كان متهما بالشيوعية وممنوعا من دخول أميركا.. مواقف لا تعرفها عن حياة تشارلي شابلن

يقف طفل على خشبة المسرح، أمام جمهور غاضب، في محاولة منه لإنقاذ والدته التي خانها صوتها في عز واصلة غنائها، لتقف أمام الجمهور، مصدومةً دونما حركة. في هذه اللحظة، تدخَّل الطفل لإكمال الأغنية عن والدته. حينها، نال الطفل ذو الخمسة أعوام حبَّ الجماهير الذين تبدَّلت صيحات استهجانهم إلى تصفيق حاد، وليتوقفوا عن قذف القمامة، مستبدلينها بالعملات المعدنية؛ تعبيرا عن حبهم لما شاهدوه.

    

هذا الطفل، هو تشارلي تشابلن، أحد أشهر رموز الكوميديا في العالم، والذي يُخفي وراء صورته المضحكة، المحفورة في أذهان الملايين، حُزنا وألما امتدا لسنوات؛ مُثقلا بإرث الفقر، والذل، خلال طفولته الضائعة التي قضاها بين مسح الأحذية والحلاقة، وصناعة الألعاب رخيصة الثمن.

   

ما سبق، ليس سوى لمحات سريعة عن الجانب الخفيّ للكوميدي الشهير، ذي الوجه البارد، تشارلي تشابلن، والذي اشتُهر بتقديم الكوميديا في صمتٍ تام، مرفقا صمته بنظراته الغربية التي تكاد أن تُعبِّر عن ماضيه الضائع بين الملاجئ، والذي كان يخبئ لتشابلن مستقبلا مليئا بالمفاجآت. (1)

   

لقطات من الماضي

"الزمن هو أعظم الكُتَّاب، لأنه دائما يكتب أعظم النهايات". (2)

(تشارلي تشابلن)

     

"تشارلز تشابلن الأب" والد "تشارلي تشابلن" و"هانا هارييت شابلن"والده "تشارلي تشابلن" (مواقع التواصل)

    

تعيش "هانا هارييت شابلن" التي تعمل على خشبة المسرح مع ابنها "غير الشرعي"، "سدني شابلن" في ضاحية "الوورث"، وهي أكثر المناطق فقرا وبؤسا في لندن، وبمرور الوقت، تزوجّت هانا من "تشارلز تشابلن الأب" والذي كان يعمل معها على المسرح. لم يمر الكثير على زواجهما، حتى رُزقا بمولود عام 1889 أسمياه "السير تشارلز سبنسر تشابلن" المُلقّب "بتشارلي تشابلن"، والذي عاش مع أمه هانا وأخيه سيدي وسط بيئة فقيرة جدا، مع أب لا يتحمّل المسؤولية أبدا، فهو الذي عُرِف بالسُّكْر والإهمال حيال بيته. الأمر الذي اتّضح مع ترك زوجته، وابنه تشارلي ذا ثلاثة الأعوام مع أمه الفقيرة التي كانت ترعى طفلين في ظروف مادية صعبة.

    

كان على هانا رعاية طفلين في الوقت الذي لم تكن تستطيع فيه رعاية نفسها، واضطرت للعمل على آلة الخياطة بجانب الغناء، أملا منها في توفير الطعام لأولادها. وبسبب توقُّف زوجها عن تقديم المعونة، رهَنَت هانا جميع ما تملك، حتى ملابس المسرح التي كانت تحتفظ بها وتقوم بارتدائها في المنزل للترويح عن أطفالها بتقليد الفنانين تخلّت عنها أيضا. وكما يُشير عدد من المصادر، فقد تحمّلت هانا المسؤولية وحدها، تلك المسؤولية التي فاقت قدراتها، ليبدأ وضعها المادي بالتدهور أكثر فأكثر، وبدأت معاناة أطفالها بالازدياد، قبل أن يأتي عام 1896، حينما أودعت الحكومة الإنجليزية أطفال "هانا" في إصلاحية الفقراء، لتُمثِّل هذه الحادثة، صدمةً حادةً لهانا جعلتها تدخل في أزمة نفسية عنيفة، دخلت على إثرها مستشفى الأمراض النفسية، تاركةً أطفالها يعانونَ مشقّات الحياة وحدهم. (3، 4)

   

"لقد عملت بائع جرائد، وصانع ألعاب، ونافخ زجاج، وساعيا لدى طبيب، وصبي حلاقة، وماسحا للأحذية.. وسط كل هذه المغامرات المهنية لم يغب عن نظري يوما هدفي النهائي؛ وهو أن أصبح ممثلا هزليا". (5)

(تشارلي تشابلن)

     

تشارلي تشابلن (مواقع التواصل)

  

بعد محاولات عديدة من تشارلي وأخيه سيدني للعودة إلى والدهما، تحقّق مرادهما لفترة قصيرة جدا، لكنها لم تكن بالتأكيد الفترة الأفضل في حياة تشارلي، حيث كان يشاهد أباه يعود إلى المنزل، يوميا، وهو غارق في شرب الكحول. على إثره، تدهورت صحته سريعا، ليُفارق الحياةَ مُبكّرا في عُمر الـ 38. من هنا، عاد الطفلان إلى حياتهما المتشرّدة بين الملاجئ.

   

أُرسل تشارلي وأخوه سيدني هذه المرّة إلى مدرسة "هانوي لرعاية الأيتام والأطفال المحتاجين"، وتزامن ذلك مع خروج والدتهما من مستشفى الأمراض العقلية. بدَت الظروف حينها مهيّأة للمِّ الشمل العائلي، لكن، ولسوء الأوضاع المادية، لم يكن لتشارلي خيارٌ سوى العمل لمساعدة أمه التي تمكّن منها المرض فأصبحت عاجزةً عن العمل. عَمِل تشارلي حينها بائعا للجرائد، وصانع ألعاب، ونافخ زجاج، حتى إنه عَمِل في الحلاقة، ومسح الأحذية، لم يكن هذا سهلا على طفل يبلغ من العمر تسع سنوات فقط، لكن الظروف القاسية كثيرا ما تُخرج من الإنسان ما لم يكن يتصوّر أنه بالإمكان.

   

وكما هو واضح، بات تشارلي بحُكم الواقع المسؤول الأول عن إعالة والدته وأخيه. لم يمر الكثير، وتحت وطأة ظروف الفقر القاهرة، حتى دخلت أمه مستشفى الأمراض العقلية من جديد. كان هذا سببا كافيا ليكره تشارلي الفقر، ويعتبره العدو الأول له. بدأت حينها مساعيه الحثيثة لمواجهة الفقر عبر خطواتٍ تدريجية قادته لعالم المسرح، بدايةً من تلك الأدوار البسيطة والصغيرة التي لا تكاد تُذكر في بعض المسرحيات.(3)

   

الحلم الأميركي


  

"لا بدّ للمرء أن يكون واثقا من نفسه، هذا هو السر، حتى عندما كنت أعيش في ملجأ الأيتام، وحتى عندما كنت أهيم على وجهي في الشوارع والأزقة باحثا عن لقمة خبز لأملأ بها معدتي الجائعة، حتى في هذه الظروف القاسية كنت أعتبر نفسي أعظم ممثل في العالم، كنت أشعر بالحماس الشديد يملأ صدري لمجرد أنني أثق في نفسي، ولولا هذه الثقة لكنت قد ذهبت إلى النفايات مع بالوعة الفشل"(2)

(تشارلي تشابلن)

   

كان مشهد عودة والد تشارلي في منتصف الليل يوميا إلى البيت، وبيده كأس الخمرة، من أهم المشاهد التي غيّرت حياة تشارلي. وعلى الرغم من سلبياتها، فقد جعلته يُتقن دور "الرجل السكّير" الذي اشتهر به طيلة مسيرته المهنية في التمثيل، وجعلت له جمهوره الخاص الذي أحبَّ طريقته في تقليد الشخصيات بهذه الدقّة النابعة من مشاهد حقيقية عَلِقت في ذهن تشارلي منذ الصِّغر.

   

في عام 1910، سافر تشارلي إلى الولايات المتحدة الأميركية، وكانت تلك هي الزيارة الأولى التي مَثَّل فيها دور الرجل السكّير. دورٌ أحبّه الجميع، وأصبح مُلازما له، حتى لُقِّب بـ"السكّير المتأنق". لم تكن هذه الزيارة الأخيرة لتشارلي، فبعد عامين من الزيارة الأولى، عاد إلى الولايات المتحدة من جديد، لتأتيه دعوةٌ خاصة للانضمام لشركة نيويورك السينمائية بعدما حقّق نجاحا كبيرا في المسرحيات التي قدّمها، واشتهر بقدرته "المُذهلة" في تقليد الشخصيات، خاصة تلك الشخصية التي عُرف بها "الرجل السكّير المتشرد".

   

لم تكن خطوات تشارلي في عالم الفن مثالية، بل كانت مشوبةً بالخوف والقلق، ولكنه خطا خطوته الأولى بالفعل في عالم السينما، وكَسَر تردده وخوفه قائلا: "ومع ذلك، ستعني لي حياة جديدة" (6)، وليُعرَضَ أول فيلم قصير له باسم "كسب العيش" عام 1914. جاءت ردود الفعل إيجابية، كان أحدها تعليقا من أحد النقاد حينما وصف تشارلي باعتباره "كوميديا من الطراز الأوّل". مَثَّل الفيلم الخطوة الأولى لتشكيل شخصية تشارلي الفريدة، والتي بدأت من اختيار زيِّه الذي أضفى إلى شخصيته الكوميدية رونقا خاصا، ذلك الزي الذي اشتهر به تشارلي طيلة مسيرته الكوميدية. نعم، الزي ذو المعطف الضيق والبنطال الكبير، بالإضافة إلى القبّعة والشارب الصغير. في الواقع، لم يكن لترتيب هذا الزي أي تخطيط سابق (6)، حيث قال تشارلي: "لم تكن لديّ أي فكرة حول الشخصية التي سألعب دورها، لكن في اللحظة التي ارتديت فيها الملابس ووضعت المكياج أحسست بالشخصية. وبدأت أتعرف عليها، وسرت بخُطى متعجرفة إلى خشبة المسرح، وعندها وُلدت شخصية "المتشرد الصعلوك". (6)

  

  

     

لم يمر الكثير، حتى أنتج تشارلي فيلمه الأول الذي امتد لـ 16 دقيقة. ولأن الفيلم نجح نجاحا باهرا، انهالت العروض عليه، ليصبح -في تلك الفترة- أحد أغنى الممثلين، وأصبحت الأستوديوهات تتسابق لتوقيع عقد عمل معه. حتى وصلنا لليوم الذي تغيّرت معه حياته جذريا، وذلك حينما قُدِّم له عقد في هوليوود بقيمة مليون دولار. حينها، اشترى بيتا كبيرا في كاليفورنيا، وجعل أخاه سيدني مستشاره الفني، ونقل والدته من مستشفى الأمراض النفسية إلى منزله. لم يتوقّف تشارلي عند هذا الحد، فبعدما أصبح تشارلي ممثلا ومخرجا وكاتب سيناريو، افتتح أستوديوهاته الخاصة، التي عُرفت بأستوديوهات "تشارلي بل". (7)

   

وخلال هذه الحياة المهنية الطويلة، تزوّج تشارلي من ثلاث نساء، وكان كل زواج له ينتهي بالانفصال، حتى تزوج مرة رابعة من "أونا أونيل"، وهي ابنة الكاتب المسرحي "أوجين أونيل"، والتي أحبها تشارلي وأنجب منها ثمانية أطفال. كانت هذه إحدى أهم مراحل استقرار تشارلي، والتي لم تَدُم كثيرا حتى بدأت المخابرات الأميركية بمراقبته بهدف طرده من البلاد. (8)

   

الشيوعية.. التهمة الساخرة!

"أنا لا أزال على حالة واحدة، حالة واحدة فقط، وهي أن أكون كوميديا، فهذا يجعلني في منصب أكبر من السياسي". (9)

(تشارلي تشابلن)

    

  

لم يكن تشارلي يعلم أنه مُراقَب من المخابرات الأميركية، ولم يكن يعلم أن التهمة كانت "أنه شيوعي"، تزامن ذلك مع حقبة الحرب الباردة، حيث كانت تهمة الشيوعية من أسوأ التهم التي قد تواجه أي فرد يعيش داخل الولايات المتحدة. لم يمر الكثير حتى استُدعي تشارلي من المخابرات الأميركية، مُتّهمينه باعتباره شيوعيا، ذلك الاتهام الذي أدخله في نوباتٍ من الضحك الممزوج بالسخرية.

  

لاحقا، تبيّن أن الاتهامات استندت إلى جُملة قالها تشارلي أثناء الحرب العالمية الثانية، بقوله: "إذا كنا نرغب في كسب الحرب العالمية الثانية، وإذا كنا نريد من روسيا أن تُظهر لنا تعاونها الكامل، فعلينا أن نتوقف عن شن الحملات ضد الشيوعيين". (2) كان هذا التصريح سببا كافيا لاتهامه بالشيوعية، ليترتب على هذه التهمة إيقاف أعماله مع هوليوود، أو حتى الدخول إلى الولايات المتحدة.

  

هذه الجملة، لم تكن الوحيدة التي أدّت إلى اتهام تشارلي، فقد لعب فيلم "مسيو فيردو" والذي أُنتج عام 1947 دورا مهما أيضا في توجيه أصابع الاتهام لتشارلي، وذلك حينما هاجم في فيلمه الحروب والمستفيدين منها، حيث كان بطل الفيلم "مسيو فيردو" يرمز إلى الحضارة الغربية المزيّفة، بكونه مجرما يعمل في أحد البنوك، ويُغوي عددا من النساء، ثم يقتلهن ليستولي على أموالهن، سعيا منه لإنقاذ أسرته من الفقر.

  

وعَقِبَ إثبات التُّهم على تشارلي، استُدعيَ مرة أخرى لمكتب التحقيق الفدرالي، ورغم إصراره على أنه غير شيوعي، وأنه لم يقرأ أي كتاب عن الشيوعية، فإن ذلك لم يمنع استمرار نفاذ القرار بطرده من أميركا، ومنعه من الدخول إليها إلى الأبد. على إثر ذلك، سافر تشارلي من أميركا إلى أوروبا، وعاش فيها هو وزوجته وأولاده، وقال: "لا يوجد لديّ أي حاجة إلى أميركا بعد الآن، لن أعود إليها ولو ظهر فيها يسوع المسيح". (10)

   

دعوة لإحياء الماضي

   

بعد 20 عاما من اتهام تشارلي بالشيوعية، وطرده من الولايات المتحدة، تلقّى رسالة غير مُتوقَّعة، تحتوي على دعوة موجّهة له باستلام جائزة الأوسكار. وقف تشارلي وبيده الرسالة، ناظرا إليها بخوف وتردد مبنيّ على مخاوفه القديمة، خاصة تلك الذكريات التي عُومِل فيها بطريقة همجية وكأنه عدو.

  

وبعد إلحاح من زوجة تشارلي لاستلام الجائزة، قرر الذهاب، لتكون تلك أول خطوة يخطوها في الولايات المتحدة الأميركية بعد انقطاع دام 20 عاما، وهي الخطوات التي كانت ممزوجة بالحزن والغضب لما حصل له. وفي طريقه للحفل، طلَب تشارلي من السائق أن يقف عند أحد أستوديوهاته التي كان يُنتج فيها أفلامه، ليتفاجأ بتحوّله إلى متحف. شعر تشارلي بالأسى، وطلب من السائق مواصلة طريقه، وعيناه تمتلآن بالدموع.

  

وصل تشارلي إلى المسرح، واقفا ينظر إلى ذلك الحشد الكبير، وهي اللحظة التي ظن فيها ألّا أحد سيُصفِّق، وأن الجميع قد نسوه. إلا أن ما لم يتوقعه تماما هو ما حصل، حيث بدأ الناس بالتصفيق لمدة دقيقتين متواصلتين، فالأميركيون لم ينسوا أبدا أسطورة الكوميديا "تشارلي تشابلن". (11)

   

هذه الأحداث، بكل تشعّباتها، تركت بصمتها العميقة في نفس تشارلي وطريقة تفكيره، فشخصية المتشرد تمركزت في معظم أفلامه، والهموم التي سيطرت على أعماله كانت محكومة بالحياة القاسية التي عاشها تشارلي لفترات طويلة جدا من حياته. ووسط كل هذه المغامرات التي عاشها تشارلي في حياته البائسة، استطاع أن يخلق نوعا جديدا من الكوميديا التي أضحكت ملايين الناس، على الرغم من أنها في الحقيقة كانت تنبع من هموم كبيرة حملها منذ صغره.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة