"The king".. عندما يحاط الملوك بالخيانة في صراع العرش

اضغط للاستماع

    

تفيض عيناه بالألم والحزن، وجسده الهزيل محنيّ كأنه على وشك التمزق، يجلس وحيدا في قلب المعسكر يحيط به الظلام والوحدة، يسأل نفسه: "لماذا نحن هنا؟"، غدا ستبدأ الحرب، وهو غارق في أرض معركة مجبر على أن يطأها بأقدامه. على ملك إنجلترا أن يخوض الحروب كما يفعل كبار الملوك، أن يغرس جيشه وحياته في الوحل ليُثبت أنه عظيم قادر على سفك الدماء وعلى تحقيق حلم بعيد طالما تمنّاه والده ولم يبلغه. على الملوك أحيانا أن يخوضوا حروبا ويحققوا أحلاما هي ليست لهم، وهذا هو قدر ملك إنجلترا هنري الخامس الذي لم يجد منه مفرا. 

  

– هل يراودك شعور بأنك حققت إنجازا؟

– حققت ما عجز أبي عن تحقيقه.

(الفيلم)

  

يخطو ملك إنجلترا هنري الخامس بشيء من الارتباك في كتب التاريخ، لم تتفق الروايات ما إذا كان ملكا نبيلا حقا أم فاشلا، لكن ما نعرفه جيدا ونثق فيه هو الوجه الذي راقبناه على مسرح شكسبير لهذا الملك الشاب الذي ناشد السلام فعوقب بالحرب. تُقدِّم لنا نتفليكس في أحدث أفلامها "الملك" (The king) للمخرج ديفيد ميشود نظرة مقربة من هنري، نحن الآن في أوائل القرن الخامس عشر، نراقب اللحظات الأخيرة في حياة الملك هنري الرابع ثم انتقال العرش إلى ابنه هنري الخامس الذي لم يُكمل حينها عامه السابع والعشرين. لم تكن إنجلترا تنعم بالاستقرار، حروب أهلية طاحنة أهلكت الجيش والدولة، ثم جاء هنري الخامس ليُنهي تلك الحروب، لكنه تورّط في حرب جديدة بسبب خدعة طالته من المحيطين به.

  

هنري الخامس (مواقع التواصل)

   

"كأنها قصة شكسبيرية ليست للصفوة، بل لعامة الجمهور"[1]

 

آثار شكسبير

لا يُنكر التاريخ أن شكسبير سطّر حكايات جعلت الفوارق بين الواقع والخيال الإبداعي غير مرئية وملتبسة أمام الجمهور، وبالعودة إلى الفيلم يرى عدد من النقاد أن صانعيه "جويل إجيرتون" و"ديفيد ميشود" قدّما معالجة سينمائية معاصرة لمسرحيات شكسبير الثلاثة "هنري الرابع 1، 2" و"هنري الخامس"، لكن إجيرتون يدافع عن معالجة الفيلم، فقد صرّح عقب عرض فيلمه في مهرجان البندقية السينمائي هذا العام أنهما لم يُقدِّما رؤية شكسبير، بل جاء عمله مع ميشود على سؤال درامي مهم: كيف سيأخذون قصة هنري وتطوراته إلى أن أصبح ملكا بالتعمق في القصة التاريخية وأخذ حفنة من عناصر بنية شكسبير لشخصية هنري والشخصيات المحيطة به؟ ومن هنا جاءت معالجة الفيلم التي -بحسب رؤيته- كان لها صدى مختلف عن رؤية شكسبير[2].

  

ويليام شكسبير (مواقع التواصل)

     

لم يخلُ تاريخ شكسبير المسرحي من الاقتفاء الدائم لآثار الملوك، لكن مسرحيته "هنري الخامس" تختلف في أنها لم تدر حول النزاعات الداخلية في البلاط الملكي وبين النبلاء كما اعتدنا، لكنها وضعت عينا مراقبة تتسع لخارج أسوار المملكة، بالتحديد غزو هنري الخامس لفرنسا عام 1414 -بعد عام من توليه العرش- للمطالبة بحقه بصفته وريثا شرعيا لفرنسا والدوقيات الملحقة بها، وهي معركة حربية شهيرة عُرفت بـ "آجنكور"[3]، لكن هل يختلف هنري الخامس الذي رسمه شكسبير عن هنري الذي يُجسّد دوره الممثل الفرنسي تيموثي شالاميت؟

     

اكتسب هنري الخامس في مسرح شكسبير فخامة تليق بالملوك، وعلى عكس عادته اختار شكسبير أن يسرد حكاية الملك بواسطة شعر الملاحم، ويتخلّل المسرحية خطب وقصائد حماسية تُضفي طابعا ملحميا وأسطوريا للملك هنري وهو ما جعلها توصم بأنها عمل أيديولوجي دعائي[4].

   

تمر كل شخصية درامية برحلة داخلية تُسمى في قواعد السيناريو بمنحنى الشخصية (Character Arc)، تبدأ الرحلة بالتعريف بعالم الشخصية، وتمر معنا بأهداف الشخصية والعقبات التي تواجهها، وصولا إلى التغير النهائي الذي تتعرض له الشخصية، وهنا تكمن محطات الرحلة. يمكننا قياس هذا المنحنى على شخصية هنري الخامس في الفيلم الذي بدأ من كونه أميرا متمردا على الحياة الملكية يعيش في الحانات وبين العامة غير مكترث بملك أبيه، مرورا برفضه للعرش، وصولا إلى النهاية التي جعلت منه ملك إنجلترا الذي يخوض الحرب ضد فرنسا وينجح في قتل ولي عهدها. في مساحة أبعد من ذلك يمكننا أيضا النظر إلى هنري الخامس نفسه، هذا الشاب الذي اعتلى عرش إنجلترا في مرحلة شبابه، والليلة التي تسبقها كان مثل الشباب في سنّه يبحث عن الحياة في أكثر مناطقها بُعدا عن المسؤولية.

     

  

أن يجذبنا تيموثي شالاميت لقراءة التاريخ  

سلّطت الناقدة "جوليا فالان" في المؤتمر الصحفي لفيلم "الملك" (the king) الضوء على مساحة قد تكون غائبة عن البعض وصفتها جوليا بأنها "حديث عن القوة يخاطب الأجيال الشابة"[5]، وهو ما يتوافق مع نظرة الناقدة كريستينا نيولاند في مقالها عن الفيلم[6] والذي تربط فيه الماضي الذي لا ينظر له الشباب اليوم وبين ممثلي الفيلم من الشباب، وبالتحديد بطل الفيلم تيموثي شالاميت، هذا الوسيم الذي سيجذب أداؤه في هذا الفيلم قطاعا كبيرا من شباب الجمهور الذين ربما لا يعرفون الكثير عن هنري الخامس، وسيكون أشبه ببوابة تاريخية سحرية يقف أمامها شالاميت ليستقبل جمهوره من الشباب.

  

لا يختلف الأمر كثيرا مع مخرج الفيلم ديفيد ميشود الذي يصرّح بسعادته بتحويل الصبي شالاميت بطل فيلم "نادني باسمك" (call me by your name) إلى الملك هنري، وأن هيئته الأنيقة التي اعتادها الجمهور تبدلت مع الملك هنري بقصة شعره وملابسه الحربية التي أبلاها القتال[7]. وبوقوفنا في الحديث عند شالاميت فإن أداءه لدور الملك هنري الخامس جاء مفاجأة قوية، لأنه ببساطة استطاع أن يكون ملكا مجبرا على العرش ومحمّلا برغبات السلام والهدوء، فجاء تمثيله هادئا وغير مفتعل. يُحدّثنا الفيلم عن ملك شاب، يراه ملك فرنسا مجرد صبي يليق بلعب الكرة والجري في الساحات الخلفية لقصره الملكي لكنه لا يُجيد الجلوس على العرش كالملوك، ومن هناك بدأت ألاعيب المداهنة والخيانة.

   

بطل الفيلم تيموثي شالاميت (رويترز)

  

قبل الغوص في دائرة الخيانة علينا الآن أن نتوقف قليلا عند موسيقى الفيلم التي تحمل مقطوعات هي مزيج من ثقافات موسيقية مختلفة، نستمع إلى موسيقى أندلسية، وأخرى باروكية، وكلاسيكية. من أين جاء هذا المزيج وما دلالته؟ قادتني موسيقى الفيلم إلى البحث عما ورائياتها، وعند مؤلف موسيقى الفيلم نيكولاس بريتيل الإجابات كافة.

  

يقول بريتيل إن الفيلم وضعه أمام حيرة زمنية وإجابات ملتوية، فالفيلم يطرح أمامه أسئلة درامية تدور حول الاحتيال الفكري، ووهم الحقيقة والخيانة، وسؤال القوة مَن يملكها وكيف؟ هذه التساؤلات وإن كانت تعود إلى القرن الخامس عشر فإنها تليق أيضا بالقرن الخامس والعشرين الذي لم يأتِ بعد. لا يعرف بريتيل الكثير عن موسيقى القرن الخامس عشر في الساحات الخلفية لإنجلترا، لكن دوائر السلطة والقوة والخيانة وضعته أمام سلسلة تاريخية ممتدة منذ الماضي وحتى المستقبل البعيد، ومن هنا فكّر في أن يتلاعب بالموسيقى ويصدح بها ويلتقطها من كل الأزمنة والأمكنة.

    

   

"الفيلم استبدل بمسرحية شكسبير حوارات شبيهة بعالم "صراع العروش" (game of thrones)"

(بيتر برادشو)[8]

    

فرنسا تهزأ بنا

يجلس هنري الخامس على عرش المملكة بينما روحه هائمة في غيمة من الألم، يقف أمامه رئيس الأساقفة يشدو بخطبة طويلة عن مملكة فرنسا، يفهم هنري أن الأسقف يلهب الملك هنري ليخوض حربا لا يريدها مع ولي العهد الفرنسي -الذي يلعب دوره روبرت باتينسون-، يقول هنري: "أنا لست كأبي"، فتتعالى أصوات الهمس الخافتة في القاعة، كيف للملك أن يرفض الحرب ويرفع رايات السلام؟ من هنا تبدأ خطط النبلاء خلف ظهر الملك.

   

"على الرغم من بهجة الشجاعة الغامرة، فإن القتل أثره على النفس دائما لا يُمحى"

(الفيلم)

    

يشعر هنري أنه وحيد على القمة، عيناه تحلم بالرايات البيضاء والليالي الهادئة، وكل من حوله يستعدون لصهيل الجياد ودروع الفرسان وهي تخترق أذن الليل الصماء إيذانا ببدء الحرب. معركة آجنكور هي الرابط بين الواقع وخيال شكسبير وصُنّاع الفيلم، لكن ما حدث بعدها يختلف في الروايات الثلاثة. في كتابات التاريخ ينتصر هنري الخامس بالأسهم والرماح، وفي رواية شكسبير ينتصر جيش إنجلترا بقوة وهمة هنري وخطبته العصماء بين صفوف الجيش، وفي الفيلم ينتصر هنري بكل ما سبق، ومضاف إليه يد خبيثة تحرك رقع الشطرنج دون دراية اللاعبين، هذه اليد الخائنة هي يد ويليام مساعده في الحكم.

      

هذا الملك الشاب خُدع بالاستفزاز، لم يعرف بعد طرق التفكير بحكمة، تحركه مشاعره وأحلامه البريئة، لكن هذا لا يكفي لتنهض الممالك ويحكم الملوك
   

في الفصل الأول من مسرحية شكسبير يستحلف الملك هنري اللورد كنتر بري ألّا يحوّر الأحاديث أو يُثقل ضميره بأوزار قد توقظ سيوف الحرب من رقدتها، وهو ما يحدث بالفعل أن تُنصب للملك الفخاخ بإشعال الفتنة في نفسه. في مسرحية شكسبير يرسل ولي العهد الفرنسي كرة تنس إلى الملك هنري، وهي استهانة كبيرة به تخبره بأنه ما زال صبيا صغيرا، لكن هذه الكرة وبعدها إرسال قاتل للملك هنري تتحولان في الفيلم إلى السبب الرئيس في اشتعال حرب آجنكور، ثم تأتي النهاية التي تُفجّر المفاجأة الكبرى عندما تخبر الملكة إيزابيل ابنة ملك فرنسا زوجها الملك هنري -الذي تزوجته بعد انتصاره على فرنسا في الحرب- أن والدها وأخاها ولي العهد لم يخطّطا يوما لقتله، وأن القاتل الذي أرسل له هو محض هراء لم يخطر يوما على بال والدها.

  

تضع إيزابيل الملك هنري أمام مرآة الحقيقة، يكتشف الخدعة ويُصدّق روايتها، ونُصدّقها نحن أيضا، هذا الملك الشاب خُدع بالاستفزاز، لم يعرف بعد طرق التفكير بحكمة، تحركه مشاعره وأحلامه البريئة، لكن هذا لا يكفي لتنهض الممالك ويحكم الملوك، لكنه يليق بخوض الحروب واشتعال الفتن. ما الذي استفاده ويليام الخائن إذن؟ نعم نعرف أته استولى على أراضٍ فرنسية، زادت خزينة ثروته بخدعة بسيطة للملك. بالخدع تشتعل الحروب، وبالحروب يتحقق النصر.

  

اختار صُنّاع الفيلم اسم "الملك" ولم يختاروا "هنري الخامس"، البطل هنا هو الملك بصفة مجردة، يمكننا أيضا استبدال ملك آخر به في زمن آخر، وربما لا يعنون هنري بعينه لأن كل الملوك هنري. في النهاية سيترك الملوك أختامهم على صفحات التاريخ، وعليهم أن يختاروا جيدا الأيادي التي تقطعها أنصالهم قبل أن يتورطوا في الخيانة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة