مسلسل "البحث عن عُلا".. كيف قدَّمت نتفليكس المرأة المصرية؟

كل شيء ناصع البياض، أقرب إلى حلم، أو زفاف جارٍ، عدا أن عُلا في ثوبها الأبيض وانحنائها الخفيف لدقيقة على المكان الشاغر بجانبها تبدو أقرب إلى المُقيَّد بأسرار قَدَر يُعِدُّها لمصير محتوم. تهدم الحائط الرابع منذ لحظة ظهورها الأول بمسلسل "عايزة أتجوز" وتتجه بحديثها نحونا.

المشهد الافتتاحي لمسلسل "عايزة أتجوز"

"الحائط الرابع" (Fourth Wall) هو مصطلح يعود إلى ماضٍ سحيق وقف فيه الممثلون على خشبة المسرح التي تشكَّلت من ثلاثة جدران، فكانت الجهة المقابلة للجمهور بمنزلة جدار رابع وحاجز وهمي يقف بين المشاهدين والممثلين (1). يتظاهر الممثل ألا أحد موجود على الجانب الآخر ليخلق حالة إيهام يستشعر فيها المتلقي أن ما يحدث أمامه حقيقي ويتفاعل معه عاطفيا.

رفض الشاعر والكاتب المسرحي الألماني برتولت بريخت قبول تلك الحالة، إذ رأى أن الجمهور ليس ساذجا، ويعي بالتأكيد أن ما أمامه ليس سوى تمثيل، لذا أتى بنظرية "كسر الجدار الرابع"، لتستخدمها السينما والتلفاز بعد ذلك الحين بوصفها أداة إبداعية في شتى السرديات.

في مسلسل "عايزة أتجوز" مثلا للكاتبة "غادة عبد العال" والمخرج رامي إمام، كانت طريقة البطلة الصيدلانية الشابة عُلا عبد الصبور للانفصال عن موقف ما بصدد التحوُّل إلى مأساة هي تلوينه وتحويله إلى ملهاة. بإبداء تعليق ساخر على الحدث تنفصل بنفسها عما يجري، وتُسِرُّ لنا بما لم تجرؤ أبدا على النطق به لمَن حولها أو مواجهتهم به. كما أن تلك كانت وسيلتها في بادئ الأمر لوصف طبيعة العلاقة التي تجمعها بالمحيطين على طول الأحداث.

احتاج الأمر إلى نحو ثلاث عشرة سنة حتى عادت البطلة في مسلسل نتفليكس الحديث "البحث عن عُلا" دون أن تتخلى عن تلك المساحة من الانفصال، لكنها لم تعد تلك الفتاة من الطبقة الوسطى التي تبحث عن شريك لها في الحياة، بل هي أُم وامرأة من طبقة عليا تبحث عن ذاتها، بعد أن صارحها زوجها يوما أنه تعيس، وتركها بقلب منكسر وثقة متذبذبة. يحمل العنوان ثيمة العمل كاملة، ويطالبنا بالبحث معه عن بطلة غابت لمدة 13 عاما.

بين طبقتين

في السابق انتمت عُلا بصدق إلى واقع جماعي مَعيش، طبقة اجتماعية عاشت أزماتها وأعباءها وضغوطات الأسرة والمجتمع المتزايدة لتأخُّرها في الزواج. سايرت عُلا فكرة الزواج، لكنها لم تنسحق تحت الضغط الواقع عليها بالاقتران قبل بلوغ الثلاثين، بل تمسَّكت مُطوَّلا بحقها في التريُّث والاختيار.

ولعل النقد اللاذع للنظرة المجتمعية التي تقولب النساء وتنتقص منهن، الذي مُرِّر خلال مفارقات كوميدية تحدث مع الخُطَّاب المحتملين، هو ما جعل العمل قريبا من طائفة عريضة من الجمهور وحوَّله من مجرد "سيت كوم" (أعمال كوميديا الموقف التي تتراوح حلقاتها من 20 إلى 25 دقيقة في مواقع ثابتة) إلى مسلسل دارمي.

في "البحث عن عُلا"، صعدت البطلة إلى طبقة الأثرياء عقب زواجها بهشام لتغدو حياتها أكثر ترفا وبُعدا عن الجمهور. ونتيجة لذلك، فإن المقومات التي عرَّفت المسلسل في السابق وجعلته متميزا ارتدت إلى النقيض، الأزياء العادية مثلا باتت باهظة، والمواقع العادية أضحت فاخرة، وهو ما خلق تباعدا بيننا وبين ذلك الوسط، حتى مع وضعنا في الاعتبار أنه ليس جزءا ثانيا لـ "عايزة أتجوز"، وأنه أقرب إلى عمل مستقل.

لِمَ أثَّر تغيُّر المستوى الاجتماعي على رؤيتنا للعمل؟ يقول عالِم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران إن العمل الفني ليس انعكاسا مباشرا للفضاء الاجتماعي بقدر ما هو موضوع يجب تحليله لذاته، وإن الخصائص التي نسبغها على الصورة الفوتوغرافية تنبع في الواقع من الذهن الذي يعكس تلك الخصائص عليها ويسبغها. ومن ثم فإن أهم الخصائص التي ننسبها إلى الصورة الفوتوغرافية تنبع في الأساس من ذاتيتنا، أي مِنَّا نحن، وعليه فإن خلفيتنا الاجتماعية وذائقتنا الفنية وتجاربنا هي ما تجعلنا نحكم على ما أمامنا إن كان مستساغا أم لا.

نحن أيضا بحثنا عن عُلا

هند صبري

إذا كان "البحث عن عُلا" قد لقي الكثير من القبول، فيمكن لنا القول إن عنصرا واحدا أساسيا هو السبب في ذلك، إنها هند صبري التي تقوم بدور عُلا، حيث أجادت إمساك خطوط الشخصية التي أدَّتها من قبل وأبقت على روحها، وإن مَسَّها بطبيعة الحال بعض التغيير. هي ما زالت تتمسَّك بالإفضاء إلينا بين الفينة والأخرى، وبألا تُقيم بيننا وبينها جدارا. تُقدِّم عائلتها الصغيرة في المشهد الأول، إذ نراها تجاور زوجها (هاني عادل) الذي يقود سيارته دون عجلة وعلى مُحيَّاه علامات الإجهاد، تسأله أن يسرع قليلا، فَيَرِدُ في جوابه نعت لها بالتوتر، وهي كلمة من المرجَّح أنها توصيف لعلاقتهما.

تُواصِل عُلا تساميها عن الحاضر ومتغيراته ولو كلَّفها ذلك اختلاق كذبة أو وهم جميل للعيش فيه، الأمر يشبه ألا تقبل بحكايتك بكل ما فيها من انتكاسات أو رتوق فتنسج واحدة أخرى تراوغ من خلالها الحقيقة. لا شيء يوقظ عُلا من سُباتها ويدفعها إلى مواجهة ذلك الوهم المُطبِق غير اصطدامها مع رغبة هشام المُعلَنة في الانفصال.

تُبدي الأغنيات في مواقف بعينها في المسلسل إحساسا جيَّاشا. تتسرَّب أغنية "يا بختك" مثلا لفرقة دعسوقة مع اقتراب نهاية الحلقة الأولى لتغطي صدمة عُلا عند مفارقة زوجها لها: "يا بختك، تعرف تقعد لوحدك، لا حاطط إيدك على خدك، ولا قلبت معاك عياط".

تتمزَّق الصورة السعيدة التي حافظت عليها عُلا في مخيلتها لعائلتها، لا يسعها إلا أن تحاول أن تُنحِّي جانبا أسئلتها حيال سبب فتور علاقتها الزوجية وانتهائها. لكن اللافت في تلك النقطة أننا لا نرى عُلا تصطدم مع هشام إلا ما ندر، لا يتنازعان على حضانة طفليهما، أو على ممتلكات أو أصول، بل يُوجِّه صُنَّاع العمل انتباهنا إلى زاوية محددة جدا، وهي أحقية المرأة المطلقة في التمكين والسعادة والاستقلالية.

تُمعن الدراما المصرية في الوقت الراهن في استقاء موادها من مشكلات اجتماعية عامة وحقيقية مثل الطلاق، لكن المعالجات السطحية له وربما الاحتفاء به بوصفه شكلا من أشكال التحرُّر تُقدِّم تصوُّرا مُضلِّلا عنه وتُعزِّزه بوصفه حلا سهلا للمتزوجين، دون عرض المعوقات والتبعات التي تنطوي عليه، كأن تُترك الزوجة بلا مورد لتعول ذاتها وأسرتها، ووقع ذلك على الأبناء إن وُجدوا. في الواقع، ربما كان هذا السبب في وضع عُلا في طبقة اجتماعية مرتفعة، نعم، ستواجه مشكلات، لكنها بسيطة مهما بدت مُعقَّدة.

على الجانب الآخر، فإن الاهتمام بتلك القضية، وإن قُدِّمت على مستويات معالجة متفاوتة، تمنح صوتا للمرأة، وتُشجِّع النساء على المشاركة والإدلاء بقصصهن. في النهاية، عُلا هي واحدة من بطلات وُجدن في قصص متفرقة ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية، ففي سلسلة "إلا أنا" فرض الانفصال نفسه على حكايات مثل "على الهامش" و"ربع قيراط" و"بدون ضمان"، وذُكر فيها أنها مُستلهمة من أشخاص حقيقيين من عدة خلفيات ثقافية ومادية مروا بتجربة الطلاق لمختلف الأسباب. أما في "حكايتي مع الزمان"، من بطولة أحمد خليل وميرفت أمين، فتتجلى المعالجة السطحية مجددا، حيث تبادر البطلة بالانفصال عن زوجها بعد 30 عاما، فتقتدي بها فتياتها تباعا حتى يتخفَّفن من عقبات الحياة العاطفية.

فتاة مصرية في عالم نتفليكس

لكن عُلا تختلف عن مثيلاتها من البطلات المصريات، فهي مُقدَّمة عبر عالم نتفليكس الذي يمكن أن نلاحظ في مسلسلاته النسوية خصائص أساسية، أولا، هناك دائما نساء أخريات يساعدن، في "البحث عن عُلا" تظهر صديقتها التي كانت قد انفصلت عنها قديما، وفي "Maid" فإن المرأة تقف في ظهر المرأة حتى في تفضيلات بدت في بعض الأحيان متحيزة تماما (للمرأة)، تحاول نتفليكس هنا أن تقف ضد التنميط الشائع الذي يقول إن المرأة عدوة المرأة.

هناك كذلك الرجل الداعم، هذا كان واضحا للغاية في "The Queen’s Gambit" مثلا، فكل مَن لعبت معهم البطلة من الرجال ساندوها ووقفوا إلى جانبها، كذلك في "البحث عن عُلا" نجد طارق ذهني والدكتور مروان وآدم، حتى إن كان بعضهم صاحب مصلحة في العلاقة فإنه كان داعما لعُلا في خط سيرها لاكتشاف ذاتها، وفي "Maid" يظهر نيت، وهو أيضا صديق قديم يدعم البطلة في طريقها للتحرُّر من مشكلاتها.

على الجانب الآخر، فإن نتفليكس تتجاوز وجهة النظر المعتادة للرجال بوصفهم أشرارا في حياة المرأة المظلومة، في "البحث عن عُلا" زوجها ليس شريرا بالمعنى المفهوم، القصة نفسها في "Maid"، فحبيبها الأول لا يبدو شريرا بمعايير الأشرار المعروفة، مع نتفليكس فإن المجتمع هو المشكلة، وهذا حقيقي بنسبة ما، فالقواعد المجتمعية هي في النهاية ما يضع الزوج أو الحبيب في خانة، والزوجة أو الحبيبة في خانة أخرى.

لكن لو قرَّرنا عقد مقارنات، فإن مسلسل "البحث عن عُلا" سيكون بلا شك صاحب النصيب الأكبر من المشكلات، ليس فقط لأن شخصية البطلة الجديدة ترسمها قواعد نتفليكس وتبتعد بها عن شخصية عُلا، الفتاة أو المرأة المصرية، بوضوح، ولكن أيضا لأن المسلسل مرَّر قضايا المرأة المصرية الأساسية ببساطة غريبة، ربما بسبب تكدُّس الأفكار والسرعة في الحلقات.

لكن ربما كان التشابه الرئيسي بين الشخصية النتفليكسية النسوية وعُلا المصرية هو ما ظهر في الحلقة الأخيرة، حيث توضع البطلة بعد تجربة شديدة مرة أخرى في الضغط المجتمعي المعتاد نفسه، هيَّا يا عُلا اختاري زوجك وأطفالك مرة أخرى، نعرف أنك لست مَن أخطأ، لكنك أُم، يجب أن تتحملي قليلا أخطاء الآخرين، ألا تخافين من الوحدة؟ من أن يكرهك أطفالك؟ فلتعودي إلى زوجك!

الوحدة مصير يُفضي إلى النجاة

تشتهي عُلا تبدُّد المسؤولية بقدر ما ترتعد من هاجس الوحدة، فتُفتِّش عن رجل يَحول بينها وبين مواجهة مخاوفها في الواقع وفي تطبيقات المواعدة. تُقدِم على مجازفات وتجارب تكتشف فيها شيئا عن ذاتها وعن أبعاد الخوف المُتمكِّن منها، الذي يمنعها بأن تكون ما هي عليه، وتتقبَّل زلاتها ونواقصها وحيرتها في شؤون عديدة مثل تجربة الأمومة وما فيها من تخبُّط.

هذا ما تُعبِّر عنه الكاتبة المصرية إيمان مرسال في كتابها "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها" بقولها: "توسم الأمومة والأبوة بالإيثار والتضحية دون ذكر أنها تشتمل أيضا على أنانية وشعور عميق بالذنب وصراع وجودي. فالشعور بالذنب هو المسافة التي توحِّد الأمهات على اختلافهن، هو أيضا نتاج المسافة بين مثالية الأمومة في المتن العام وبين إخفاقاتها في الخبرة الشخصية".

تلك الهشاشة التي تستحيل إلى صلابة ما إن تُدرك عُلا أن قيمتها غير مرهونة بشريك أو بإرضاء الآخرين، عُلا في المشهد الأخير تختلف بالكلية عمَّن عهدناها قبل سنوات ومنذ أن عدنا للبحث عنها، هي نسخة أشد نضجا وثقة وتصالحا مع ذاتها، تقف على قارب مع رجل تُكِنُّ له إعجابا، لكنها لا تترجَّل من القارب معه، بل تختار المُضي قُدما وحدها وعلى مُحيَّاها ابتسامة.

_____________________________________________________

المصادر:

  1. Breaking the Fourth Wall: Definition, Meaning and Examples
  2. علم اجتماع السينما وجماهيرها، إيمانويل إيتيس، ترجمة: سلمى مبارك
المصدر : الجزيرة