شواهد الحب والهزيمة والانتصار.. الجسور في الفن والأدب كتأريخ للحزن والجمال

على امتداد أحد الجسور، وقف أحدهم يرقب جمالا لا يُضمَر لجسر ممتد أمامه، يهمس له بما يعتمل في صدره ليصبح الجسر معنيا بقصته، ذلك المرء سواء كان شاعرا أو جنديا، كهلا أو شابا، فتاة في مقتبل العمر أو امرأة، أنت أو أنا، سواء في كتاب من ورق أو في لوحة، في أغنية أو قصيدة أو ربما في الواقع، فإنه يتجه بنظره إلى ذلك المعلم الجمالي الذي فتن الكثيرين منذ الأزل، فلطالما كانت الجسور عبر التاريخ تُعَدُّ تجسيدا للانتصارات في حين وللهزائم في أحيان أخرى، كما أنها شواهد على حكايات الحب التي لم تكتمل كضفتَيْ نهر لن يلتقيا أبدا، وصال دائم وإن لم يتحقق، لكنها تظل دائما شاهدا عليه ورابطة لا تنحل.

 

منذ القدم لم يقنع الجسر بكونه بناء فحسب، فغدا رمزا تجريديا محملا بالمعاني والدلالات، عابرا مساحات شاسعة بعيدة عن الأرض أو عن المياه ليصل بين نقطتين بعيدتين فتدنو المسافات بينهما. بالمرور على التاريخ، كان من المعتقد أن الجسور الأولى من صنيع الطبيعة ووُجِدت ببساطة عند سقوط جذع شجرة على جدول ماء. ربما كان أول الجسور التي صنعها البشر من جذوع أو ألواح خشبية انتهاء بالأحجار المدعمة بعارضة خشبية (1)، والتي من أبرزها جسر راما "رام سيتو"، وهو جسر أُنشِئ عبر البحر ويربط جزيرة يامبان في تاميل نادو جنوب الهند بجزيرة مانار في سريلانكا، والتي أظهرت الدراسات العلمية أن الجسر شُكِّل تلقائيا بفعل الطبيعة، لكن نظريات في الديانة الهندوسية تقول إن اللورد راما وجيشه من القرود كما ذُكر في كتاب "ملحمة رامايانا" مسؤولون عن بناء ذلك الجسر (2). وقد كان الرومان القدماء أول مَن أحدثوا ثورة في بناء الجسور في العصور القديمة باستخدامهم الأسمنت، وخلال القرن الثامن عشر كان هناك العديد من الابتكارات في التصميم، بإقامة الجسر الحديدي في كول بروكديل في إنجلترا خلال عام 1779، باستخدام الحديد الزهر لأول مرة كأقواس لعبور نهر سيفرن. مع الثورة الصناعية، استُبدل الفولاذ الذي يتمتع بقوة شد عالية بالحديد المطاوع لبناء جسور أكبر لدعم الأحمال الكبيرة، وبُنِيَت الجسور الهيكلية الملحومة لاحقا بتصميمات مختلفة (3).

 

على تلك الخُطى، بنى كُتّاب ومخرجون وفنانون وشعراء جسورا في العديد من أعمالهم الأدبية والسينمائية والفنية التي لعبت فيها الجسور دورا محوريا في بعضها ونحتت في بعضها الآخر دلالات وتأثيرات أورثت في الأدب والسينما نتاجا عظيما.

 

"فتـيات علـى الجسـر": إدفارد مونك (1902) (مواقع التواصل)

في أوج معاناته استحضر الفنان النرويجي إدفارد مونك (1902) الذي اشتهر بلوحة "الصرخة" جسرا يقع في أحضان الطبيعة، ليُخرج أحد إبداعاته "فتـيات علـى الجسـر". تُعبِّر اللوحة عن رؤية مشحونة عاطفيا، تُستمد الرؤية من القوّة التعبيرية للألوان والخطوط. ضربات الفرشاة القوية والطلاء السميك يشيان بانفعال نفسي قوي. ملامح النساء غير واضحة، في مؤشّر إلى أن لوحات مونك لا تحكي قصصا بل تُثير انفعالات وأمزجة متباينة. ظاهريا اللوحة تتحدث عن الطبيعة، لكنّها في الحقيقة تقود الناظر إلى طبيعة داخلية من المشاعر والانفعالات. قد يكون الضوء المبهم كناية عن ذكريات تُوشِك أن تغرب وتتلاشى، وتُضفي الألوان المخفّفة والفاتحة جوّا من الدفء الممزوج بشيء من الحنين. امتدح النقّاد المعاصرون هذه اللوحة باعتبارها أكثر أعمال الفنّان نضجا، وهناك مَن وصفها بأنها طبيعة للخلاص ورغبة في العودة إلى عالم نقي وصافٍ لا يسكنه سوى الأبرياء. الجسر هو القالب الذي يضم مزيج تلك المشاعر (4).

 

"الحياة كما في الأساطير الكبرى تُحاذي الموت"

"الجسر": إسماعيل كاداريه (1978) (مواقع التواصل)

في ألبانيا في القرن الرابع عشر، كتب راهب يُدعى جون حكاية جسر أُقيم على نهر أويان وذاع صيته من كثرة ما اختُلقت عنه الأكاذيب والأساطير. يقص الراهب تاريخ ذلك الجسر الذي رُوي مرتين بالدم.

 

في بداية الرواية نبصر هيمنة شركة "عبارات وأطوَاف" على النقل البحري وفرضها رسوما على عبور النهر. يأتي يوم يصاب فيه عابر بنوبة صرع حادة وتدوي صرخته قبل أن يسقط منكبا على وجهه في الوحل. يتجمهر الناس حول الرجل المرتجف ويعلن أحدهم أنها آية من السماء تأمرهم ببناء جسر على هذه المياه، وعليه ينبغي نقل الأمر إلى سيد البلد الكونت "سترس دي جيكا". على مدار الرواية يُستدعَى الكاهن للترجمة، ويُبتَعث رجلان للتفاوض على بناء الجسور من شركة "جسور وطرق". يوافق الكونت أمام حصة المال الضخمة المعروضة، وعليه يشرعون في البناء.

 

تتصاعد الخلافات بين الشركتين الخصيمَتَيْن، ويمر بناء الجسر في مراحله بعراقيل لا حصر لها؛ فما يُبنى ليلا كثيرا ما يكون آيلا للسقوط في النهار. تطفو على السطح خرافات يتناقلها الناس بخوف، يتهامسون بها ويخشون من استكمال البناء، ما بين أسطورة حبس امرأة داخل الجدار كقربان إلى الجدار كي يتسنى من بعده البناء بسلام. تحكي الأسطورة باختصار عن ثلاثة إخوة بنّائين كانوا يبنون جدار حصن، يعجزون عن إحراز تقدُّم ملموس بعد برهة من الزمان لأن ما يبنونه ليلا يُهدم نهارا. في يوم ما، يقوم الإخوة بمقابلة شيخ ليشرح لهم أن الجسر يحتاج إلى روح كي يتماسك ويستقر، وبالتالي يُقرّرون التضحية بإحدى زوجاتهم. يقع الاختيار على أول امرأة فيهم تجيء لهم بالإفطار في صباح اليوم التالي، ويتعاهدون على إبقاء الأمر بينهم بالطبع. ينكث الأخوان البكريان العهد ويصارحان زوجاتهما بالأمر، تتخلّف الاثنتان عن الذهاب صباحا متعلّلتين بالمرض، وفي النهاية تذهب زوجة الأخ الأصغر لتكون ضحية قسَمهم، ويُحكى أنها ظلت تبكي وتلتمس ألا يحبسوا أحد ثدييها كي تستطيع إرضاع طفلها قبل أن تموت.

 

ارتبطت تلك الأسطورة بالجسر، وغنت الفِرَق المتجولة عن أسطورة المرأة المضحية، وسرعان ما أصبح الأمر دعوة مباشرة ليُقدِّم أحدهم نفسه قربانا للجسر، على أن تتكفّل الشركة بتعويض مالي لذويه… وقد كان!

 

بُني الجسر بتضحية إنسان تبكيه زوجته وابنه الرضيع، أُريقت دماؤه إلى جانب دماء فارس عثماني فيما كانت بشائر احتلال ألبانيا تلوح في الأفق، وفرضت في النهاية شركة الجسور أسعارا للعبور. تشهد الرواية حكاية جسر يُبنى في فجر الرأسمالية لا يُقيم تواصلا كما يجب، ويتعرّض للاستغلال في انعكاس للتفاعلات المعقدة للأساطير التي تتحكّم في الناس وتُسيّرهم بها السلطات كيفما تريد، وصراع المال والسلطة في زمن الانقسام السياسي وعدم الاستقرار، ويُعَدُّ الكاتب إسماعيل كاداريه أحد أبرز الرموز الثقافية في ألبانيا. يعيش كاداريه في منفاه السياسي في فرنسا، وهُرِّبت كتاباته من قِبل أحد الفرنسيين المهتمين بها من موطنه الذي اتسم بطابع الحكم الستاليني طوال ثمانينيات القرن الفائت، وتُرجمت أعماله إلى الفرنسية وعشرات اللغات الأخرى، وتصف كتاباته أنها قريبة من الأسلوب السائد في الأدب الأميركي اللاتيني الذي تغلب عليه الواقعية السحرية (5). في النهاية تعلو كلمات الكاهن الغاضبة في نفسه:

  "إن هذا النظام، نظام المصارف والفوائد الذي ينبغي على حد زعمكم أن يتقدم بالعالم ألف عام، غارقة أسسه في الدم، شأنه شأن النظام البربري في غابر الأزمان، مثله مثل نظام الاسترقاق والعبودية، مثل نظام الأمراء والسادة اليوم مع فارق تقريبي هو أن هذا الدم يسيل في حسابات، في أرقام.. إن حساباتكم جروح عميقة والفؤوس إزاؤها وكأنها خدوش أحدثها أطفال. يا لَتعس العالم الذي نسَلَكم" (6)

"إن الحياة معجزة لا تُفهم، فهي ما تنفك أن تتبدد وتذوب، ولكنها تبقى وتستمر؛ كالجسر على نهر درينا"

(إيفو أندريتش)

"جسر على نهر درينا": إيفو أندريتش (1945) (مواقع التواصل)

مُحتجزا في شقة أحد أصدقائه في بلغراد (عاصمة سيبيريا) في ظروف تشبه الإقامة الجبرية، بعد تجربة اعتقال من قِبل الألمان؛ إذ إنه كان سفير يوغوسلافيا لديهم، عكف إيفو أندريتش على كتابة هذه الرواية التي حازت على نوبل بعد سنوات. تزامنت كتاباته مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، فبينما ينشغل العالم بالخراب والدمار، يهرب أندريتش لاستعادة عالم منسي. لكن كيف يستعيد المرء عالما بأكمله إلا بالتلاعب بالأزمنة والانتقال إلى الحقبة التي تستهويه؟ المكان في هذه الحبكة ليس إلا جسر محمد باشا سوكولوفيتش أو ذلك الجسر الواقع على نهر درينا.

 

قام بنصبه العثمانيون في أواخر القرن السادس عشر للربط بين البوسنة وبلاد الصرب حينذاك (صربيا)، بالتحديد في مدينة فيشيغراد على النهر المذكور آنفا. كان الجسر شاهد عيان على أحداث تاريخية تعاقبت على مر الأزمنة، بداية من المد العثماني وأوج إمبراطوريتها إلى شفير انهيارها وضعفها وتسليم مقاليد الحكم إلى الإمبراطور النمساوي، تبعتها حروب مزّقتها لسنوات حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى. تدور الرواية في هذا الفلك مُصوِّرة قوميات تستعيد ثارات قديمة وتشرع في قتل بعضها بعضا. هكذا كتب أندريتش روايته في عالم يتساقط فيه الموتى كأوراق الخريف، وعن عالم للموت فيه سيادة. جهل حينها أنه سيتوقف عن تطوافه بعد خمسين عاما في فيشيغراد، وأن الجسر الذي كتب عنه وتهدّم جزء منه جراء قذائف الحرب العالمية الثانية سيشهد إعدام ثلاثة آلاف من أهل فيشيغراد المسلمين عام 1992م، وستطفو جثثهم في نهر درينا قبل أن يجرفها التيار بعيدا (7).

 

بين الحرب والسلام عاين الجسر في الرواية قصصا فردية لأجيال، سكنته همسات العشاق وخطوات الأطفال المتخبطة وضحكاتهم وعثراتهم. الجسر عند البلقانيين أجنحة ملائكة اعتمدها البشر للعبور بين الأمكنة قبل أن تشق الشياطين الأرض، لذا فإن الولاء للوطن يدعو الحكام لبناء الجسور، هكذا تقول الأسطورة البلقانية، وهكذا فعلت شخصيات عظيمة من أمثال كوبريلي الذي سُمّيت كلمة الجسر بالتركية تيمنا به (كوبري). هكذا كان وسيظل لكل جسر تراث تُنسج حوله الحكايات.

 

وكما افتتح المترجم الراحل سامي الدروبي الكتاب: "أهَذا الكتاب رواية؟ سمِّه إن شئت كذلك، لكنك لن تغفل عن أنه لون من الأدب الخاص، فيه من القصة والشعر والفلسفة والتاريخ أجمل ما يمكن أن يتغذى به أثر أدبي جديد وأصيل" (8).

 

 "لسنا جزرا مستقلة بذاتها، كلنا جزء من القارة، جزء من كل.. موت أي كائن ينتقص مني، فأنا معنيّ بالبشرية، ولذا لا تراسلني أبد لتسألني لمن تقرع الأجراس؛ إنها تقرع من أجلك!"

(جون دون)

"لمن تقرع الأجراس؟": إرنست همنجواي (1940) (مواقع التواصل)

اقتبس همنجواي عنوان روايته من كتاب "تأملات" للشاعر جون دون، كما استلهم الرواية من حياته وتجاربه وأفكاره التي نقلها على لسان بطل الرواية روبرت جوردون. تدور الرواية حول ذلك البطل، وهو شاب أميركي يُكلَّف لتفجير أحد جسور إسبانيا. الرغبة في نسف الجسر هي انعكاس لهدم كل سبل الحوار والتفاهم. تُصوِّر الرواية وحشية الحرب والمآسي التي خلّفتها الانقسامات السياسية. ثلاثة أيام يقودنا فيها همنجواي خلال الدروب الوعرة إلى كتيبة شيوعية ينتمي إليها البطل. يقابل روبرت أثناء مهمته فتاة تُدعى ماريا، كانت واحدة من الأعضاء المنتمين إلى عصابات الحرب، التقى بها في المخيم الخاص بتلك الميليشيات، وعلم أنها مواطنة إسبانية، حوّلت الحرب حياتها إلى دائرة من الفقد والألم لا تنتهي، خرجت منها وقد اغتُصبت على يد الفاشيين. يقع جوردون وماريا في الحب، وحبهما بمنزلة حدث فارق لا تعود بعده الأمور لنصابها.

 

يتسلّل إلى البطلين شيء من الخوف والرغبة في الحياة التي ولّدها حبهما، تتصادم رغباتهما مع واجبهما تجاه الوطن. في النهاية يمضيان قُدما مع رفاقهما لنسف الجسر إيمانا منهم أن ذلك سيقضي على الحكم الديكتاتوري، لكن رغم تهاوي الجسر فإن الديكتاتور لا يتزعزع. يموت الكثيرون منهم، ويتلقى جوردون رصاصة يودّع على إثرها حبيبته ومن ثم يفارق الحياة (9).

 

ويوجز اعترافه لماريا بحبه مبكرا آماله في الحياة:

"أحبك، وحبي لك يبلغ حبي لكل ما نحارب من أجله. أحبك كما أحب الحرية والكرامة وحق جميع الناس في العمل والأمان من الجوع، إني أحبك كما أحب مدريد التي دافعنا عنها، وكما أحببت جميع الرفاق الذين قضوا نحبهم في الدفاع عنها".

تُحاصرنا عن كثب مشاعر شخصيات الرواية، معرفتهم بحتمية موتهم، ونزوعهم إلى الانتحار بديلا عن المعاناة، وضع همنجواي إحباطه في الحب في النهاية التراجيدية وشهوته للانتحار. مآسي الحرب وويلاتها، وتساؤلات عن أحقية القتل، وجدوى الحرب ونسف الجسور، ما الغاية؟ ومَن الخاسر ومَن الرابح حقا؟ هل هناك ربح في الحرب التي أساسها قائم على خسارة الأرواح! ما معنى الواجب؟، والأهم أن حرب إسبانيا شأن عام يمس الجميع كشأن أي حرب تجري على أرضنا وأي ألم، ويتردد صدى الجسر المجزوع متألما لمَن تُقرع أجراس الحرب حقا؟

 

حوَّل المخرج سام وود تلك الرائعة إلى فيلم عام 1943 من بطولة إنجريد بيرجمان، ماريا وجاري كوبر، روبرت جوردن، وشارك في كتابة السيناريو دودلي نيكولاس وهمنغواي. عُدَّ الفيلم إحدى أعظم كلاسيكيات السينما الأميركية، ويختلف الفيلم عن الرواية بفرده لمساحة رومانسية تكاد تتغلب على الرواية في حجمها.

 

"لمن تقرع الأجراس؟": إرنست همنجواي (1940) (مواقع التواصل)

بطل الرواية هو زكي النداوي، يحث الخطى مثقلا، ساخطا منذ السطور الأولى. ينكشف لنا سبب الغضب الذي يعتريه ولا يخمد كلما توغلنا في صفحات الرواية، يُصرِّح لرفيقه الوحيد الذي يصحبه، كلبه وردان، أن الجسر هو ما يثقله. يكدح يوما تلو يوم في الصيد، لا لأنه هواية وإنما في محاولة لتحقيق الذات، ومَحق الهزيمة التي حلّت به، فهو يأمل في الإيقاع بملكة البط وقتلها كي يتخطى هزيمته. يُعلِّق زكي إحباطاته ويأسه وخيباته على الكلب، تمضي الرواية في حديث زكي معه ومع ذاته في مونولوج طويل. يُمثِّل الجسر لزكي تجسيدا للهزيمة لا يكف عن تذكُّر الجسر الذي بناه ذات يوم مع رفاقه في الحرب وغنوا له وعلقوا عليه آمالهم ومشاعرهم ولم يعبرُوه.

"إن للجسور أرواحا، والجسور التي لا يعبرها البشر لا يمكن أن تكون أمينة أبدا، يمكن أن تنهار، يمكن أن تجرفها السيول، وقد تصاب كما تصاب الحيوانات بالأمراض"

يستحيل الحلم إلى النقيض، يستذكر زكي طوال الرواية أوامر الانسحاب من المعركة وترك الجسر (10):

"قلت في نفسي: كان من الواجب أن نموت جميعا برصاصات في ظهورنا، لأننا لم نعطهم سوى الظهور، تركنا الجسر وحيدا وكان بصدره يواجه كل شيء!

الجسر لا يزال ينتظر، إنه لا يتعب من الانتظار. قلت في نفسي: الجسر أقوى من الرجال وأذكى منهم، لأنه لا يغادر مكانه أبدا، أما الرجال حين يتركون الجسر فإنهم ينتهون!".

يلتمس زكي ويتطلع إلى الشعور بالدفء، فالشعور بالدفء أهم من الدفء ذاته. يقبض على ملكته المنشودة في النهاية فيراها طائرا قبيحا تنعدم رغبته تجاهها، يتخلى عنه صديقه الوحيد كلبه وردان، فيمضي وحيدا وسط زحام البشر، ويجد سلواه في أمارات الحزن على البشر، ويومض في ذهنه خاطر؛ أن عدم عبور الجسر كان عبئا على الجميع.

 

جسور مقاطعة ماديسون (مواقع التواصل)

يحكي الفيلم الساحر "جسور مقاطعة ماديسون" (The Bridges of Madison County)، من إخراج وبطولة كلينت إيستوود (روبرت كينكيد) إلى جانب ميريل ستريب (فرانشيسكا جونسون)، قصة حب خلّدها أحد جسور مقاطعة ماديسون.

 

يُغيّب الموت ميريل ستريب (فرانشيسكا جونسون) في بداية الفيلم، تحضر ابنتها وابنها لبيتهم حيث ينتظرهم محامي العائلة لتسليمهم وصية والدتهم، إذ توصي الوصية بحرق جثمانها ونثره من فوق جسر روزمان. يقومان باستنكار مطلبها، بدون أن يفطنا إلى دواعيه إلا بعد الانتهاء من قراءة مذكرات والدتهم التي تركتها لهم في نهاية الفيلم. يعود إيستوود بنا في فلاش باك إلى الماضي.

 

تظهر ربة المنزل ميريل ستريب (فرانشيسكا جونسون) التي تعيش في مزرعة نائية مع زوجها وطفليها. يغيب الزوج والأطفال لأربعة أيام، في وحدتها يظهر كينكيد، وهو مصور في ناشيونال جيوغرافيك جاء ليلتقط صورا لجسور ماديسون، يلتقيان إذ يقف أمام منزلها للسؤال عن المنطقة، تعرض عليه احتساء الشاي المثلج وبخجل تدعوه للعشاء.

 

تصحبه لتدله على الطريق إلى الجسر، وكلما تقدّما في المسير معا وتابعا الحديث ذابت الحواجز بينهما، ونسجت خيوط قصة حب يشرف عليها جسر ماديون كاونتي. يلتقط كينكيد الصراع الخفي لفرانشيسكا بالتوتر الذي توحي به أدق حركاتها، تصطدم الفضيلة والواجب بالرغبة والشعور بالذنب في توليفة تُعبِّر عنها الدموع.

 

دموع فرانشيسكا توحي برغبتها في التراجع عن عواطفها المنجرفة، تبكي وهي تتحدث إلى روبرت على الهاتف، وتبكي في النهاية بعد أن رفضت الهرب معه وقررت البقاء لترعى عائلتها (11)، وتجهش بالبكاء حين تجد نفسها داخل السيارة مع زوجها، ولديها الفرصة الأخيرة في حياتها للهرب مع روبرت الذي يقف بسيارته أمامهما. توصل الموسيقى في الفيلم ما تعجز عنه الكلمات؛ رغبات البطلة ونزوعها إلى الإخلاص لمَن تحبهم عوضا عن الرحيل مع مَن تحب كما تتوق، هكذا تتماهى أغنية درامية في المشهد مع مشاعرها في يوم ممطر غائم، وتلتقي أعينها مع روبرت من بعيد قبل أن يرحل إلى الأبد.

 

الفيلم مأخوذ من رواية روبرت جيمس والر التي تحمل الاسم ذاته، ويتقارب الفيلم مع الرواية حد التطابق (12)، وقد لقيت الرواية نجاحا ساحقا مَكّنها من الصمود في قائمة أفضل الكتب مبيعا في صحيفة نيويورك تايمز لثلاث سنوات، لكنها نالت الكثير من السخرية وعدم الاستحسان من النقاد على خلاف الفيلم الذي استُقبل بحفاوة من قِبل النقاد والجماهير (13).

الجسر هو الرباط الذي يجمع فرانشيسكا وروبرت معا، ويعهد بقصة حبهما في الحياة كونه نقطة التقاء، وفي الموت يُنثر رمادهما من عليه فيَعودان إلى الأبد معا، على الجسر. (مواقع التواصل)

 

كوكو (2017) (مواقع التواصل)

في فيلم الرسوم المتحركة "كوكو" الذي أنتجته أستوديوهات ديزني/بيكسر وأخرجه لي أنكريش (مخرج فيلم "حكاية لعبة 3")، الجسر هو ما يصل عالم الأحياء بعَالم الأموات. يتبع الفيلم حكاية فتى في الثانية عشرة من عمره يُدعى ميغيل، وهو فتى شغوف بالموسيقى ويقطن في إحدى قرى المكسيك، وتعتبر عائلته الوحيدة في القرية التي تعد الموسيقى لعنة وتُحرّمها، إذ كانت السبب في هجر جد جده لزوجته وطفلته للسعي وراء شغفه. يكشف ميغيل عند عبوره الجسر إلى عالم الأموات زيف التاريخ الذي يمسه، ونخلص في النهاية أن الجسر ليس نقطة الاتصال بين عالمين فحسب، بل يُمثِّل بُرهانا على أن وجود عالم الأموات مرهون بالذكرى في عالم الأحياء، حيث يوجد الموتى ولا يفنون طالما يوجد من الأحياء مَن لم يتوقف عن حبه وتذَكُّره. يخلق الجسر ذلك التعازي الذي يُخفِّف من وطأة الموت؛ أن الإنسان لا يموت حقا إلا حين ينساه الآخرون.

 

لقد أُقيمت الجسور لحل القطيعة بين اليابسة والماء، وحملت آلاما وحكايات وتساؤلات عن المصير الإنساني، واختبرت النصر كما اختبرت الهزيمة، وكانت رمزا للحب الذي يُكسِب الوجود البشري اتجاها وقصدا وغائية، وشهدت كيف يمنح الحب معنى ونظرة استثنائية لعاديات حياتنا، وعاينت انكسارات وخيبات وأحلام مما يشي بحقيقة أن كل جسر هو لقاء ووصال وامتداد لجمال مشهود، يقول محمود درويش:

  "قلت: تمهّل ولا تَمُتِ الآن. إنَّ الحياةَ
على الجسر ممكنةٌ. والمجاز فسيح المدى
ههنا بَرْزَخٌ بين دنيا وآخرةٍ
بين منفى وأرضٍ مجاورةٍ…
قال لي والصقور تحلق من فوقنا:
خُذِ اسمي رفيقا وحدِّثْهُ عني
وعش أنت حتى يعود بك الجسر
حيا غدا".

________________________________________________

المصادر

  1. History of Bridges – Construction of Bridges Since Ancient Times
  2.  الهند.. أسرار غامضة عن جسر "رام سيتو"
  3. Historical Development of Bridges
  4. Girls on the Bridge
  5. اعتبر من ابرز الرموز الادبية في البانيا: اسماعيل كاداريه يفوز بجائزة »مان بوكر« البريطانية للرواية
  6. الجسر، إسماعيل كاداريه، ترجمة : د.عفيف دمشقية
  7. Bridge on the Drina
  8. جسر على نهر درينا، ترجمة: سامي الدروبي
  9. لمن تقرع الأجراس؟، إرنست همنجواي
  10. حين تركنا الجسر، عبد الرحمن منيف
  11. Melodrama in The Bridges of Madison County
  12. المصدر السابق.
  13. film review love comes driving up the road and in middle age too

حول هذه القصة

عاشت الإمبراطورية البيزنطية والخلافة الأموية جنبا إلى جنب في أوروبا. وبفضل التبادل التجاري انتقلت الثقافة والفنون من وإلى المملكتين مع البضائع والأموال.. فكيف أثرت الفنون الإسلامية في تاريخ الفن الغربي؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة