحينما تظهر فإنها تؤذن برحلة ما بالنسبة لفريدي، ظهورها الأول كان إيذانا بانتهاء الحرب وعودة فريدي، وفي المرة الثانية تظهر بعد قرار فريدي بالفرار بعيدا عن محبوبته وبداية منفاه الاختياري، والمرة الثالثة قبل وداعه الأخير للانكستر ومقابلته لفتاة الحانة "وين".

صورة مياه المحيط المضطربة والمزبدة تعبيرا عن الداخل المضطرب لبطل فيلم المعلم

يمكننا أن نرى في مسار فريدي في الفيلم وحكايته مع محبوبته دوريس ورحيله عنها وعدم عودته رغم محبته لها نوعا من الأوديسا (5) على غرار أوديسا هوميروس، مثلما رأى علم النفس في حكاية عوليس وبينلوبي دراما داخلية لإنسان معاصر هو فريسة تناقضات عصابية. (4) فالأوديسا ليست مغامرة في فضاء جغرافي، بل في فضاء الداخل، لأن عوليس لا يريد أن يعود لزوجته فإن لا وعيه يخلق له عقبات حتى لا يعود، هذه الوحوش التي يلقاها في رحلته ليست إلا وحوش لا وعيه، تماما مثل مخاوف فريدي الداخلية المظلمة التي جعلته يترك محبوبته أول الأمر، ويتأخر في عودته إليها حتى فات الأوان.

 

يمكننا أن نتخيَّل أن أوديسا فريدي بدأت عند هذه اللحظة حين غنّت له محبوبته أمام بيتها هذه الأغنية: "لا تجلس تحت شجرة التفاح مع امرأة ليست أنا"، وكأنها تطالب ببقائه على عهد حبها طيلة غيابه عنها. المثير في أمر فريدي رغم مخيلته الجنسية وشبقه اللا نهائي أننا لا نراه يمارس الجنس مع أي امرأة طيلة الفيلم، وكأنه ظل على عهده مع محبوبته. بعد عودته من الحرب وعمله في المتجر، بينما تُحاكي الكاميرا في حركتها انجذابه نحو إحدى الفتيات، نجد أغنية إيلا فيتزجيرالد في الخلفية "Get Thee Behind Me Satan"، حيث تناشد الشيطان أن يبتعد عنها كي لا تقع في الغواية لأن حبيبها ينتظر بعيدا. يطلب فريدي مواعدة الفتاة، ثم نجده يغط إلى جوارها في نوم عميق، كي لا يقع في الغواية من جديد فإنه يفتعل شجارا مع أحد الزبائن ثم يبتعد من المكان تماما. يمكننا عبر هذا البناء الدائري للفيلم -فاللقطة التي تختتم تتابع البداية هي نفسها التي تختتم الفيلم- فهم أن المرأة المثالية أو العائلة أو السعادة ستظل مجرد فكرة أو خيال، قلعة من رمال. يتأمل فيلم أندرسون في الأشباح التي تسكننا، الأشياء التي تسيطر علينا وتُشكِّل ذواتنا وتُحدِّد مساراتنا في الحياة، العائلة، الحب، الحاجة المُلِحَّة إلى التواصل والقبول من الآخر. فيلم أندرسون عن غموض الحالة الإنسانية وبؤسها.

____________________________________________________________________________

 

هامش

*الأوديسا: كلمة الأوديسا في اللغة الإنجليزية وعدة لغات تعني الرحلة الملحمية، وهي واحدة من ضمن ملحمتين إغريقيتين كبريين منسوبتين إلى هومر، وهي جزئيا تتمة لملحمة الإلياذة المنسوبة هي الأخرى إلى هومر. وتُعَدُّ ركنا رئيسيا للأدب الغربي الحديث، فهي ثاني أقدم عمل أدبي أنتجته الحضارة الغربية، بينما الإلياذة هي الأقدم. تُركِّز القصيدة على البطل الإغريقي عوليس ملك مدينة إيثاكا، حرب طراودة، ورحلة عودته إلى إيثاكا وزوجته بينولوبي التي استمرت عشر سنوات.

المصادر

  1. A magnificent puzzlement
  2. The Master – Processing Scene
  3. التحليل النفسي والأدب: جان بيلمان نويل.
  4. رواية "احتقار" للإيطالي ألبرتو مورافيا.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة