فيلم "eternal sunshine of spotless mind".. عن الوقوع فى الحب مجددا وإلى الأبد

ميدان – فيلم "eternal sunshine of spotless mind".. عن الوقوع فى الحب مجددا وإلى الأبد

في فرنسا، وفي القرن الثاني عشر تحديدا، تنتهي إحدى حكايات الحب نهاية مأساوية. تبدأ القصة حينما تُحب "إلويزا"، والتي تنتمي إلى أسرة من النبلاء، أستاذها الفيلسوف "بيير أبيلارد"، ورغم معارضة عائلة إلويزا الشديدة لهذه العلاقة، فإن العاشقين يتزوجان سرا. ودون خوض في تفاصيل الحكاية، ينتهي الحال بإلويزا، بعد انتهاء علاقتها، في أحد الأديرة، تماما مثل حبيبها أبيلارد. يتبادل العاشقان القديمان الرسائل، رسائلهما تفيض بنحيب رومانسي، شوق عارم إلى ماضي حبهما وصلوات من أجل النسيان. هذه الرسائل التي ستُكتشف بعد وفاتهما ستصير مادة إلهام للشعر والدراما والفن.

   

ففي القرن الثامن عشر، يكتب الشاعر الإنجليزي ألكسندر بوب قصيدة مطولة عن مأساة العاشقين القروسطيين بعنوان "من إلويزا إلى أبيلارد"، وهي القصيدة ذاتها التي يستعير الكاتب الأميركي تشارلي كوفمان شطرا منها عنوانا لنصّه المدهش "eternal sunshine of spotless mind". لا يبدو الأمر فقط إحالة إلى مصدر أدبيّ، في نص يمتلئ بالكثير من الإحالات والإشارات الأدبية والفلسفية، أو مجرد عنوان غامض ذي رنين جذاب، بل تُمثِّل الحكاية والرسائل والقصيدة روح فيلم "كوفمان، ميشيل جوندري".

  

"ما مدى سعادة الراهبات الطاهرات؟ نسوا العالم، ونسيهم العالم. إشراقة أبدية لعقل طاهر، قبلت كل الصلوات ورفضت كل الأمنيات"

   

  

في فيلمه الأول "أن تكون جون مالكوفيتش" (to be john malkovich)، يعتمد بطله كريج (جون كوزاك) محرك العرائس أيضا على حكاية العاشقين كمادة لأحد عروضه. تعكس رسائل العاشقين التي استلهمها إلكسندر بوب في قصيدته معاناتهما مع ذكريات حبهما الضائع، مع صلوات حارة من أجل النسيان، تكتب إلويزا في إحدى رسائلها إلى أبيلارد:

"كيف ستكون سعادتي إذا كان بالإمكان أن أمحو بدموعي ذكرى هذه المسرّات التي جمعتنا، والتي ما زلت أستعيدها ببهجة غامرة؟"

  

تربط محاولاتهما نسيان آلام ومسرات الماضي وعجزهما عن فعل ذلك بين رغبتهما بالنسيان وسعادتهما بالذكرى. يستجيب كوفمان لصلوات إلويزا وأبيلارد ويمنح بطليه جويل وكليمنتين نعمة النسيان.

  

في حكاية كوفمان، لدينا عاشقان جويل باريش/جيم كاري وكليمنتين كروزينسكي/كيت وينسلت تنتهي علاقتهما الرومانسية التي دامت عامين بالانفصال، يلجأ العاشقان تباعا إلى مركز طبي اسمه "لاكونا" (lacuna) والذي يُقدِّم -على نحو تجريبي- لعملائه خدمة محو ذكرياتهم السابقة. والهدف هنا واضح: السعي من أجل البدء من جديد، أو الهرب من عذابات الذكرى. يُقدِّم كوفمان هنا رفقة ميشيل جوندري عبر حكايتهما المثيرة، والمسرودة بطريقة أكثر إثارة، استقصاء سينمائيا للعلاقات الرومانسية، بالإضافة إلى استقصاء سيكولوجي وفلسفي لموضوعات الهوية والذاكرة.

    

    

رومانسية "كوفمان، جوندري" ضد رومانسيات هوليوود

يقول كوفمان في أحد حواراته بصدد هذا الفيلم:

"لديّ موقف رافض لرومانسيات هوليوود، لقد كانت مدمرة بالنسبة لي، أن تكبر ولديك مثل تلك التوقعات الخادعة عن الشكل الذي ستكون عليه حياتك، وعلاقاتك العاطفية، لتكتشف فيما بعد أن حياتك لم تكن كذلك، ولا علاقاتك العاطفية، لقد أصابني الأمر بالاكتئاب، وهذا ما حاولت أن أتجنّبه في كتابتي، من أجل ألّا أجلب إلى العالم المزيد من هذه الأفكار المدمرة". (1)

      

على مستوى الحكاية

ما يسعى إليه كوفمان هنا هو تقديم صورة واقعية وصادقة للعلاقات العاطفية، بخلاف النمط الزائف والمضلل من رومانسيات هوليوود، حيث يوتوبيا الحب والنهايات السعيدة، والتي تخلق لدى المشاهد حالة من الاغتراب بين واقعه وبين الخيال السينمائي الذي يتلقاه كإمكانية واقعية، ما يجلبه كوفمان عبر حكايته هنا هو ذلك الوعي الشفاف بالإحباطات والضغوط المتضمّنة في كل علاقة، بريق البدايات الذي يخفت أمام ما هو يومي وعادي، الرغبات الداخلية المتصارعة بين طرفَيْ العلاقة، وحالة الشدّ والجذب المستمرة بين حقيقتنا وتصور الآخر عنا. يريد كوفمان أن يمنحنا تصورا واقعيا وصادقا عن مخاوفنا بشأن الحب والعلاقات.

  

يحتوي فيلم "كوفمان، جوندري" على عدة علاقات كلها تُعاني من صعوبات وإحباطات، كاري وروب صديقا جويل، هوارد ميرزوياك طبيب لاكونا وزوجته، هوارد وماري، ستان وماري، وفي القلب بالطبع جويل وكليمنتين. تستمر بعض هذه العلاقات رغم ذلك، وبعضها ينتهي بالفشل والانفصال. يعرض الصورة كاملة؛ عذوبة الوقوع في الحب وجمال البدايات مع إحباطات وصعوبات العلاقة بشكل واقعي. يُبدِّد كوفمان التوقُّعات المُضلِّلة التي ترسمها رومانسيات هوليوود مع الإبقاء على الجوهر الرومانسي للحكاية، إذ تظل حكايته هنا واحدة من أجمل الحكايات الرومانسية التي ظهرت على شاشة السينما.

   

كوفمان، جوندري وكيت وينسلت (مواقع التواصل)

       

على مستوى السرد والشخصيات

في السرد الهوليودي التقليدي تُركِّز الحبكة الرئيسية على كيفية حدوث الأشياء في العالم، كيف يخلق السبب تأثيرا، وكيف يُصبح هذا السبب تأثيرا يُطلق تأثيرا آخر، سلسلة ظاهرة ومتصلة من الأسباب والتأثيرات. (2) لا تتألف الحكاية في السرد الهوليودي التقليدي من سلسلة عشوائية من الأحداث، بل تتألف من سلسلة من الأحداث مبنية على السبب والنتيجة وفي ترتيب زمني واضح، ويكون لها بداية ووسط ونهاية. كوفمان عبر نصه شديد التركيب والتعقيد، وعبر لجوئه إلى السرد غير الخطي، يُعطِّل منطق السبب والنتيجة، ويقوّض البنية الكلاسيكية للحكاية الهوليودية معتمدا على منطق داخلي شديد الارتباط بحكايته وبفلسفة فيلمه.

  

بالنسبة لكوفمان السينما على نحو ما هي وسيط ميت (dead medium)، عكس المسرح الذي يسمح بالارتجال أثناء العرض وربما التغيير، بمعنى أنه يظل نصا مفتوحا إلى حدٍّ ما أثناء عرضه على الجمهور، بعكس السينما التي تقول ما تريده بشكل نهائي قبل وصول الفيلم للجمهور، يريد كوفمان أن يظل هناك عبر نصه حوار مفتوح بينه وبين الجمهور حتى بعد انتهاء العمل وخروجه للنور، وهو بهذا البناء المركب يدع للمشاهد فرصة لاكتشاف جديد في فيلمه مع تتالي المشاهدات. الفيلم يبدأ وينتهي بالمشاهد نفسها، لذا فهو بناء دائري، وهذا مناسب لفلسفة العود الأبدي لنيتشه التي يعتمدها الفيلم، وهو ما سنعود إليه بعد قليل.

    

هكذا يرتب كوفمان أحداث فيلمه، بعد العلاقة الأولى بين جويل وكليمنتين، ينفصل الحبيبان، تقوم كليمنتين بمحو ذكرياتها المشتركة مع جويل، ثم حين يكتشف هو ذلك يفعل المثل. يبدأ الفيلم بعد قيام جويل بمحو ذكرياته مع كليمنتين، يستيقظ وفي طريقه إلى عمله يقرر على نحو مفاجئ الذهاب إلى مونتوك حيث يلتقي هناك ثانية مع كليمنتين، هما الآن غريبان مع إحساس غامض من قِبلها بأنها التقته من قبل، ينجذبان لبعضهما ويقعان في الحب من جديد.

      

  

يتوقف هنا كوفمان وتبدأ مع العناوين حكاية علاقتهما الأولى بطريقة معكوسة من النهاية إلى البداية، نشاهد وقائع العلاقة داخل عقل جويل بينما يتم محو ذكرياته مع كليمنتين. استكشاف الذكريات داخل عقل جويل له منطق أيضا، فما يستعيده كي يمحوه في البداية مبني على منطق عاطفي تماما، بالنسبة له هو غاضب ومحبط مما فعلته، يريد أن يمحوها تماما مثلما فعلت معه، وبالتالي تركيزه كله على الجانب السيئ في العلاقة وعلى نواقص كليمنتين، وعلى الذكريات المؤلمة، ومع تقدُّم عملية المحو تتلاشى هذه المشاعر المبدئية، ويكتشف جويل ونكتشف معه كم يحب كليمنتين، وكم هي جميلة هذه الذكريات، وبالتالي يرغب جاهدا في محاولة إيقاف عملية المحو.

    

يتغيّر دور كليمنتين آنذاك من مجرد وجود سلبي في الذكريات إلى دور فعّال، فهي التي تقترح على جويل أن يخبئها في أماكن غير متوقعة في ذاكرته، أن يحملها بعيدا إلى أعماق لا وعيه. وخلال ذلك نكتشف كم هي جميلة كليمنتين في عينَيْ جويل، وكم هي مبدعة وحيوية وتلقائية، لا تفقد أبدا شخصيتها خلال الذكريات.

  

عبر هذه المقاومة الداخلية من جويل لعملية المحو، ينعكس تأثير المحو، فهو يعمق وجود كليمنتين في داخله، إذ يجعلها جزءا من لا وعيه، ولذلك حين نشاهد جويل مع بداية الفيلم يترك عمله ويذهب على نحو مفاجئ إلى مونتوك يقول لنا عن اتخاذه هذا القرار: "لا أدري لماذا، لست شخصا مندفعا"، ولكن حين يتكرر المشهد مرة ثانية عند نهاية الفيلم، وبعد أن مررنا برحلة عبر ذكرياته أثناء عملية المحو، نعرف أن هذا قرار غير واعٍ، إنه صوت كليمنتين الذي صار الآن جزءا من لا وعيه يهمس له من أقصى الأعماق: "قابلني في مونتوك".

    

على مستوى الإخراج

يتم مقاربة الجانب الفانتازي من الحكاية والمتعلِّق بمركز لاكونا لمحو الذكريات بأقصى واقعية ممكنة على مستوى السرد، كان قرار كوفمان وجوندري من البداية أن هذا الجانب الفانتازي من الحكاية هو مجرد سياق جذاب لاستكشاف العلاقات العاطفية على نحو مثير.

    

  

يلجأ جوندري إلى استخدام الكاميرا المحمولة باليد والتي تُضفي حسا واقعيا وتوثيقيا للحكاية، يُقرِّر أيضا استخدام الحد الأدنى من المؤثرات الرقمية والاعتماد على حِيَل سينمائية تقليدية في تحقيق الجانب الفانتازي من الصورة، فالمشاهد مثلا التي تُظهِر جويل في مرحلة الطفولة بملامح الشباب تمت فقط عبر زوايا التصوير، واستخدام أرضيات ديكورات متحركة.

  

لا يُقلِّل هذا النهج الطبيعي والواقعي الذي لجأ إليه جوندري من شأن ابتكاراته البصرية التي تُعبِّر بصريا عن ابتكارات كوفمان السردية. حين يريد مثلا أن يُعبِّر عن تجوُّل جويل ثانية في ذكريات تم محوها فإنه يقوم بطمس وجوه وملامح الشخصيات في هذه الذكريات الممحوّة. يستطيع جوندري أيضا عبر ميزانسين شديد الحيوية والدينامية أن يقبض على جوهر الذكريات بتشظيها وتبدّلها المستمر، فهي ليست كيانات ثابتة، بل يتم إعادة تشكيلها والتلاعب بها طيلة الوقت.

     

عن الحداد الرومانسي وفشل النسيان

تخبر كليمنتين جويل أنه من أجل الإفلات من عملية محو الذكريات فإن عليه أن يأخذها بعيدا عن ذكرياتهما معا، فيجيبها: "لا أستطيع أن أتذكّر أي شيء بدونك". ما يعاني منه جويل هنا يسميه سيغموند فرويد بـ "الحداد"، وهو ردة فعلنا جميعا على خسارتنا لموضوع حب، سواء كان هذا الموضوع شخصا أو شيئا. يحدث تثبيت ما حول هذا الموضوع، كل طاقتنا النفسية تظل لصيقة به. يتمحور كل عالم جويل في حداده الرومانسي لفقد كليمنتين حولها. بعيدا عن فانتازيا محو الذكريات، تأخذ عملية فك اشتباك هذا "التثبيت" (fixation) النفسي بموضوع الفقد المؤلمة جدا زمنا طويلا، وهو ما يجعلنا نتفهم جيدا صلوات إلويزا من أجل النسيان ورغبة جميع مَن يلجؤون إلى لاكونا من أجل محو الذكريات على أمل الخلاص من ألم الذكريات وثقل الحنين لما هو مفقود.

   

  

حين يُوضِّح الطبيب هوارد ميرزوياك لجويل طبيعة عملية المحو التي يقدمها لعملائه، يخبره أن هناك "لبًّا عاطفيا" (emotional core) لكل ذكرى، وما يقوم به تقنيو لاكونا أنهم يدمرون هذا اللب العاطفي وبالتالي تتلاشى الذكرى المرتبطة به، يخبره أيضا أنه بعد عملية المحو ستجد نفسك في سريرك، وكأن شيئا لم يكن، حياة جديدة في انتظارك. والسؤال هنا: هل يمكن أن يتحقق مثل هذا النسيان من منظور علم النفس؟ هل هناك فرصة لولادة جديدة تماما وبلا ذكريات؟

  

يكتب فرويد في مقالته "الحداد والميلانكوليا": "إن النسيان لا يمكن أبدا أن يحدث على نحو دائم أو نهائي، فالذكريات تتغلغل وتخترق أعمق طبقات العقل البشري". ولذلك، فمهما تلاشت الذكريات من سطح الوعي فإن آثارها تبقى عميقا داخل العقل، وأي تحفيز لبقايا هذه الذكريات المخبأة تحت سطح الوعي فإنها تظهر على السطح من جديد مُولِّدة إحساسا بالفقد والحنين إلى موضوع الذكرى.

    

هذا هو المنظور الذي يتبنّاه الفيلم أيضا، حيث فشل إمكانية البداية الجديدة أو المحو النهائي للذكريات. ما يؤكّده الفيلم هنا هو هزيمة الشخصيات أمام ذكرياتها ودوافعها الغامضة (لا وعيها). حتى إذا نجحت عملية المحو كما في حالة ماري فإن الدوافع النفسية غير الواعية التي جمعتها في علاقة مع الطبيب ميرزوياك للمرة الأولى لا تزال قائمة ولا علاقة لها بالذكريات الممحوة، إنها جزء من هويتها، من بصمتها النفسية.

   

يستعيد جويل وكليمنتين علاقتهما من جديد، بداية نتيجة فشل عملية محو الذكريات، في الصباح التالي وعلى نحو مفاجئ يتجه جويل إلى مونتوك استجابة لصوت كليمنتين الهامس من أعماقه، ثم حين يتوقف أمام أحد المنازل على شاطئ مونتوك، وهو الذي كان مسرحا لذكرى مشتركة بينهما، سنسمع همسا خفيضا لصوت كليمنتين.

  

ثانيا: الدوافع التي جمعتهما أول مرة لا تزال قائمة، هما شخصيتان على طرفَيْ نقيض، جويل ودود، ومتحفّظ، وخجول، وذو طبيعة رومانسية، وهي مشوّشة، ومندفعة، وتلقائية، ومليئة بالحيوية، هو يرى حياته فارغة ومملة، وهي تخشى أن تضيع أي لحظة دون أن تعيشها، انجذابهما له قوة الطبيعة كانجذاب الشيء ونقيضه. علاقة باتريك/إليجا وود بكليمنتين أيضا تُثبت فشل النسيان بالنسبة لها، فباتريك الذي يُعيد على مسامعها كلمات جويل يصيبها بالاضطراب الدائم، لأنها على نحو ما تشعر أنها سمعت هذه الكلمات من قبل.

     

    

الوقوع مجددا في الحب: نيتشه والعود الأبدي

"هل قلتم يوما (نعم) لفرح ما؟ إذن، فقد قلتم نعم لكل ألم كذلك، جميع الأشياء مرتبطة ومغزولة معا، جميع الأشياء في حالة حب، إن أردت يوما ما لحظة بعينها مرتين، لو قلت يوما هذه اللحظة قد أسعدتني، عندئذ، فأنت تريد من جميع الأشياء أن تعود".

(فريدريك نيتشه (3))

      

أثناء عملية المحو، يختبر جويل حياته مع كليمنتين مرة أخرى، وحين يعيش ذكرياته من جديد يدرك مدى محبته لها، تتكوّن لديه مقاومة داخلية لعملية المحو، يناضل بشتى الطرق كي يبقى حبهما حيًّا، إذ تتكوّن لديه قناعة داخلية بأن هذا الحب يستحق محاولة أخرى، تستحق التكرار من جديد لمرة واحدة، وربما للأبد، وبهذا الصدد فإن فيلم "كوفمان، جوندري" هو مجاز جميل عن فكرة العود الأبدي عند نيتشه.

  

يقول نيتشه في كتابه "العلم المرح": "ماذا لو تسلل إليك في وحدتك شيطان وهمس إليك بأن هذه الحياة التي تعيشها الآن ستتكرر إلى الأبد، كل ألم أصابك وكل بهجة واتتك، كل فكرة، كل تنهيدة، سوف تعود إليك. هل ستلعن هذا الشيطان أم ستتهلّل لما سمعته؟". نيتشه إذن يخبرنا أنه إذا ما كنت تؤمن حقيقة بالعود الأبدي فإنك ستكافح بأقصى ما استطعت لتصنع لنفسك أفضل حياة ممكنة، لأن هذه الحياة هي كل ما تملك، ولأنها ستتكرّر كما هي إلى الأبد.

  

يعود جويل وكليمنتين بعد محو ذكرياتهما إلى مونتوك من جديد، إلى المكان الذي بدأ فيه حبهما، هذه العودة هي أقرب إلى رغبة لا واعية باستعادة حبهما من جديد. ثم في نهاية الفيلم، ومع اكتشاف الحقيقة المؤلمة بأنهما كانا من قبل في علاقة حب انتهت بانفصال مؤلم وبقرار كلٍّ منهما محو الآخر من حياته، فإنهما على الرغم من وعيهما بواقع موقفهما الحالي، بإمكانية الإخفاق من جديد، باحتمالية الفقد والألم، وتكرار الأخطاء نفسها التي شهدتها علاقتهما الأولى. قبولهما تكرار العلاقة لمرة ثانية هو قبول بتكرارها للأبد، لأن في نظرهما هناك بداخلها لحظات من البهجة والحميمية والدفء ما يستحق أن نعانق الألم والإحباط من أجله مرارا.

  

ما يُحقِّقه جويل وكليمنتين مع نهاية الفيلم يراه نيتشه جزءا من عظمة الكائن الإنساني، والتي تكمن في قدرته على مواجهة مصيره بمحبة مهما كان قاسيا، هذه الـ "نعم" التي يُردِّدها الحبيبان عند نهاية الفيلم هو قرارهما بمواجهة عجزهما ومحدوديتهما، فهذه النعم المُتشكِّكة والقلقة هي كل ما نملكه تجاه أنفسنا وتجاه العالم. ليس من يقين أو ضمان، هذا تأكيد صافٍ على الرغبة في الحياة والمُضي قُدما في معانقة كل بهجة، كل ألم، كل فكرة، وكل تنهيدة.

    

  

هناك هذا المشهد الذي يجمع بين جويل وكليمنتين على نهر تشارلز، والذي أقرب إلى مجاز يحمل معنى الفيلم ككل، معنى الحب كما يراه كوفمان، حيث السير على نهر متجمّد مع احتمالات تشقُّق السطح مهما كانت سماكته، ومع ذلك تواصل الشخصيات سيرها. هناك هذه اللقطة تحديدا المأخوذة من زاوية علوية، حيث ينام جويل وكليمنتين يمين الكادر بينما على يسار الكادر تنام هذه الشروخ التي تُشير إلى انهيار ممكن وربما للصعوبات والإحباطات الوارد حدوثها في العلاقة.

  

يقول جويل مُعلِّقا على المنظر: "إنه جميل جدا، ماذا لو تحطّم؟"، وترد كليمنتين: "لن يحدث تشقُّق أو تكسُّر، إنه سميك للغاية". هذه الشروخ موجودة منذ البداية، ولكنه وهج البدايات الفاتنة يُعمي العيون. كل أفلام كوفمان تُعبِّر عن أن الحب شيء صعب، لكنه يستحق النضال من أجله، مثلما يحمل بداخله إمكانية التحليق، يحمل أيضا إمكانية السقوط، حين تتأمل جمال هذا النهر المتجمّد، لا تدع شبح الغرق يغيب عن مخيلتك.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة