"Do the right thing".. كيف تطابق فيلم سبايك لي مع سيناريو "جورج فلويد"؟

في الخامس والعشرين من (مايو/أيار الماضي) في مدينة مينيابوليس الأميركية، قصد جورج فلويد، وهو مواطن أميركي من أصول أفريقية، متجرا بغرض ابتياع علبة سجائر، ليُتّهم بعدها من قِبل العاملين في المتجر بشراء السجائر بورقة نقدية مزوّرة من فئة العشرين دولارا، مطالبين إياه بإعادة ما ابتاعه. رفض فلويد، فما كان من العاملين إلا أن أحضروا الشرطة. لم يقاوم عملية اعتقاله، إلا أن الضابط الأبيض ديريك شوفين وضع ركبته فوق عنقه لتسع دقائق متواصلة، شهدت فيها الأرض التي كان مثبتا عليها على صرخات جورج فلويد المستجدية قبل أن يُفارق الحياة. خفت صوت فلويد وغاب لتعلو هتافات ثورة ولَّدها الظلم المُورَّث منذ عقود وأعوام على تلك الأرض الغضبى.

 

تُعيدنا حياة جورج فلويد التي سُلبت عنوة إلى مشهد مطابق من فيلم سبايك لي الذي مات فيه أحد أبطاله "رحيم" بالطريقة ذاتها، لنخلص أن جورج فلويد لم يمت مرة واحدة، وأنه يقف في الواجهة وخلفه كثيرون ممن شاركوه المصير ذاته.

 

لم تمضِ أيام على اندلاع الثورة في أميركا حتى قام المخرج سبايك لي الذي عنيت أفلامه بالعلاقات بين الأعراق المختلفة والتمييز العنصري والفقر والمشكلات وثيقة الصلة بالسياسة بنشر مقطع فيديو على تويتر تحت عنوان الأشقاء الثلاثة، مشيرا إلى فيلمه الذي سبق وأن أشرنا إلى مشهده المطابق للواقع ألا وهو "افعل الصواب" 1989 (1). نعرج على الفيلم لنلمس أحد المصائر المتبَصرة من قِبل السينما، التي قبض الموت عليها ضمن حيوات أخرى ولّت جراء عنف الشرطة والتمييز العنصري، ليُستَأنف الحديث بعدها عن الآخرين الذين التقى حتفهم بجورج فلويد.

في مطلع الفيلم يغمر اللون الأحمر الشاشة كمدلول على الغضب والقوة والعنف. تظهر إحدى البطلات "تينا/روزي بيريز" وهي ترقص على إيقاع أغنية "حارب السلطة"(2). ليس ذلك إلا تمهيدا من سبايك لي للخوض في فيلم عن حياة مجتمع الشباب السود المهمشين، يدفعنا فيها لترقب التغيير الموعود في أغنية الراب الثورية.

 

وفي ظل درجة حرارة عالية تستمر في الصعود مع تواتر الأحداث حتى التلاشي بعد وصولها للذروة واستوائها إلى الثبات، تغلب الألوان الدافئة كالأحمر والأصفر والبرتقالي على الفيلم، مما يُضفي إيحاء بالحرارة والعدوان، والحميمية والترابط، والرغبة. استعان سبايك لي بمصمم خاص لطمس الألوان المخالفة، كما جهد في تبيان موجات الحر من خلال تثبيت مصابيح متوهجة أسفل الكاميرا في بعض اللقطات (3)، ليبدو الأبطال طوال الفيلم يتصبّبون عرقا، ونفوسهم كأجسادهم أقرب إلى الاشتعال.

 

يعرض الفيلم حياة رتيبة لحي السود في نيويورك في يوم بأكمله. موكي/سبايك لي، عامل توصيل البيتزا في مطعم سال وشقيقته جايد، الخالة التي لا تغفل أبدا عن مراقبة عالمها من النافذة. العمدة/أوسي ديفيس وهو لقب فارغ من معناه؛ لكنه سارٍ، رحيم الذي يتجول على الدوام برفقته موسيقاه المنبعثة من الراديو. ويجلس على الدوام ثلاثة رجال ثرثارون طاعنون في السن أمام متجر مواد غذائية يُديره آسيوي وزوجته. يلهو الأطفال في الأزقة، ويتسكع بضعة شباب في الطرقات. يتمركز في الحي مطعم البيتزا سال ذو الأصل الإيطالي، الماثل منذ خمسة وعشرين عاما، وهو نقطة التقاء بين جميع الشخوص. يدير المطعم سال/داني أييلو وابنيه فيتو/ريتشارد أديسون، الذي يتمتع بشخصية عنصرية، وبينو/جون تورتورو، وهو ودود على النقيض من أخيه تماما.

تُولي الكاميرا اهتماما كبيرا لتتبع انتقال الأبطال من مكان لآخر، تظهر المشاهد طبيعية، لا يتوقف فيها الأشخاص عن المُضي قُدما والعودة لتكرار الأحداث والروتين يوما تلو يوم (4). يتوجه موكي/سبايك لي إلى عمله متأخرا بلا اكتراث، يشتبك مع فيتو كالعادة في الحديث، ويأخذ الطلب لإيصاله. يستوقفه العمدة ثملا ليقول له: "افعل الصواب دائما"، لا يُلقي موكي بالا للنصيحة التي تُمثِّل عنوان الفيلم، في مفارقة تقود إلى تساؤل: كيف نكون على يقين مما هو صواب؟

 

قد يكون الجواب كامنا في الفلسفة الأبيقورية، إذ تؤمن بأن الحق والصواب والجمال مرتبطون بتصوُّرنا الواضح للمعرفة، وهو ما أقرّته "نظرية التطابق" التي تذهب إلى أن الصواب يتكوّن من تمام التطابق بين فكرنا وواقعية الشيء. وعلى هذا يُسمى المعتقد صحيحا ما توافق بالكامل مع واقع ما (5).

 

يأتي المشهد الذي يعبث فيه سكان الحي بخرطوم الحريق ويُغرقون بعضهم بالمياه ليلتقط فيه سبايك لي مشاعر السعادة والحب من الألوان النابضة بالحياة ومن خلال حركة الكاميرا الحرة التي تعكس اندفاع الشخوص وحريتهم (6). فور ظهور رجل أبيض ومن بعده الشرطة، تنخفض الكاميرا وتنسحب الألوان المبهجة ويسود جو من الكراهية.

فيما بعد، في مشهد يُصوِّر حوار سال بابنه فيتو، يُعرب الأخير لأبيه عن مقته للمكان والحي، وتوقه الشديد للابتعاد وأن يبيع أبوه المطعم. يُخبره عن سبب كونه غاضبا دوما لأن أصدقائه البيض يسخرون منه معلّقين أنه يأتي إلى الحي لإطعام القرود. يرد أبوه بعاطفة أنهم ليسوا بأصدقاء، ويشرع في الحديث عن ارتباطه بالمكان والأشخاص.

 

يكسر سبايك لي الحائط الرابع في أشد اللحظات عنصرية بنظرة تنطق بالإحباط إلى الكاميرا، ويتوجه أبطال آخرون بالحديث إلى الكاميرا مباشرة مفرغين في تلك المشاهد حقيقة مشاعرهم ومقتهم. يقابل موكي رحيم ويُبدي إعجابه بخاتمين يشغلان كلتا يديه، يُعلِّق رحيم مستعرضا يده الأولى "الكره؛ هو هذه اليد التي قضت على أخيك"، ويُشير بيده الأخرى "الحب؛ بأنامل خمس قد تجد طريقا مباشرا إلى روح أي إنسان"، وهو مشهد مقتبس حرفيا من فيلم "ليلة الصياد" (The Night of the Hunter).

ويذهب أحد شبان الحي "باغن" لتناول البيتزا، يُطيل النظر في الصور التي يُعلِّقها سال في مطعمه، ويصيح بسال متسائلا عن سبب كون جميع صور الممثلين على الجدار من البيض، رغم أن زبائنه جميعهم أميركيون من أصول أفريقية. يسأله أن يضع صورة ممثل من أصول أفريقية ويرفض سال بغضب، فيُقرِّر باغن مقاطعة سال ويتردد على أفراد الحي داعيا إياهم للانضمام إليه. يعهد سبايك لي هنا إلى استخدام الكاميرا المحمولة باليد لإضفاء حس واقعي. لا ينضم إليه سوى رحيم وشاب يبيع صور مالكوم إكس ومارتن لوثر كينج.

 

مدفوعين بالغضب، يلج ثلاثتهم المطعم وهو على وشك الإغلاق. يخبرون سال بشأن المقاطعة، وتصل لحظة الانفجار التي لطالما مهّد لها سبايك لي. يجن جنون سال من راديو رحيم الذي يُصدر موسيقى عالية، يرفض إغلاقه، فيهشّمه، داعيا إياهم بالزنوج. تسود لحظة صمت تُنذر بهبوب عاصفة. يهاجم رحيم سال بعد أن دمّر الشيء الأقرب لقلبه. تتصاعد المشادة وعلى إثرها يتجمهر سكان الحي وتأتي الشرطة.

 

يُورد سبايك لي رأيين عن العنف، الأول لمارتن لوثر كينج والآخر لمالكوم إكس، ويُبدي ميلا إلى الأخير. أما مارتن لوثر كينج فيرى "أنّ استخدام العنف كوسيلة لتحقيق العدالة هو نهج غير عملي وغير أخلاقي. فهو غير عملي لأنه كالدوامة المنحدرة، فهي لا تنتهي إلّا بتدمير الجميع، فقانون "العين بالعين" يجعل من الجميع عميانا. والعنف غير أخلاقي لأنه يسعى إلى إذلال الجهة المعارضة بدلا من كسب تفهُّمها، وهو يسعى إلى إبادتها بدلا من إحداث تغيير. فالعنف غير أخلاقي لأن الحقد هو الذي يغذيه وليس الحب، وهو يدمر المجتمع الأخوي ويجعل من تحقيق الأخوية مستحيلة، ثم إنه يُخلِّف وراءه مجتمعا يكون الكلام فيه محصورا على طرف واحد بدلا من الحوار الذي ‏يكون بين جميع الأطراف.‏‏ وينتهي العنف بالقضاء على نفسه، لأنه يخلق مرارة الاستياء لدى الناجين منه والوحشية لدى المُدَمِّرين".

 

وعلى خلافه يقول مالكوم إكس: "أعتقد أن هناك الكثير من الأشخاص الجيدين في أميركا، ولكن هناك أيضا الكثير من الأوغاد الذين يبدو أنهم مَن بيدهم كل السلطات التي تتحكم بنا. علينا التمسك بالقيام بما يلزم لوضع حدٍّ لهذا الوضع. وهذا لا يعني أني أدعو للعنف، لكني في الوقت نفسه لست ضد استخدام العنف في حالات الدفاع عن النفس، ولست أدعوه هنا عنفا، بل أدعوه ذكاء".

 

يقبض رجال الشرطة على ماغن، ويُحكِم أحدهم الخناق بالعصا على عنق رحيم الذي يقاوم الموت حتى يُذعن له. تهبط الكاميرا أرضا لنرى سكون قدمَيْ رحيم المرفوعتين. ليس رحيم إلا جورج فلويد آخر بموته اختناقا على يد الشرطة.

ويقف مقتل فنان الجرافيتي مايكل سكوت البالغ من العمر خمسة وعشرين عاما خلفهم. ففي أوائل الثمانينيات قبل الساعة الثالثة من صباح يوم 15 سبتمبر/أيلول 1983 كان سكوت في طريق عودته إلى منزله في بروكلين. في انتظار القطار الذي سيقلّه، يسحب قلما ويخط على أحد الجدران في المحطة علامة توشك على التحوُّل إلى رسمة، لولا أن رصدته دورية شرطة المرور في نيويورك، وبعد مطاردة قصيرة قُبِضَ عليه. انهالوا عليه ضربا وهو مكبل، تركوه مصابا بكدمات شديدة ويعاني من اختناق وصعوبة في التنفس وسكتة قلبية، يُنقل إلى المستشفى ليدخل في غيبوبة ويموت بعد ثلاثة عشر يوما. يصبح ستيوارت رمزا وتنطلق المظاهرات على خلفية التوترات العِرقية المتزايدة في المدينة آنذاك (7).

 

وقد انتشرت الجرائم الناتجة من وحشية الشرطة منذ الستينيات إلى يومنا هذا، كان أبرزها قبل جورج فلويد مقتل مايكل براون ذي الثمانية عشر عاما عام 2014، إذ طارده شرطي أثناء سيره برفقة صديقته بدعوى أنه قام بسرقة علبة سجائر، لينتهي ضابط الشرطة بإطلاق رصاصة أصابت يد براون، ومن ثم ترجّل من سيارته مطلقا ست رصاصات على براون فأُردي قتيلا. نزف لساعات أربعة دون أن يُحرِّك أحد المارة ساكنا، وتوافد الجموع بغية التقاط صورته ومشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي. انتقض الجمع وقامت المظاهرات لأشهر وتجدّدت بعد مقتل جورج فلويد (8).

 

كما اشتعلت الاحتجاجات في وقت متأخر من يوم الجمعة الذي وافق الثاني عشر من يونيو/حزيران في مدينة أتلانتا، بعد مقتل ريتشارد بروكس، ذي السبعة والعشرين ربيعا، بطلق ناري أثناء فراره من ضباط الشرطة بعد أن غفا في سيارته وهو ينتظر دورا والتي كانت تغلق ممر السيارات في موقف أحد مطاعم وينديز للوجبات السريعة في أتلانتا. أرادت الشرطة القبض عليه وإجراء اختبار التنفس للتأكد مما إذا كان مخمورا، لكنه قاومهم واستولى على مسدس صعق من أحد الضباط ولم يكد يركض خطوات معدودة حتى خرّ قتيلا إثر رصاصة اخترقت جسده من شرطي.

صورة من الاحتجاجات التي أثارها مقتل ريتشارد بروكس

بالعودة إلى الفيلم، ترحل الشرطة بجثة رحيم. في مناخ ثقيل يثقل بحدّة شعورَيْ الحزن والغضب. يُحوِّل موكي مشاعره إلى فعل لرفضه تقبُّل جريمة قتل صديقه، يُلقي بصندوق القمامة على نافذة مطعم سال، يتبعه الجميع وتقوم الثورة ويندفعون في تحطيم المطعم وحرق الجدار الذي يحمل صور الممثلين البيض فقط، يُمسي المطعم اختزالا للنبذ والكراهية والمعاناة التي اختبروها، والجدار رمزا للتمييز العنصري.

 

ما يرمي إليه سبايك لي من الفيلم من إظهار بطله موكي مفتقرا إلى الإحساس بالمسؤولية في عمله وحياته كأب وشريك حياة هو توضيح سلبية المجتمع المُتمثِّل في الحي بأجمعه. تُحدِث الثورة التي تدوم ليلة كاملة تغييرا في شخص موكي، تُكسبه نضجا يجعله يلتفت لمسؤولياته. يُصوِّر سبايك لي حيوات كل مَن في الحي مُركِّزا على غضبهم الداخلي ونزوعهم إلى اختيار الكراهية وإعلائهم يد رحيم الدالة عليها عوضا عن السلم والحرية اللتين يتوقون إليهما، ووحشية الشرطة وإحكام قبضتها على المجتمع، فهي تحوم حولهم في أغلب المشاهد مُضيّقة الخناق عليهم، في تذكير دائم بغياب الحرية. تنظر إليهم الشرطة باعتبارهم خطرا وتهديدا. بعد حرق الجدار يُعلِّق الشاب الذي يبيع الصور صورة مالكوم إكس ومارتن لوثر كينج معا على الجدار المحترق، في إشارة إلى أن النضال لا يزال مستمرا.

المظاهرات ضد العنصرية بين الماضي والحاضر

 

لم تصمد ثورة سبايك لي طويلا كانتفاضات سابقة، لكن حق كل مَن مَثَّلهم رحيم في مقتله في الفيلم وجورج فلويد والآخرين، وتنميط الأميركيين من الأصول الأفريقية في قالب اللصوص وتجار المخدرات والقتلة والمعتدين، تجعل المتظاهرين الذين يُقتلون ويُعتقلون كل يوم يتلمسون قصاصا لأحبتهم، وكرامة وحرية وعدالة حاضرة تستحق أن ننظر للفيلم على أن نهايته ليست سوى بداية مفتوحة لطريق يلتقي فيه الثوار ويكملون المسير ملتمّسين فيه انتصارات كاملة.

____________________________________________________________

المصادر

  1. Spike Lee Releases ‘3 Brothers’ Short Linking George Floyd, Eric Garner and ‘Do the Right Thing’s’ Radio Raheem
  2. ‘Do the Right Thing’: Why Spike Lee’s Masterpiece Remains Essential Cinema 30 Years Later
  3. Do the Right Thing: Crash Course Film Criticism #6
  4. Do the Right Thing Ending Explained: Did Mookie Do the Right Thing?
  5. كيف نعرف حقا ما هو الصواب
  6. Do the Right Thing: Crash Course Film Criticism #6
  7. The brutal death that politicised New York’s art world
  8. The Death of George Floyd, in Context

حول هذه القصة

أصبحت ميريام عدوة للنظام بسبب صيتها العالمي والمحتوى السياسي في رواياتها. فحظرت الرقابة كل روايتيها على الفور، كما جعلها نجاحها السياسي والأدبي هدفا لذراع النظام السياسي سيء السمعة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة