غضبٌ في الجزائر.. يوم ثار المقراني والحداد في وجه الاحتلال الفرنسي

في نهايات القرن الخامس عشر وبدايات القرن السادس عشر، ومع ذروة حروب الاسترداد الإسبانية في الأندلس وطرد آخر الأندلسيين وقتلهم، لم يكتفِ الإسبان والبرتغاليون بذلك، بل رأوا أن الهجوم على شمال أفريقيا حيث بلاد المغرب في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب الأقصى وإقامة مستعمرات دائمة بها، واحتلال مدنها لا سيما الساحلية منها على البحر المتوسط والأطلسي، سيوفِّر لهم قواعد متقدِّمة لصد أي هجوم وسحق أي مقاومة مُحتمَلة فضلا عن نهب خيرات هذه البلدان.

 

لكن في شرق البحر المتوسط، ما لبثت قوة العثمانيين الصاعدة آنذاك أن بدَّدت تلك الأحلام الاستعمارية الإسبانية والبرتغالية، فعملت بقوة على ضم مصر ثم ليبيا ثم تونس وأخيرا الجزائر، حيث أعلن الأخوان الجزائريان "عروج" و"بربروس" عن تحالفهما مع العثمانيين، بل وتبعيتهما لهما في مقابل دعم عسكري ولوجستي عثماني في حروب المقاومة ضد المحتل الإسباني الذي استولى حينئذ على تلمسان وبجاية ووهران وغيرها.

 

وقد استطاع الأخوان تطهير الجزائر وتونس أيضا من الاحتلال الإسباني، وأصبحت الجزائر منذ الثلث الأول من القرن السادس عشر الميلادي واحدة من أهم القواعد العثمانية في شمال أفريقيا، وقد عاشت طيلة ثلاثة قرون في حالة من الاستقرار رغم الهجمات الفرنسية والإسبانية بين الحين والآخر. لكن شيئا فشيئا، ومع تأخُّر العثمانيين عسكريا أمام الغرب لا سيما فرنسا وإسبانيا وبريطانيا، ابتُليت الجزائر بهجوم فرنسي ساحق عام 1830، وهو العام الذي سيُدشِّن أطول احتلال أوروبي لقُطْر مسلم في العصر الحديث طال أمده إلى 132 عاما متواصلة.

لكن مَن يقرأ تاريخ الجزائر والدولة العثمانية آنذاك يُدرِك أن مجيء الفرنسيين واحتلالهم للجزائر وهزيمة "الداي حسين"، آخر دايات أو ولاة العثمانيين في الجزائر، وإعلان استسلامه رسميا في 5 يوليو/تموز 1830، لم يحدث من فراغ، بل كان نتيجة لأسباب سياسية ودبلوماسية وعسكرية متراكمة، وعلى رأسها هزيمة الأسطول العثماني في معركة "نافارين" سنة 1827 باليونان. وكما اشترك الأسطول المصري الذي أرسله محمد علي باشا في هذه المعركة، اشترك الجزائريون أيضا، في محاولة لصد الهجوم الإنجليزي الفرنسي الروسي على الدولة العثمانية أثناء حربها على اليونان، وقد نتج عن هذه الهزيمة سحق البحرية العثمانية، ليس في الأناضول فحسب، بل في مصر والجزائر كذلك، ومن ثم أصبح الطريق مفتوحا أمام أي احتلال أوروبي لأقطار شمال أفريقيا[1].

 

انهزم الداي حسين في النهاية إذن وارتحل عن الجزائر إلى تركيا، وبدأ الاحتلال الفرنسي في توسيع رقعة وجوده بالحديد والنار، وسحق مقدرات الجزائريين والاستهانة بهم وبدينهم وحُرماتهم، ولكن لم تمضِ أشهر قليلة على وجودهم في البلاد إلا وبدأ أول مظاهر المقاومة الجزائرية لصد اعتداء الفرنسيين، وقد شهدت هذه المقاومة موجات متعددة طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، ومن أبرزها ثورة "المقراني" و"الحداد"، فمَن هما هذان الرجلان أو الكيانان؟ ومتى ظهرا؟ وما أسباب قيام هذه الثورة عام 1871؟ وما أبرز نتائجها؟

أدوات الاحتلال والمقاومة المبكرة

في كتابه "مظاهر المقاومة الجزائرية" يقول "محمد الطيب العلوي": "لما انقرضت الحكومة الجزائرية من سائر المغرب الأوسط استولى العدو على مدينة الجزائر ومدينة وهران، وطمحت نفسه إلى الاستيلاء على السهول والجبال والفدافد والتلال، وصار الناس في هرج ومرج وحيص بيص، حينها قام مَن وفَّقهم الله للهداية من رؤساء القبائل وكبرائها وصناديدها وزعمائها، فتفاوضوا في نصب إمام يُبايعونه على الكتاب والسُّنة، فلم يجدوا لذلك المنصب الجليل إلا ذا النسب الطاهر والكمال الباهر ابن مولانا السيد محيي الدين، فبايعوه على كتاب الله العظيم وسُنة نبيه الكريم"[2].

 

وبذلك ارتقى الأمير الشاب "عبد القادر بن محيي الدين الجزائري" إلى إمارة المسلمين في الجزائر، وقام مشروعه على محورين أساسيين؛ إنشاء حكومة لتسيير أعمال الولايات، والثاني الإشراف على الثورة والمقاومة ضد الوجود الفرنسي في البلاد، وقد استمرَّت ثورته 17 سنة متوالية منذ عام 1830 إلى عام 1847، لم يهدأ له ولأتباعه فيها بالٌ، وامتدَّت معاركهم على مساحات جغرافية واسعة من الوسط إلى أقصى الغرب على حدود المغرب، ثم إلى أقصى الشرق مع تونس وليبيا. لكن مع توالي هزائمه في السنوات الأربع الأخيرة، قَبِلَ مُرغما التفاوض والتسليم، قبل أن تنقلب فرنسا على معاهدة التسليم التي أبرمتها معه في ديسمبر/كانون الأول 1847، فزُجَّ به في سجون فرنسا حتى عام 1852، ثم أُطلق سراحة ونُفي إلى دمشق التي توفي بها عام 1883[3].

 

ورغم فشل ثورة الأمير عبد القادر التي امتدَّت في معظم مساحة الجزائر، فإن فلولا من مقاومته لم تقبل الاستسلام، وراحت مشروعات الجهاد ضد المحتل الفرنسي تنطلق في ولايات مختلفة، منها حركة مقاومة "أحمد باي" في شرق الجزائر وعاصمتها قُسنطينة، ومقاومة "حمدان بن عثمان خوجة" في الجزائر العاصمة، ومقاومة رجال القبائل، ومقاومة مناطق الأغواط والزيبان والأوراس، ومقاومة أولاد الشيخ وغيرها، وإن المتأمل في تاريخ الجزائر منذ دخول المحتل الفرنسي طوال القرن التاسع عشر الميلادي ليجد أنه لم يخلُ عقد من عقود ذلك القرن من شرارة للثورة والمقاومة في مختلف ولايات البلاد ومناطقها.

سعت إجراءات الاحتلال المُمنهجة إلى ترسيخ سلطته لعقود طويلة، بل وجعل الجزائر جزءا من الدولة الفرنسية وإحدى ولاياتها، ولهذا السبب عملت الإدارة الفرنسية في الجزائر على تهجير واسع للأوروبيين لا سيما من فرنسا وسويسرا إلى البلاد، وصحبت هذه العملية مُصادرة أملاك الجزائريين من أراضٍ وعقارات وتمليكها لهؤلاء المهاجرين ممَّن لهم سوابق قضائية إجرامية في بلادهم وجيء بهم للتخلُّص من مشكلاتهم واستغلالهم في حركة التوسُّع، مع منحهم امتيازات سياسية واقتصادية هائلة[4].

 

وفي عام 1863، صدر قانون "سيناتوس كونسيلت" الذي هدف إلى تحطيم الجزائريين اقتصاديا واجتماعيا، إذ مكَّن الأوروبيين من السيطرة على الأراضي بقوة القانون. وقد كتب الاقتصادي الفرنسي "شارل فوريه" آنذاك قائلا: "يجب أن نبعث إلى الجزائر جحافل من الأوروبيين، وإن فرنسا بإمكانها أن تبعث دون أن تُرهق نفسها أربعة ملايين نسمة ثم تبعث أوروبا ما تبقى"[5].

 

لم يتوقَّف الفرنسيون عند إقامة مستعمرات أوروبية وفرنسية داخل الجزائر ومُصادرة أراضي الفلاحين الجزائريين، بل راحوا يتدخَّلون في النُّظم القضائية والاجتماعية للبلاد، فحين عُيِّن "شاسلو لوبا" (1860-1864م) حاكما عاما للجزائر تجرَّأ فألغى القضاء الإسلامي، وأرغم الجزائريين على التقاضي أمام القضاء الفرنسي والمحاكم الفرنسية، وراحت سلطة الاحتلال الفرنسي إلى أبعد من ذلك حين جنَّست 35 ألف يهودي من يهود الجزائر وفق قانون "كريميو" الذي صدر عام 1870، فلبسوا ملابس الفرنسيين، وتخلَّقوا بعاداتهم وتقاليدهم، وإمعانا في إهانة الجزائريين، عُيِّن أغلبهم في مناصب القضاء بطول البلاد وعرضها، وأصبح سادة الجزائر من زعماء القبائل والنواحي ورجال الطرق الصوفية في تبعية تامة لسلطة اليهود ومن فوقهم الفرنسيون[6].

 

إهانة المقرانيين

تسبَّبت هذه الإجراءات القمعية والمهينة بحق رجال الجزائر في إثارة أهم رجلين من رجالات الشرق الجزائري، وهما "محمد أمزيان الحداد" وأولاده بوعزيز ومحمد زعماء "الإخوان الرحمانيين" في "صدوق" بولاية بجاية، و"محمد بن أحمد المقراني" زعيم المقرانيين في "مجانة" التابعة لولاية بُرج بوعريريج، حيث اتحد الرجلان معا على الثورة ومجاهدة العدو الفرنسي عام 1871، وأتت شرارة البداية من العائلة المقرانية التي تعود إلى النسب الطالبي الشريف، وأنشأت في ظل الحكم العثماني للجزائر ما يُشبه الولاية شبه المستقلة نظرا لقوتها وشوكتها.

 

ظلَّت القبيلة المقرانية على هذه الحالة حتى جاء المحتل الفرنسي ووجدهم منقسمين على أنفسهم في منافسة على الزعامة؛ فقرَّر استغلال هذا الضعف. ومن جانبهم، اضطر المقرانيون إلى إلى التعامل مع المحتل الفرنسي لتسيير أوضاعهم اليومية والحياتية، لكنَّ الفرنسيين مع الوقت، ولكسر شوكة الزعيم محمد بن أحمد المقراني وإضعافه، عملوا على تقليص سلطته الإدارية ونفوذه السياسي على مناطقه، حيث فرضوا عليه تحويل الأموال والضرائب إلى خزينة الدولة بعد أن كان يحتفظ بها، كما انتزعوا من أبناء عمومته "أولاد بلقندوز" خمسة آلاف هكتار لتوطين المهاجرين الأوروبيين مكانهم[7].

 

أمعن الفرنسيون في إهانة المقراني، ووجَّهوا إليه رسالة توبيخ بعد تعاطفه مع صديقه الزعيم الثائر "بوعكاز بن عاشور" زعيم فرجيوة (بولاية ميلة) بعد أن أودع لدى المقراني بعض حوائجه؛ حيث اتهمته فرنسا بإشعال الثورة في مناطق فرجيوة والزواغة، ولهذا السبب وغيره استدعته بين الحين والآخر لاستجوابه وإهانته من طرف ضباط فرنسيين صغار، ثم شدَّدت الرقابة عليه، كما أجبرته على سداد ديونه المالية التي اقترضها لمساعدة الفلاحين وأبناء المناطق التي كان زعيما لها في فترة الجفاف عامَيْ 1869-1870.

 

مَثَّل قانون "كريميوف" لتجنيس اليهود ورفعهم فوق الجزائريين، وتعيينهم على مناصب القضاء والإدارة، القشة التي قصمت ظهر المقراني، إذ أعلن قائلا: "لا أُطيع أبدا يهوديا، وإذا كان جزء من بلادكم قد وقع تحت يدي يهودي فقد انتهى الأمر وسأضع عنقي بسرور تحت السيف ليقطع رأسي. أما تحت يهودي فلن يكون ذلك أبدا"[8]. وأخذ الجزائريون يتناقلون هذه الكلمات الثائرة من المقراني، وانتشرت الإشاعات بأنه يُعِدُّ للثورة والجهاد فعليا، حتى خاف الأوروبيون والمستوطنون على أنفسهم وبدأوا في الرحيل والهجرة صوب الشمال إلى قسنطينة والعاصمة الجزائر.

 

انطلاق الثورة والمقاومة

أرسل المقراني إلى الضباط والمسؤولين المدنيين الفرنسيين في برج بوعريريج وقسنطينة يُخبرهم أنه غير مسؤول عن الشائعات، ثم قدَّم استقالته من المسؤولية القانونية أمام الفرنسيين، وفي 14 مارس/آذار 1871 نادى إلى اجتماع عام مع أقربائه، ثم تدارسوا الأوضاع والتطورات الجديدة، فقرَّروا قطع خط التلغراف بين مجانة والبرج، واتخذ المجتمعون قرارهم بالإجماع أن الوقت قد حان للثورة ضد حكومة اليهود والتجار والمستوطنين الفرنسيين، وأن طردهم والانتقام منهم أمر لم يعد ثمة مفر منه.

 

في ذلك الاجتماع وُضعت خطة التحرُّكات العسكرية، فاتفقوا على أن يزحف محمد المقراني على رأس فرقة عسكرية إلى مدينة برج بوعريريج في يوم 16 مارس/آذار ليشعل الحرب في غرب قسنطينة، في حين يتجه أخوه "بو مرزاق المقراني" للعمل الثوري المسلح في منطقة ونوغة وسور الغزلان، بينما كلَّف ابن عمّه وصهره "السعيد داوود" بقيادة الثورة في منطقة الحضنة وبوسعادة وأولاد نايل الجلفة، وكان على ابن عمه الحاج "بوزيد بن عبد الرحمن" أن يزحف من الحضنة على رأس نحو خمسة عشر ألف رجل إلى البرج والمناطق الشمالية لتدعيم الثورة[9].

 

لاحقا، انطلق المقراني والآلاف من قواته صوب البرج وحاصروها لمدة أسبوع، فاضطرت حاميتها العسكرية إلى الفرار صوب القلعة، ولكن سرعة مجيء المدد الفرنسي وكثير من المتعاونين الجزائريين معهم من سطيف اضطره إلى فك الحصار، ثم قرَّر أن يتخذ من أم الريسان شمال شرق مجانة معسكرا له، وأخذ في بذل الجهود لإعادة تنظيم قواته، وأدرك أن نطاق الثورة لا بد أن يتسع وأن يتعدى رجال منطقته وقبيلته إلى عموم الجزائريين، لا سيما في ولايتَيْ الجزائر وقسنطينة وما بينها، وقد ركَّز المقراني في رسائله على الجهاد ومقاومة المحتل، وأعرب عن أسفه على أيام عمره الماضية في التعامل والتعاون مع المحتل[10].

 

انضمام الإخوان الرحمانيين وآل الحداد

ومع خوف كثير من أبناء القبائل وتردُّدهم في التعاون مع المقراني الذي تصالح مع أبناء عمومته من أبناء عبد السلام وعبد الله وبلقندوز المقرانيين، فإنه اتجه إلى الطريقة الرحمانية الصوفية التي أسَّسها الشيخ "محمد بن عبد الرحمن الأزهري الجزائري الخلوتي" (ت 1793م)، الذي عاش ربع قرن من عُمره بين أروقة الأزهر الشريف في مصر، وتأثَّر من شيوخه المصريين بالطريقة الخلوتية الصوفية، وعاد إلى بلاده فنشرها وأصبح لها عشرات الآلاف من الأتباع والمريدين. وقد انتقل من جهة إلى أخرى وخلفاؤه من بعده حتى احتضن الطريقة الشيخ "علي بن محمد الحداد" في منطقة صدوق العليا شرق البلاد بولاية بجاية، لكنه كان قد بلغ من الكبر عتيا وقت اندلاع ثورة المقراني، وحين جاءت الرسائل إليه تدعوه إلى الانضمام إلى الثورة وقيادتها بنفسه، وافق على أن يكون ابناه عزيز ومحمد على رأس آل الحدَّاد وأتباعهم من أبناء الطريقة الرحمانية[11].

 

تسبَّب انضمام الحدَّاد إلى المقراني في دفعة هائلة لمسار الثورة والمقاومة الجزائرية بطول البلاد وعرضها بداية من 5 إبريل/نيسان 1871، وسرعان ما بدأت المقاومة المقرانية الحدادية تؤتي أُكلها في هزائم الفرنسيين والمتعاونين الخونة من الجزائريين، الذين سعوا وراء مصالحهم المادية والاجتماعية؛ وهو وتر أجاد المحتل اللعب عليه، فقرَّب بعض القبائل وصفها بـ"الأرستقراطية" بينما حارب أخرى، وكان لهذه الخيانة والعمالة أثرها طيلة تاريخ المقاومة الجزائرية وليس في ثورة المقراني والحداد فحسب.

 

ظهرت نتائج الاتحاد بين المقراني والحداد زعيم "الإخوان الرحمانيين"، وبدأوا يقطعون الطريق بين سطيف والبرج، مستولين على مزارع الأوروبيين في مناطق العلمة، بعدما عجزت الحاميات الفرنسية المتمركزة في هذه المناطق عن الدفاع عنها. ومن ثمَّ قرَّرت سلطات الاحتلال الفرنسي تعيين واحد من أكثر الجنرالات الفرنسيين دموية ومكرا لمواجهة هذه الثورة، وهو الجنرال "فليكس سوسي" الذي قاد حملة عسكرية كبيرة للسيطرة على مدينة مجانة إحدى قلاع المقرانيين، لكن سوسي تعرَّض لهزيمة كبيرة في 18 إبريل/نيسان بمنطقة عين تاغروط واضطر إلى الانسحاب صوب مدينة سطيف[12].

 

استشهاد المقراني وانعطاف الثورة

المقراني

حارب المقراني طيلة ذلك الشهر على الجبهتين الشرقية والغربية من برج بوعريريج، ولم تواجه قواته الفرنسيين فقط، بل واجهت أيضا قبائل انضمَّت إلى المحتل الفرنسي، ولهذا السبب اشتدَّت صعوبة المعارك، وسقط الشهداء في كل معركة بالعشرات. وفي أوائل شهر مايو/أيار 1871، تمكَّن محمد المقراني من ضم رجالات مناطق بوجليل وبني عباس وبني بعلي، وقرَّر التوجُّه بهم صوب مدينة البويرة وفرض عليها الحصار، ولم يأتِ الدفاع عنها من الفرنسيين هذه المرة، وإنما من أهم عملائهم ورجالاتهم آنذاك، الآغا بوزيد ورجاله.

 

وحين فشل المقراني في السيطرة على مدينة البويرة وإقناع بوزيد ورجالاته من عملاء الفرنسيين بالانضمام إليه، اتجه بقواته التي بلغت ثمانية آلاف مقاتل إلى السهول والربوات المحيطة بوادي سوفلات (منطقة المقراني التابعة لولاية البويرة اليوم). وحين اشتبكت طلائع قواته مع القوات الفرنسية، ترصَّده جنود "الزواف"، وهم جزائريون جنَّدتهم فرنسا في مستهل احتلالها للجزائر فجعلت منهم مقاتلين وجواسيس، وتتبَّعوا خطواته ومكامنه، وعندما انتحى مع عدد قليل من رجالاته ليصلي الظهر يوم 5 مايو/أيار 1871، عاجله هؤلاء الخونة بالرصاص فأردوه شهيدا[13]، ووقع الخبر في جنوده وقع الصدمة حيث استشهد معه ثلاثة من أشقائه، فحُمِلوا ودُفنوا في موطنهم قلعة بني عباس التي تقع اليوم في أقصى جنوب ولاية بجاية على حدود ولاية برج بوعريريج.

 

رغم ذلك الخبر الصاعق، الذي فرح له الفرنسيون ونشروه في جميع الأصقاع، فإن الفِرَق العسكرية الأخرى التي قادها "بومرزاق المقراني" أخو محمد المقراني، وكذا جيوش الحّداديين بزعامة بوعزيز ومحمد الحداد، ظلَّت طوال شهور تُكبِّد العدو الفرنسي والمتعاونين معه خسائر كبيرة، لا سيما أن عدد المقاتلين الذين انضووا تحت قيادة "الإخوان الرحمانيين" بلغ وفقا لبعض الإحصائيات 120 ألف مقاتل من قبائل شتى آمنت بهذه الطريقة الصوفية، وأكبرت قادتها من الأسرة الحدادية.

 

لحظة النهاية

الشيخ الحداد

عرف بوعزيز الحداد ومحمد الحداد، قائدا الإخوان الرحمانيين، خطورة القبائل المتعاونة مع الاحتلال الفرنسي، ولذا اتجهت هجمات قواتهما إلى هذه القبائل وزعمائها في مناطق بجاية وتيزي وزُّو وحتى تخوم الجزائر العاصمة في الشمال. وقد دخل الرحمانيون معارك طويلة ضد الجنرال سوسي، أبرزها معركة جبل "منتانو" التي دمَّروا فيها كل مراكز الأوروبيين والمتعاونين معهم. كما دخل بوعزيز الحداد في 24 يونيو/حزيران معركة فاصلة ضد الجنرال سوسي في "تلة إيفاسن" التابعة لولاية سطيف، لكن تقدُّم القوات الفرنسية تسليحيا وتكتيكيا، واستشهاد أعداد كبيرة من قوات الحدادين، أجبرهم على الانسحاب[14].

 

أدرك الحداديون زعماء "الإخوان الرحمانيين" ضعف موقفهم وخسارتهم الفادحة، لا سيما بعد استشهاد محمد المقراني، ولهذا السبب اتخذ جميع كبار قادتهم قرار الاستسلام للفرنسيين في يوليو/تموز في خطوة شديدة الغرابة، لكن لعلهم أرادوا بها حقن الدماء وليس الاستسلام المهين وترك الثروات والمقدرات، لا سيما بعدما رأوا وخبروا خيانة القبائل المتعاونة مع الفرنسيين، الذين تسبَّبوا في استشهاد المقراني. ولكن رغم هذا الاستسلام ظلَّ بومرزاق المقراني بقواته المحدودة طوال ثلاثة أشهر تالية في معارك وجهاد متواصل في الجنوب حتى هُزمت قواته أمام الفرنسيين أوائل شهر أكتوبر/تشرين الأول، فأراد والبقية الباقية من المقرانيين الهرب صوب الجنوب الصحراوي ومنه إلى تونس، لكن القوات الفرنسية استطاعت اعتقالهم في أواخر الشهر نفسه.

 

باعتقال بومرزاق المقراني انطفأ لهيب المقاومة والثورة التي قادها الحداد والمقراني بقوات مشتركة قُدِّرت بـ200 ألف مقاتل دخلت أكثر من 340 معركة على امتداد ولايات جزائرية كبرى مثل الجزائر وتيزي وزو وبجاية وبرج بوعريريج وسطيف والبويرة وحتى تخوم قسنطينة في قلاعها وأوديتها ومعسكراتها وجبالها على مدار ستة أشهر كاملة، وكان الخونة المتعاونون مع الاحتلال من الجزائريين هم السبب الأكبر للهزيمة، بالإضافة إلى التفوُّق العسكري للفرنسيين، فرُغم ما ملكه رجال المقاومة من شجاعة وإقدام، فقد افتقروا في الأخير إلى السلاح المُتقدِّم، وواجهوا في الوقت نفسه عدوا داخليا أضعف شوكتهم من بني جلدتهم.

——————————————————————————————————–

المصادر

[1] محمد الميلي: تاريخ الجزائر في القديم والحديث 3/322، 323.

[2] الطيب العلوي: مظاهر المقاومة الجزائرية ص34.

[3] العربي منور: تاريخ المقاومة الجزائرية في القرن 19 ص162.

[4] مصطفى طلاس: الثورة الجزائرية ص63.

[5] محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة 1/29.

[6] فرحاتي هالة: مقاومة المقراني والحداد 1871م ص11- 13.

[7] بسام العسلي: محمد المقراني وثورة 1871، ص124.

[8] السابق ص125.

[9] السابق ص131.

[10] السابق.

[11] تاريخ المقاومة الجزائرية ص235.

[12] يحيى بوعزيز: ثورة الباشاغا محمد المقراني ص218.

[13] بسام العسلي: المقراني ص142.

[14] يحيى بوعزيز: وصايا الشيخ الحداد ص34.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كيف أتى الأفارقة قسرا إلى أميركا اللاتينية ليكونوا عبيدا لسادتهم من الإسبان؟ وكيف مضوا في رحلتهم حتى أصبحت لهم قُراهم وثقافتهم؟ يصحبكم ميدان في رحلة فريدة إلى قرى جبلية شمالي كولومبيا مُقتفيا آثارهم.

1/9/2021
المزيد من الموسوعة
الأكثر قراءة