المحتال، البطل، المتمرد، الإله.. كيف نفهم شخصية مارادونا؟

أحيانا لا تبدو الأساطير مجرد خرافة، هي صراع أبدي على البقاء والخلود وتدفُّق تيار الحياة في جسد العالم. بحسب الأسطورة كان الإله زيوس يخشى على مصير ابنه هرقل الذي أنجبه من البشرية "ألكميني"، لأن هرقل نصف إله ونصف بشر. دبَّر زيوس بدهائه المعهود خطة فوضع ابنه الرضيع هرقل في طريق زوجته الإلهة هيرا، غمر هيرا شعور بالشفقة، رفعت الرضيع من غبار الأرض وأرضعته، في تلك اللحظة لم يَعُد هرقل بشريا، أصبح إلها يحمل سمات الخلود. تستدعي أسطورة هرقل سحر اللحظة التي تأسرنا عندما تتجلّى المعجزات، لحظة يتحوّل فيها البشر إلى آلهة، هم بحاجة إلى لمسة مباركة، كاليد الإلهية التي بدَّلت حياة اللاعب الأرجنتيني دييغو مارادونا ورفعته من أزقة بوينوس آيريس إلى قمة جبل الأوليمب حيث الآلهة المباركة في الأعالي. 

       

تراجيديا إغريقية

ينتقي المخرج البريطاني آسيف كاباديا المشاهير بعناية ليصنع من خيوط حكاياتهم أفلامه الوثائقية، بعد فيلم "سينا" (Senna) وفيلم "إيمي" (Amy) يُقدِّم فيلمه الأخير "دييغو مارادونا" (Diego Maradona) ليُكمل ثلاثيته الوثائقية، المشترك بين الشخصيات الثلاثة أن شهرتهم بين الجماهير وصلت إلى شهرة الآلهة، وثلاثتهم تأرجحوا من قمة ربوة عالية وتعرّضوا لسقوط مدوٍّ انتهى بهم إلى حطام لا يلتئم. عندما سُئل كاباديا عن الشيء الذي يجعل شخصية ما مادة جاذبة لعمل فيلم وثائقي عنها أجاب: "يجب أن تتعرّض الشخصية في مسيرتها لشيء ما درامي، صراع درامي يمكنني التعامل معه، دائما ما أبحث عن شخصيات مُركَّبة وصعبة وغير محبوبة أحيانا"[1].

     

فيلم  المخرج البريطاني "آسيف كاباديا" الأخير "دييغو مارادونا" (مواقع التواصل)

     

يبدأ الفيلم من اللحظات التي ينتقل فيها مارادونا من برشلونة إلى نابولي، اختياره أن يبدأ السرد من تلك المرحلة يؤكد أن كاباديا لم يكن مشغولا بتقديم حكاية مارادونا -كما المعتاد في الأفلام الوثائقية- منذ طفولته باعتبارها قصة أسطورية، بل هو اختيار درامي ينطلق من مرحلة التأسيس لمارادونا نابولي، يقول كاباديا: "كل ما جاء قبل نابولي يؤدي إلى أصل القصة، وكل ما فعله بعد ذلك، حتى الأشياء التي يقوم بها الآن، هي نتاج مرحلة نابولي"[2]. لم ينشغل كاباديا في فيلمه بتحليل مارادونا رياضيا، يكتفي فقط بتعليقات صوتية خاطفة لمجموعة من المحللين المتخصصين، لكن المثير حقا هو الوجوه المختلفة والمتبدِّلة لمارادونا على مدار مسيرته، هنا تكمن الدراما التي لا تنفصل عن تراتبية الأحداث في حكاية مارادونا، تراجيديا من نوع خاص تدور على خلفية أقنعته الأربعة: المحتال، البطل، المتمرد، الإله.

    

  

"لعبت كرة القدم وحصلت على المال من الركض خلف الكرة ولم أحتل على أي شخص.. لا أحب هذا العنوان ولن أذهب إلى الفيلم، لا تذهبوا لمشاهدته"

(مارادونا)[3]

   

المحتال

نعم، هذا التصريح صحيح ويخبِّئ في طياته تساؤلات حول أسباب انزعاج مارادونا من الفيلم، هل يروي عنه أكاذيب؟ أم أن الأمر أبعد من ذلك؟ يبدو أن انزعاجه الأساسي من استخدام وصف "محتال"، لكن ألم يمارس مارادونا الألاعيب حقا؟

 

يبتعد الفيلم عن الانحياز الصريح للبطل، بل اتبع الطريقة الأكثر احترافية في السرد التي تنتصر للقصة وتصاعدها الدرامي دون أن يحصر أدوات الحكي في مساحة "مع" أو "ضد" مارادونا، حتى لو كان الفيلم يُروى على خلفية صوت مارادونا، وهي أداة سرد فعالة في كشف الشخصية الحقيقية بالتقابل أو بالتضاد مع تصوراتنا عنها[4] [5]. عدم الانحياز التام على الأرجح أمر مزعج، خاصة إذا أراد صاحب الحكاية أن تُحكى بوجه واحد أنيق لا تشوبه الندوب، لكن ما يتغافل عنه دوما أن الشخصيات المثيرة للدهشة، المُركَّبة، المتناقضة، تجذب المشاهد. عندما تعرَّض مارادونا إلى واقعتَيْ تشهير، اتُّهم في الأولى بأن له ابنا غير شرعي، وفي الثانية اتُّهم فيها بحيازة المخدرات، تنصّل من الواقعتين رغم إثبات صحتهما، يراوغ مارادونا في التصريح بالحقيقة، لأن القناع النزيه للإله المقدس قطعا لا يسقط، لكنه بعد تساقط وريقات الزمن يعترف مارادونا في الفيلم: "لم أكن قديسا".

      

  

يُشبِّه الكاتب إدوارد جاليانو ملعب كرة القدم بالمسرح الذي يُمثِّل فيه اللاعبون بأرجلهم، أما أرواحهم فتظل معلقة فيه بطرف خيط[6]، وفي هذا العرض التمثيلي تتبدل أدوار اللاعبين ويرتدي كلٌّ منهم قناعه التمثيلي الخاص كما ارتدى الممثلون أقنعة الضحك والتجهم في المسارح اليونانية القديمة. من بين أقنعة التمثيل التي يذكرها جاليانو بسخرية يصف اللاعب الهادئ بقناع القديس الذي يبصق على خصمه ويطارده باللكزات والضربات، ولاعب إضاعة الوقت الذي يحمل قناع الشهيد الذي صُلِب للتو فيبقى مطروحا على العشب لتمر الدقائق.

  

إذا ما تتبَّعنا مارادونا في الملعب فسنجده ممثلا بارعا يحمل في جعبته أغلب الأقنعة ويعرف جيدا متى يرتديها ليستكمل العرض. يدفعني الأمر للتفكير في مارادونا داخل الملعب بطريقة درامية، هل لعبه داخل الملعب به شيء من الدراما وقدر من التحايل؟ حاور "ميدان" المحرر الرياضي "لؤي فوزي" وتأمّلنا معه أداء مارادونا داخل الملعب، يقول لؤي: "لا تقتصر الألاعيب الدرامية على لعب مارادونا فحسب، هي على وجه الدقة سمة بارزة في اللاعبين اللاتينيين، تركض ظلالهم في الملعب مُحمَّلة بعاتق حياتهم وتجاربهم الشخصية، بعكس الأوروبيين الذين يغلب على أدائهم الطريقة المُميكنة فلا يُحمَّل أداؤهم في الملعب بحياتهم خارج الملعب. أرى مارادونا كصفحة بيضاء حفر عليها كل تجاربه، يمكنني الآن أن أوكد أن مارادونا كان ممثلا في الملعب، يبالغ في سقوطه وتألمه من الهجوم عليه في الملعب، وللأمر قصة تعود إلى كأس العالم 82، عندما بالغ جنتيلي في ملاحقة مارادونا في الملعب بالضرب، فما كان لمارادونا إلا أن يستغل الأمر لصالحه فيبالغ في التمثيل والتحايل ليدافع عن نفسه وينال أكبر مكاسب ممكنة من تلك الهجمات الشرسة". مارس مارادونا الغناء وعُرِض عليه التمثيل، لا أرى أن هذا الوجه المحب للشهرة والأضواء دخيل عليه، بل إنه يحمله بداخله طيلة الوقت.

    

يستعيد مارادونا في الفيلم ذاكرة جسده في الملعب، يقول: "كانت الكرة الإيطالية مختلفة وأكثر عنفا، لذا وجب عليّ التأقلم معها، أن ألعب بسرعة مختلفة مع الحفاظ على التكنيك الخاص بي". لا يكمن سر مارادونا في عضلاته أو لياقته بقدر عقله، وهو ما جعله مميزا عن لاعبي نابولي، وإذا كان الإيطاليون يضيّقون الخناق ويلعبون بشراسة فلقد كان عليه أن يتماهى مع اللعب، كرة القدم لعبة مكر وخداع، يوهم مارادونا الدفاع بأنه سيأتي من اليسار ثم يراوغهم ليركض في الاتجاه المعاكس، وفي غفلة من الزمن يسدد ضربة عالية لتستقر في شباك الخصم قبل أن يفتح حارس المرمى أجفانه.

    

  

يستكمل "لؤي فوزي" حديثه ويقول: "تمزج نابولي بين حياة الجريمة وكرة القدم، لم يكن الأمر غريبا على مارادونا فهي سمة تشترك فيها أيضا أميركا الجنوبية، لا توجد حدود فاصلة بين "البيزنس" ومراهنات الكرة، الاحتيال والألاعيب غير المشروعة وخطف اللاعبين كلها أمور واردة ومتكررة". لم يختلف الأمر خارج الملعب كثيرا، يعترف مارادونا أنه شعر في نابولي وفي حضرة عائلة المافيا الشهيرة "جولياني" كأنه يعيش داخل فيلم سينمائي.

   

البطل

رغم مكابدتها أزمات اقتصادية وتدهور قيمة عُملتها المحلية استهدفت الأرجنتين غزو جزر الفوكلاند في ربيع عام 1982 لاستعادة الجزر من إنجلترا وضمها إليها، فتحوّلت الفوكلاند إلى ساحة حرب لم تخمد قذائفها إلا بحلول الصيف. لا يمكننا تغافل التأثيرات السياسية على ملاعب الكرة، خاصة إذا وضع القدر الأرجنتين في مواجهة حاسمة في نهائيات كأس العالم عام 1986 أمام الخصم اللدود إنجلترا، من هنا تحوّلت المباراة التي أُقيمت في وضح النهار إلى ثأر، وزناد البندقية في قبضة مارادونا وحده، لكن بدلا من أن يُطلق مارادونا النار بيده ادّعى أن يد الله امتدت لتثأر للأرجنتين.

  

"الضجة التي رافقت المباراة جعلت الأمر يبدو وكأننا ذاهبون إلى ساحة حرب"

(مارادونا)

  

     

يتذكَّر مارادونا تلك اللحظة التي ضرب فيها الكرة بيده لتدخل في شباك إنجلتزا، يقول ضاحكا: "لم يرني حكم الراية، كان شعورا جميلا كأنه انتقام رمزي من الإنجليز"[7]. يمكننا هنا أن ننظر مليا إلى مارادونا الذي أحرز هدفين الأول بيده والثاني بمراوغة ماكرة، هذا الرجل يعرف جيدا كيف يحمل قناع المحتال والبطل في آنٍ واحد بالقليل من الغش والكثير من العبقرية والدهاء.

  

منذ تلك المباراة يقبض مارادونا على يده الإلهية، يُذكِّرنا بكل الشعارات الثورية، بيد الاشتراكية، بيد المسيح المخلِّص التي تُبارك أتباعه، اليد التي حملت كأس العالم في شوارع الأرجنتين كأن الخلاص تمثَّل في كأس والنصر في مباراة. يعود مارادونا إلى بلاده ويغني بصوت حماسي: "نحن الأبطال".

  

بعد احتفالاته الوطنية عاد مارادونا إلى نابولي وفي انتظاره قضية نسب نفاها بالكلية، يقول: "أنا لست دراميا، وأريد أن ألعب في هدوء". عاد مارادونا بوجه بطولي يجعله مغفورا له، وجه بطولي ينقصه ملامح النضج، لكن كل القيم الأخلاقية تتوارى في زحام الملعب، مارادونا الآن بطل العالم، ونابولي هو بطل الدوري الإيطالي 86-87، وبطل الاتحاد الأوروبي 89، وبطل إيطاليا 90، وهو نصر قومي لأهالي نابولي الذين حُكم عليهم قبل قدوم مارادونا بالهزيمة الأبدية في ملاعب كرة القدم.

    

  

"مارادونا رفع كرة القدم إلى مستوى التجريد الموسيقي الشفاف، رفعها إلى الطهارة المطلقة. لعب مارادونا من أجل اللعب، وحوّل كرة القدم إلى أغنية راقصة، مزيج من السامبا البرازيلية والتانغو الأرجنتيني"

(الروائي أحمد عبد المنعم رمضان)[8]

  

المتمرد

لا ينتمي جسد لاعب الكرة لنفسه فحسب، هو مِلْك الجميع، كل إصابة هي خطر على مستقبل الفريق، كل ندبة تحفر جرحا في جسد المشجعين، لكل إيماءة معنى، ولكل نظرة فرح أو غضب معنى. حمل جسد مارادونا دلالات ثورية بعد أن حفر على قدمه اليسرى وشم المناضل "فيديل كاسترو" وعلى ذراعه اليمنى وجه جيفارا، هذه اليد وتلك الأرجل كانت تُقدَّر بالملايين. يُمكننا تتبُّع خطوات مارادونا التي تورِّطه في قضايا سياسية على الأغلب لم يكن معنيا بها، يدعم كارلوس منعم في حملته الانتخابية للرئاسة، يتم تشبيهه بماسنيللو الذي قاد فقراء نابولي للقيام بثورة ضد الإيطاليين، يدعم الزعيم الفانزويلي هوجو شافيز، ويهاجم بابا الفاتيكان، ويهاجم أميركا، ويدعم إيران في حكم أحمدي نجاد[9].

     

في استكمال حديث "ميدان" مع "لؤي فوزي" تطرَّقنا إلى الوجه الآخر لمارادونا المحمَّل بالقضايا السياسية بعيدا عن ساحة الملعب، يستطرد لؤي قائلا: "يُذكِّرني مارادونا بشخصية سيد حبارة التي ألّفها دكتور أحمد خالد توفيق، يُشبهه إلى حدٍّ كبير، هو رجل موهوم بالدفاع عن قضايا كبيرة ونبيلة لكن أفعاله في حقيقة الأمر لا تُعبِّر عن شيء أصيل لشعارات القضايا التي يحمل لواءها دوما. إذا عدنا لمراقبة مارادونا في مباراة قبل نهائي كأس العالم 86 بين الأرجنتين وإنجلترا، وتفحّصنا ضربة يد الإله ومراوغات مارادونا في طريقه لشباك الخصم، فإن الأمر لا يخرج عن كونه مباراة كرة قدم ولا مجال هنا لإسقاطات ثورية وخلط الحرب السياسية بأرض الملعب، أتصور أن مارادونا وجد نفسه في نهاية المطاف منزلقا في مساحة أكبر من أفكاره وأحلامه، يتعصّب وينتصر لقضايا ثورية لكنه لا ينتمي لها حقا بشيء من الأصالة، كما ذكرت كل ما أراده مارادونا أن ينتقل هو وأسرته من الحي الفقير حيث يقطنون، أحلام عادية دون أن يحمل في جعبته قضايا كبرى".

   

  

يبدو تمرد مارادونا قناعا جديدا يرتديه في سنوات الخفوت والاعتزال، محاولة لاستغلال شهرته من جهة ورغبته في الوجود ليُثبت أن الأضواء تُلاحقه أينما حلّ.

  

في استكمال حديث لؤي فوزي مع "ميدان" يقول: "في حالة مارادونا أرى أن احترافه للكرة جاء من منطلق وظيفي لم يكن في حسبانه، هي بالفعل وظيفة تدرّ له الأموال واستطاعت أن تنتشله من أزقة الفقر إلى ساحات الثراء، هنا تتقاطع مصائر أغلب لاعبي الكرة في هذه النقطة المظلمة عندما يتحوّل شغفهم بالكرة إلى وظيفة تدرّ لهم المال والشهرة، أصبح هذا الخلط بين الشغف والوظيفة يقودهم لمسارات حياتية ربما لا تُشبههم".

   

الإله

في مساحة أكثر شراسة كان النابوليون يتوقون للانتصار على الشمال الإيطالي الأبيض الذي يزدريهم، مسألة حياة أو موت، يحمل الجنوبيون سمات الجنون الجامح، كان الأمر مسألة حياة أو موت، مارادونا المُخلِص الذي رفع نابولي من قاع الدوري إلى قمّته أصبح بين ليلة وضحاها إلها مقدسا تُحفر صوره في الأزقة والساحات الشعبية محاطة بهالة القديسين. في أحد النهارات استيقظ مارادونا على واحدة من رحلات الحج التي قام بها مجموعة من مشجعي نابولي، لم يذهبوا إلى الأراضي المقدسة، بل طافوا حول بيت مارادونا متبتّلين له بالصلوات المباركة. لم يتوقف جنون المشجعين عند هذا الحد، يمكنكم أن تشاهدوا في الفيديو التالي الكنيسة المارادونية التي تعقد شعائر دينية حتى هذا اليوم مرتدين زي مارادونا، رافعين صورته ومهلّلين باسمه المقدس.

   

  

كان على الإله أن يسقط في الخطيئة ليُدرك أنه ليس إلها حقا، وأن الهالة التي تُكسبه وقارا مقدسا في النهار تغمره بنفحات شيطانية في سهرات الليل المنغمسة في المجون. رائحة الكوكايين تنبعث من أنفاس مارادونا على مدار الأسبوع، وفي نهار يوم الأحد يعود إلى تدريبات اللياقة ليتطهّر من آثام الأسبوع كما يتطهّر الصالحون في الكنائس. أفكر في السقطة الدرامية التي تعرّض لها مارادونا على أثر مرافقته لعائلة جولياني وغيرهم من رجال المافيا والأعمال، يقول إدوارد جاليانو: "إن متعة تدمير الآلهة تتناسب بصورة مباشرة مع الحاجة إلى امتلاكهم"[10].

  

تحتاج كل قصة درامية إلى مجموعة من الإيقاعات تزيد من توترها وتؤدي في النهاية إلى وصول البطل إلى العُقدة الكبرى التي لا مفر من مواجهتها. في كأس العالم 90 وقفت إيطاليا في الملعب أمام الأرجنتين، أمام مارادونا على وجه الدقة، فازت الأرجنتين وانقلبت إيطاليا عليه، كان رد الفعل عنيفا وظهره لم يَعُد محميا، في صباح اليوم التالي تصدَّر اسمه الصحف الإيطالية "مارادونا الشيطان". أصبح مارادونا الشخص الأكثر كراهية في إيطاليا بأسرها.

   

"يكفي أن تحدث أمور بسيطة حتى تهبط درجات المجد وتتحوّل من الأضواء إلى ظلام الكواليس"

(فيلم مارادونا طفل من ذهب)

  

    

أدرك مارادونا متأخرا أن العمل كإله مهمة لا تُحتمل ولا تستمر طويلا، وأن مخدر الكوكايين الساري في دمائه يجعل مزاجه سيئا، أما مهارته فتراجعت، لم يَعُد محبوبا كما السابق، وفي الملعب بدا ثقيلا ومهموما، عندما تتغير كيمياء الجسد لا مجال هنا للتساؤل عن أسباب الخفوت. تسربت مكالمة هاتفية له مع مورد مخدرات، لم تهدأ إيطاليا بعد هذه الفضيحة، حللوا دماءه، أصبح الإله في مصاف المتهمين ومهددا بعقوبات وخيمة، أدرك أنه آن الأوان ليترجّل، رحل مارادونا عن نابولي إلى الأبد في نهاية لا تليق بصورته المقدسة، يقول مارادونا: "عندما وصلت نابولي لأول مرة استقبلني 8500 شخص، وعندما غادرتها كنت وحيدا لم يودّعني أحد".

   

في مسار موازٍ لرحلة الوجوه الأربعة لمارادونا يصفه مدربه الخاص فيرناندو سينيورني بوجهين لا ثالث لهما، في الثلث الأول من زمن الفيلم يقول فيرناندو: "لقد تعلمت أن هناك دييغو وهناك مارادونا، دييغو طفل قلق وولد رائع، أما مارادونا فكان الشخصية التي عليها أن تظهر لتواجه متطلبات عالم الكرة والإعلام.. ذات مرة قلت له: مع دييغو قد أذهب إلى نهاية العالم، لكن مع مارادونا لم أكن لأخطو خطوة واحدة".

   

يختم مارادونا الفيلم بصوت هادئ تلفّه الحكمة: "عندما أكون في أرض الملعب تختفي الحياة، المشكلات، كل شيء". ينتهي الفيلم مع نهاية أسطورة مارادونا، ما زال مارادونا حيًّا، لكن ما يحدث له بعد مغادرة نابولي هو محض حكاية أخرى ربما لشخص آخر أقل عادية من مارادونا الذي نعرفه، وعلى الأرجح لن تشغل الكثيرين لمعرفة أين هو وكيف يقضي أيامه بعيدا عن ساحات اللعب، حتى لو كان يحترف الآن التدريب. تُذكِّرني نهاية مارادونا بالأنفاس الأخيرة لفارس/عادل إمام في فيلم "الحريف"، تنتهي مسيرته وتبقى أنفاسه اللاهثة وراء مجد الماضي وثقل أحلام لم يُقدَّر لها أن تكتمل، لكنه في نهاية المطاف الحريف الذي لا يتجلى بهاؤه إلا في ساحة الملعب.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة