سينما رضوان الكاشف.. كيف نُشفى من حب زهر البنفسج؟

هل على الفيلم أن يُشبه صاحبه؟ الجواب قد يختلف من شخص لآخر، لكنه قد يكون سؤالا بديهيا لأولئك المخرجين الذين لا يرون السينما مجرد حِرفة، بل سبيلهم الوحيد للتعبير عن ذواتهم، لذلك فالإجابة عن السؤال أعلاه ستكون بكل تأكيد: نعم. هذا ما نعرفه من خبيئة هذا الجنوبي المطارد، فإرثه السينمائي قليل؛ ثلاثة أفلام روائية طويلة هي كل ما ترك لنا رضوان الكاشف.

  

يحكي رضوان الذي ظل يدور بنص فيلمه "عرق البلح" على منتجي السينما أن أحد المنتجين أخبره أنه لا أحد سيُنتج لك هذا الفيلم كما هو، لا بد من أن تُجري تعديلات كثيرة على النص، وكانت إجابة رضوان القاطعة: "على جثتي". الفنان الحقيقي كرضوان الكاشف لا يساوم على ذاته، إما أن يُعبِّر عن ذاته بالطريقة التي أرادها، وإما أن يموت. ربما لهذا السبب تحديدا علينا أن نُسائل موته المبكر، هل مات مختنقا بحكاياته التي لم يرغب أحد في سماعها؟

    

ففي افتتاحية فيلمه الاستثنائي "عرق البلح"، يسأل الحفيد العائد إلى قريته المهجورة جدته زيد الخير:

"من أدراك بأنني قادم؟"، تخبره الجدة: "رائحتك، إن لم تتبعها مت مختنقا بها"

   

أحمد عبد العال أحد رفاق رضوان الكاشف يصف أيام نضاله السياسي في السبعينيات: "رأيته لأول مرة في صحن جامعة القاهرة، متمردا يملأ ردهات وطرقات الجامعة صخبا. جذبتني هيئته للوهلة الأولى، شاب ضئيل الحجم يرتدي بالطو، وكأنه خرج لتوه من إحدى قصص تشيخوف. التقيته في السجن بعد مظاهرات 1977، كنا في زنزانة واحدة، وفي عتمة السجن لم يكن رضوان يحكي إلا عن أحلامه، عرفت منه أن ينوي دراسة السينما بعد الانتهاء من دراسة الفلسفة، كان يتحدث وكأنه خارج السجن، لم يتأثر كثيرا بوجوده في السجن، ولم يدخل طرفا في صراعات الرفاق المحتدمة، كان دائما ما يحدق بعيدا وكأنه على موعد ما". (1) يُشبه رضوان أبطال أفلامه، فهم قادرون على الحلم حتى في أحلك الظروف، شخصيات تحتدم في داخلها الرغبة في الحياة مهما كان السياق الذي تعيش فيه.

   

فيلم عرق البلح (مواقع التواصل)

      

رضوان الكاشف وجيل الواقعية السحرية في السينما المصرية

أطلق الناقد الكبير كمال رمزي على جيل رضوان الكاشف من المخرجين "جيل الواقعية السحرية" (2)، إذ ينتمي رضوان لجيل السبعينيات الذي خرج من رحم ثقافة الستينيات (يُهدي رضوان فيلمه الأول "ليه يا بنفسج" إلى كُتّاب جيل الستينيات)، وعبَّر عن نفسه في سينما التسعينيات، ويُعتَبر رضوان من أهم مخرجي هذا الجيل، الذي يضم أيضا أسامة فوزي، وسيد سعيد، ويسري نصر الله.

 

الواقعية السحرية تيار أدبي ازدهر منتصف القرن العشرين في أميركا اللاتينية وارتبط بأسماء مثل ماركيز، وخوان رولفو، وخوليو كورتاثار، ثم سرت في آداب العالم وشكَّلت تيارا مهما في الأدب الحديث. هذا التيار يجمع في منجزه ما هو واقعي وأسطوري أو خرافي معا. لا تحاول سرديات الواقعية السحرية أن تنسخ الواقع، بل أن تقتنص السر الذي ينبض في داخله.

 

السحري في هذه الحكايات يكون مصدره الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية والأحلام والكوابيس. لا ينشغل رضوان في سينماه، وأسامة فوزي في فيلميه "عفاريت الأسفلت" و"جنة الشياطين"، أو سيد سعيد في فيلمه الوحيد "القبطان"، ويسري نصر الله في فيلمه "مرسيدس"، بتبرير ما هو أسطوري أو خرافي وغامض في أفلامهم، لا يعنيهم أن يُصدِّق المتفرج أن ما يشاهده على الشاشة يحدث في الواقع فعلا بقدر سعيهم لتغذية الواقع بعناصر خيالية لا يمكن فصلها عنه، هذه العناصر الخيالية تجعل الواقعي أكثر حضورا وزخما.

 

يتحدّث رضوان عن أن أحد مصادر إلهام فيلمه الأول "ليه يا بنفسج" كانت رواية "باهيا" للبرازيلي جورجي أمادو الذي اقتبس مصطفى ذكري روايته الشهيرة "الرجل الذي مات مرتين" في نص "جنة الشياطين" لأسامة فوزي، وأمادو أحد وجوه الواقعية السحرية البارزة مثلما تميل حكاياته دوما نحو الفقراء والمُهمَّشين.

     

فيلم "ليه يا بنفسج" (مواقع التواصل)

    

في سينما رضوان يندمج ما هو خرافي ومُتخيَّل مع الواقعي في سبيكة واحدة، يرى رضوان أن "للأسطورة وجودا حقيقيا، فالواقع لا يعني فقط الوجود في العالم الخارجي، فما يوجد داخل الإنسان ويُشكِّل فكره ويُحرِّك سلوكه واقع أيضا، كل مَن تربى وعاش في الصعيد يعرف جيدا أن كل الأشياء تأخذ بُعدا أسطوريا، يتعاملون مع الأسطورة كأنها واقع". (3) كل هذه الخيالات تجعل للواقع حضورا أقوى من مجرد الوقائع الحقيقية، مثلما تُمثِّل جانبا من مقاومة هؤلاء المُهمَّشين للواقع وفتح ثغرة في جداره الصلد.

 

حكاية الكلب الأسود في "ليه يا بنفسج" مثلا، يعيش مسعود/سيد عبد الكريم في رعب أن يفقد ابنه الصغير بعد أن فقد من قبل ثلاثة من أبنائه، هنا يعطيه أحمد/فاروق الفيشاوي كلبا أسود صغيرا كي يربيه مع ابنه الصغير، وحين يأتي الموت هذه المرة كي يخطف روح صغيره، فإن الكلب الصغير سيُضلِّله حتى لا يعرف الطفل من الكلب. لا يهم إذا كانت هذه الخرافة واقعية أم لا، لأن هذا الكلب سيجعل "مسعود" أقل قلقا، سيمنحه الأمل في أن يعيش ابنه، وطالما هذه الخرافة قد أثّرت في واقع مسعود الداخلي وسلوكه فإنها حقيقة.

 

بالنسبة لرضوان، تصوير الواقع كما هو دون عنصر الخيال أو الأسطورة سيُسقط السرد في أزمنة درامية ضعيفة جدا، وسيُفقد المأساة بُعدها الحقيقي. هذا الواقع المفتوح على الكابوس الذي يُصوِّره رضوان لا تُمثِّله واقعة بعينها، ما يفعله رضوان أنه يذهب بما هو واقعي إلى حدوده القصوى، يلاحق الكابوس حتى نهايته. في فيلمه "عرق البلح"، ما هو واقعي هو حالة الهجرة الفظيعة التي اجتاحت مصر بداية من منتصف السبعينيات، تلك هي الفكرة الأساسية، لكنه يأخذها إلى حدّها الأقصى، فيجعل قرية كاملة يهجرها كل الذكور تاركين خلفهم النساء فقط، مع عجوز مُقعَد وصبي على مشارف البلوغ.

    

مشهد من فيلم عرق البلح (مواقع التواصل)

   

يعود الرجال من غربتهم مُهانين، فاقدي الرجولة، ومن أجل استعادتها فإنهم يذبحون أجمل ما فيهم، الصبي أحمد الذي يُمثِّل نموذجا مُشرِقا للرجولة الحقيقية، يعرف الحنان ويتفهم الضعف الإنساني، يسامح شفا/منال عفيفي على خطيئتها، والعمة سليمة/عبلة كامل على محاولتها اغتصابه تحت تأثير "عرق البلح"، إنه لا يُحاكمها، بل يحضر لها السجائر كلذة بديلة عن لذة الجنس. يتحوَّل مشهد قتل أحمد في النهاية إلى ما هو أبعد من مجرد فعل القتل أو الانتقام، إنهم يقطعون نخلتهم الأسطورية، إرثهم الحقيقي، يقطعون في الواقع جذورهم، يطردون الظل بعيدا ليحل رعب الشمس. المأساة التي يُعبِّر عنها رضوان في فيلمه لا يمكن تصوير أبعادها الحقيقية عبر وقائع فعلية، فالجانب الأسطوري في الفيلم هو الذي يقبض على قلب هذه المأساة الإنسانية.

     

السياسة في سينما رضوان الكاشف

في كتابه "الإنسان ذو البُعد الواحد" يكتب هربرت ماركيوز:

"الطبقات المُستغَلَّة والمضطهدة، المُهمَّشون والعاطلون، إنهم يتموقعون خارج المسلسل الديمقراطي، وحياتهم تُعبِّر عن الحاجة الأكثر إلحاحا وواقعية إلى وضع حدٍّ للظروف والمؤسسات التي أفرزتهم، إنهم قوة أساسية تخرق قواعد اللعبة السياسية، وبفعل ذلك تظهر أن تلك اللعبة كانت فاسدة" (4)

   

هذا ما يُثير الإعجاب في تجربة الكاشف الاستثنائية، رغم تاريخه النضالي وهمّه السياسي، هناك قطيعة واضحة مع السياسة بمعناها المباشر، يظل في سرده وفيا لعالمه السينمائي وشخصياته، فأبطاله المُهمَّشين بلا قضايا كبرى، لكن الوضع نفسه الذي يُصوِّره رضوان هو أكبر إدانة للسياسة التي أفرزته والتي أوصلت شخصياته إلى هذا الهامش المقموع.

    

"فرج المخبر" ممثلا السلطة وأشرف عبد الباقي ونجاح الموجي في مشهد من فيلم "ليه يا بنفسج" (مواقع التواصل)

  

يوجد في أفلامه شبه غياب تام للسلطة، فالمُهمَّشون أبناء الرب المنسيون، وحدهم تماما دون أي تدخُّل من السلطة لإنهاء الوضع المتفاقم. في فيلمه "ليه يا بنفسج"، تظهر السلطة مُمثَّلة في شخصية "فرج" المخبر، يظهر فقط حين يريد استعادة الديك الذي سرقه عباس/نجاح الموجي. وهنا يبدأ عباس وصديقه سيد/أشرف عبد الباقي في السخرية من فرج مُمثِّل السلطة في المكان. يبدآن في الصياح: "فاكر كنا بنقولك إيه وانت صغير في المدرسة يا فرج، "اصحى وفوق يا فرج""، ثم بإشارة منه للأهالي المجتمعين خلفه يكرّرون عبارته مثل كورال، يتحوّل المشهد بذلك إلى سخرية واضحة من السلطة، إلى أغنية مقاومة. وفي السياق نفسه لدينا أيضا مسعود العربجي، الرجل تأكله هواجس فقد ابنه الصغير، فيغرق نفسه في الخمر، يقول لأحمد/فاروق الفيشاوي:

 

"*كل يوم في القسم، المخبرين مش سايبني في حالي.

-ليه انت بتعمل إيه؟

*أبدا، بسوق العربية وأنا سكران، أقولهم الحمار عارف سكته، يقولولي ولو!".

   

بعيدا هنا عن السخرية في كلام مسعود، فالسلطة هنا لا تظهر في فيلم الكاشف إلا من أجل مزيد من القمع لهؤلاء المُهمَّشين.

    

فاروق الفيشاوي ونجاح الموجي وأشرف عبد الباقي في فيلم "ليه يا بنفسج" (مواقع التواصل)

  

في فيلمه "عرق البلح"، يبدو المكان مُمعِنًا في عُزلته، يعيش قانونه الخاص، بعيدا ومنسيا من العالم خارجه، يأتيهم ذلك الصوت الغامض في بداية الفيلم والذي يُحدِّثهم من وراء حجاب:

"أنا عايزكم كلكم، دلوقتي وحالا، كل رجالة النجع الصغير قبل الكبير، الدنيا جتلكم لحد عندكم، هخدكم لهناك، حيث أرض الذهب، هتشتغلوا كتير من شروق الشمس حتى مغيبها، قصاد ده كل اللي بتحلموا بيه واللي لسه ما حلمتوش بيه، شبيك لبيك. ايه رأيكم يا ستات يا هوانم، ما انتو عارفين البلحات من السنة للسنة وتمنها ما بيقضيش مصلحة، ولا بيحمي عيالكم من الموت اللي بيخطفهم، ولا حدش سائل فيكم، انتم ما تهموش حد"

   

في فيلمه "ليه يا بنفسج" يبدأ السرد وينتهي بمحاولة فاشلة للخروج من الحارة، والتي يمكن رؤيتها كمعادل للخروج من الوضع المتفاقم. في المشهد الافتتاحي يعود أحمد بحقيبة ثيابه وبخطوات مثقلة بالفشل إلى الحارة بعد أن هجرها طويلا، يسير في شارع خالٍ وإضاءة تغلب عليها الظُّلمة الكاملة. وقرب النهاية يعود أحمد مرة ثانية، حاملا هذه المرة جثة صديقه علي بوبي/شوقي شامخ المليئة بطلقات الرصاص، وشخصية علي بالنسبة لأحمد وأصدقائه كانت الحلم المراوغ بتبدل الحال والخروج من الحارة. حين تعود مهزومة في النهاية، يعني ذلك هزيمتهم جميعا. هذا هو مقام السلطة في سينما رضوان الكاشف، يتأرجح بين التجاهل التام للمُهمَّشين أو مزيد من القمع الذي يزيد حياتهم بؤسا وضيقا.

  

شاعرية المُهمَّشين ونظرية البهجة

"الدنيا بنت الحيلة، ومثلي إن لم يتحايل على المروق من خرم الإبرة، مات ميتة الكلب الجربان"

إسكافي المودة (إحدى شخصيات رواية "تصاوير من الماء والتراب والشمس" للكاتب يحيى الطاهر عبد الله).

 

"ياااه.. الدنيا غريبة، واللعب معاها حلو، دايما كنت بجري، بدوب في الهوى عشان أفضل ألعب معاها، الدنيا مش قرشانة يا عيد، أنا عايزها. اديني الكلب يا مسعود أشاغل بيه الموت عني".

(علي بوبي من فيلم "ليه يا بنفسج")

   

يحب رضوان الكاشف شخصية إسكافي المودة، ويراها في ذاتها عالما مكتملا، هو عالمه المفضل الذي يعرفه جيدا، عالم الهامش. ويحيى الطاهر هو أحد كُتّاب الستينيات الذين يُهديهم رضوان فيلمه الأول، وصاحب أثر كبير على عالمه السينمائي، باعتبار يحيى من أوائل المشغولين بالكتابة عن المُهمَّشين في الأدب، وعن الصعيد البعيد، وعن الرغبات المحتدمة تحت سطح تقاليده الحاكمة.

  

لا يُعبِّر الهامش في سينما رضوان عن نطاق جغرافي، بل عن وضع اجتماعي متفاقم، هامش يزداد اتساعا فيصير متنا. عالم الهامش عند رضوان هو عالم الفقراء الذين تم تهميشهم، اقتصاديا وسياسيا، أبطال رضوان هم أبناء الحيلة، يلعبون مع الحياة، لا ينتصرون عليها ولا يتقبّلون الهزيمة، يصارعون من أجل البقاء في عالم مُمعِن في قسوته، يدورون في مدار مغلق من الأحلام المُجهَضة والرغبات المكبوتة، ومع ذلك قادرون على الفرح وإبهاج الآخرين، هذه هي نظرية البهجة التي تسري في ثلاثية الكاشف وإن جعلها فقط عنوانا فرعيا لفيلمه الأخير "الساحر". كل أفلامه مهما كان سياقها ضاغطا أو حزينا تنضح ببهجة ما.

    

فيلم الساحر (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

يستدعي عنوان فيلمه الأول "ليه يا بنفسج" أغنية صالح عبد الحي التي كتبها بيرم التونسي، الأغنية نفسها تُغنّى في أحد مشاهد الفيلم بصوت إحدى البائعات في خمارة مانولي بصوت مليء بالشجن والعذوبة: "ليه يا بنفسج بتبهج وانت زهر حزين!". في فيلمه "ليه يا بنفسج"، رغم أن كل التطلعات والأحلام والرغبات تنتهي بالخيبة والإحباط، كما تنتهي أيضا علاقات الحب بعدم التحقُّق، يُنهي رضوان فيلمه بهذه الصورة، حيث الأصدقاء الثلاثة يعزفون الموسيقى وحيدين في الصحراء، مجرد بروفة جديدة من أجل فرح قادم.

  

حتى تراجيديا "عرق البلح" لا تخلو من لحظات الفرح، الفرح البسيط، كاكتشاف الحب بين أحمد/محمد نجاتي وسلمى/شريهان، كلحظة ميلاد طفل جديد، أو كتلك اللحظة المدهشة حين ينجح أحمد في صعود العالية ويساقط البلح الأبيض الأسطوري من السماء، يكاد رضوان يحاكي في هذا المشهد الصورة القرآنية "وهُزِّي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا"، يمكننا تثبيت هذه الصورة حيث البهجة التي تغمر سلمى والبلح المتساقط عليها من السماء كطقس من طقوس البهجة التي يتعمّد بها هؤلاء المحزونون.

  

البلح هنا مصدر العرق، إكسير الحياة الذي يمنحه الفيلم طابعا أسطوريا، إذ تجعله الحكايات قادرا على اجتراح المعجزات، يقول أحمد وهو يرد على صوت الغريب الذي يحاول غوايته بترك النجع: "أنا مواعد جدي نطلع العالية لحد شواشيها، ونجيب له البلحة البيضا من قلبها، وزيد الخير هتعرقله البلح ويوم ما حلاوتها تسري في عروقه هيقوم متعافي".

   

"الساحر" الذي شاء القدر أن يكون فيلم رضوان الأخير هو سؤاله النهائي عن إمكانية البهجة الحقيقية في عالم مُمعِن في القسوة والضيق
  

الساحر في فيلم رضوان يصلح مجازا مُعبِّرا عن مجموع المُهمَّشين، الساحر في رؤية رضوان الكاشف صاحب نظرية البهجة، هو البسيط المُهمَّش الذي يُعاني من أهوال الحياة لكنه قادر على أن يبتسم ويُبهِج الآخرين، حتى لو اضطر أن يبيع لهم الوهم من أجل الاستمرار في الحياة ومقاومة المرارة، يمنح منصور بهجت/محمود عبد العزيز الساحر العجوز في فيلم رضوان عربي العاجز جنسيا دواء وهميا من أجل أن يمنحه شيئا من الأمل كي يواصل الحياة، يسعى بكل ما أوتي من حيلة من أجل الحصول على المال اللازم لعملية جراحية لابن جارته كي لا يفقد بصره تماما. "الساحر" الذي شاء القدر أن يكون فيلم رضوان الأخير هو سؤاله النهائي عن إمكانية البهجة الحقيقية في عالم مُمعِن في القسوة والضيق.

  

مات رضوان مختنقا برائحة البنفسج، مات صاعدا النخلة العالية التي وهبت ثمارها لسكان السماء بعد أن أورثَنا رؤاه التي تسع الزمان والمكان، سينماه التي تجمع الحزن والبهجة في زهرة واحدة مثلما تشهد على الواقع المُر هي أيضا احتفالية مستمرة بالحياة رغم كل شيء.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة