دراجات ضد الجاذبية وملابس ذكية.. كيف تساعد التكنولوجيا اللاعبين في الوصول إلى الأولمبياد؟

بالنسبة لأكثر من أحد عشر ألف رياضي من جميع أنحاء العالم مجتمعين حاليا في طوكيو للمشاركة في دورة الألعاب الأولمبية، شهدت الفترة التي سبقت الألعاب مشاركة مدربيهم ومحلليهم وبعض علماء بلدانهم في سباق للعثور على أحدث التقنيات لتعزيز فرصهم في الفوز بميدالية أولمبية، فبحسب إيمي ميرز، المحاضرة في معهد التكنولوجيا الرياضية بجامعة لوبورو، فإن التكنولوجيا الرياضية باتت جزءا مهما من إعداد الرياضيين الأولمبيين، بل إنه قريبا سيكون لدى معظم الدول والهيئات التي تُدير الألعاب الرياضية أحكام خاصة بالتقنيات الرياضية، وستُدمَج في الدعم المُقدَّم للرياضيين الأولمبيين.(1)

 

هل تتمرَّن أكثر أم أقل من اللازم؟ ربما تحتاج إلى تخفيض الأوزان التي تتمرَّن بها، قد يخبرك مدربك بهذا، لكن أتدري مَن أيضا يمتلك إجابة ربما تكون أدق من إجابة مدربك؟ إنها ملابسك. توفر الملابس الإلكتروميوغرافية الذكية تجربة متفردة للرياضيين لم يكن أحد ليتوقع وجودها قبل سنوات، تُخطِّط هذه الملابس النشاط الكهربي للعضلات، وهو أمر مهم جدا لمتابعة جودة التمرين وتقييم الأداء، كما يمكن لهذه الملابس تحليل كل جزء في جسد الإنسان، وبذلك فهي تسمح للرياضيين بتحسين أدائهم باستمرار، والوصول إلى إمكانياتهم القصوى.

 

بجانب ذلك، تُقدِّم هذه الملابس الذكية للرياضيين معلومات مهمة جدا عن جودة حركاتهم. يعرف المدربون والرياضيون أن الكيفية التي تُؤدى بها الحركات أمر بالغ الأهمية، وأنّ هناك طريقة مُثلى للقيام بالقرفصاء أو السكواد على سبيل المثال، وطريقة مثالية للقيام بالقفزة العمودية، ومن خلال متابعة الطرق المُثلى للقيام بالحركات، يمكن تحسين مستوى اللاعبين في الميدان.

تلتقط الحساسات على الملابس الذكية المعلومات عن العضلات وتعرضها على تطبيق على الهاتف المحمول. في تطبيق "آثوس" (Athos)، وهو من إنتاج شركة رائدة في تصميم الملابس الذكية، تُعرض صورة لجسد الرياضي، وأثناء التدريب الفعلي يرى اللاعب مباشرة أي عضلة نشطة خلال هذا التمرين، وأي عضلة خاملة على مقياس من صفر إلى 100، وتعني القيمة القصوى (100) الاستخدام الكامل للعضلة.

 

يُطلق جسدنا 60% من الطاقة التي يستهلكها على هيئة حرارة، تُعيد التكنولوجيا المُطبَّقة على ملابس الرياضيين استعمال طاقة الجسد المُهدرة مما يؤدي إلى تحسين الأداء وكذلك يساهم في تسريع التعافي لديهم.

 

يقول تيم برانوزون، مؤسس ومدير شركة كايميرا للتقنيات الرياضية على الموقع الرسمي للأولمبياد: "ثمة 3 أشكال من الطاقة المتجددة، الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والمياه. ونحن في كايميرا نُقدِّم النوع الرابع: القدرات البشرية".(2) تعاونت كايميرا مع جامعة ريدينغ في المملكة المتحدة لاستكشاف مدى أهمية الملابس العاملة بتقنية الأشعة تحت الحمراء بالنسبة للرياضيين(3)، حيث تعمل الأشعة تحت الحمراء على امتصاص حرارة الجسم وطاقة الضوء والحرارة من المحيط، ثم تُعيدها للجسم لإعادة استخدامها، مخترقة الأنسجة الرخوة والعضلات بعمق نحو 4 سنتيمترات، وهذا يتسبَّب بعدّة ردود فعل بيولوجية تساعد بدورها على تحسين الأداء وتسريع استعادة العافية.

 

تتفاعل مادة السيلينات المبتكرة التي صُنعت منها الملابس مع الجسد بفضل مزيج من 13 معدنا مدمجة في نسيج الملابس، يعمل هذا المزيج بوصفه عامل حفاز سريع الاستجابة لتوليد الأشعة تحت الحمراء من طاقة الجسد التي امتصها سابقا، ثم يبثها من جديد لتتدفَّق الطاقة في الجسم.

وبقدر ما تعطي الملابس الذكية مقياسا دقيقا للقيام بالوضعيات الرياضية بشكل صحيح، فهناك تقنيات أخرى تساعد بشكل أكبر، خصوصا في رياضة لا تعتمد فقط على الوضعية الصحيحة، بل على الوضعية الصحيحة أثناء رفع وزن ثقيل. لذا، فإن أقوى رافعي الأثقال يعتمدون على هذه التقنية لمنع إصاباتهم وتحسين الأداء.

 

تعتمد الأطقم الطبية، وكذلك المدربون، على مزيج من تصوير الحركة ومنصات للقياس لتحليل أداء اللاعبين وتحفيزهم على الأداء. يقول مون يونغ جين، رئيس معهد سيول للعلوم الرياضية على موقع الألعاب الأولمبية: "الغرض من تطوير نظام منصات التكنولوجيا الحيوية هو الحصول على قياسات فورية لمدى القوة التي يستخدمها الجسم من عظامه وعضلاته"، ثم يضيف قائلا: "بداية هذا النظام كانت في ثمانينيات القرن العشرين، كان مجرد تصوير بالكاميرا، ثم تحليل للمقاطع، ثم بدءا من عام 2000 استُخدمت الأشعة تحت الحمراء التي توفر الوقت الفعلي والزمن الحقيقي لما تُصوِّره، وهكذا تطوَّر هذا النظام".

(آلية عمل نظام منصات التكنولوجيا الحيوية. المصدر: موقع الأولمبياد)

تُظهِر منصة قياس القوة، والكاميرات التي تستخدم الأشعة تحت الحمراء ومستشعرات الحركة، بيانات من شأنها تحديد المسار الصحيح لرفع العمود والوقت والقوة المستغرقين في كل جزء من التمرين، بالإضافة بالطبع إلى وضعية الجسم.

 

في هونغ كونغ، التي أرسلت فريقا من 46 رياضيا للمنافسة في 13 رياضة، يستخدم نخبة الرياضيين جهاز المشي المضاد للجاذبية في معهد هونغ كونغ الرياضي لتحسين سرعتهم لأجزاء من الألف من الثانية مع تجنُّب الإصابات وإعادة تأهيل المصابين، كما أنهم يركبون دراجات بتقنية مماثلة ضمن الجهود المبذولة لتحسين التمرين والأداء.

موني تشو بطلة فريق مبارزة السيف الصيني أثناء تدريبها على الدراجة المضادة للجاذبية

 

التمرن بـ20% من وزن جسدك أصبح ممكنا الآن بفضل الأجهزة المضادة للجاذبية. يشبه الجهاز جهاز المشي العادي، لكن بداخله بالون، حيث يرفع الرياضي للأعلى بقدر بسيط فيُقلِّل من وزن جسمه. أجل، إنّه ما تخيلت بالضبط، إنهم يمشون على القمر بلا جاذبية، لذا فهم يركضون بدون وجود وزنهم الكامل على الأرض.

 

ضغط الهواء المُتغير أو ما يُعرف بـ (DAP) هو جوهر هذه العملية. يُشكِّل هذا النظام ضغطا إيجابيا في حجرة الهواء أثناء نفخ البالون، فارق ضغط الهواء بالمقابل يُقلِّل قوة الرفع حول جزأيْ الجسم العلوي والسفلي ليُحدث تأثير "معاكسة الجاذبية" الذي يعمل بفاعلية على تقليل وزن الرياضي. تُستخدم هذه التقنية في إعادة تأهيل الرياضيين المصابين بطريقة ما كنا لنتخيل أن نفعلها من قبل.(4) نعم، لقد تحدى الإنسان جسده وربح التحدي على ما يبدو.

(جهاز المشي المعاكس للجاذبية – مصدر الصور: ويكيبيديا)

حسنا، لم تنتهِ جولة الأعاجيب بعد. أثناء ممارسة النشاط الرياضي، يُعتبر حمض اللاكتيك هو العدو الأول للاعب. عند ممارسة الرياضة، يستخدم جسمك الأكسجين لتفكيك الجلوكوز للحصول على الطاقة. أثناء التمرين المكثف أو المنافسة الفعلية، قد لا يتوفر ما يكفي من الأكسجين لإكمال العملية، لذلك تُصنَّع مادة تُسمى اللاكتات، وعند ارتفاعها، لدرجة تصل إلى السُمّيّة أحيانا، تُسبِّب الشدّ العضلي والإعياء وحتى فقدان الوعي، كيف يسيطر المحترفون على الأمر إذن؟

 

يقيس الرياضيون مستويات حمض اللاكتيك عند التمرين لتجنُّب الإصابات وعدم انتظام ضربات القلب. في الواقع، كان قياس حمض اللاكتيك مستحيلا من قبل، وكانت الطريقة الوحيدة لقياسه هي عن طريق تحليل الدم، أما الآن فالوضع مختلف.

 

طوَّرت شركة "Humon io" جهازا قابلا للارتداء، وهو حساس يقيس مستوى الأكسجين في عضلات الرياضيين. يستخدم "هيومن ألفا" مستشعرا بصريا، يومض بأضواء ذات ألوان مختلفة، وهناك مستشعرات عديدة أخرى تقرأ كمية الضوء المسجَّل على المستشعر، وبحسب خصائص ذلك الضوء وكيف يتغير لونه يمكننا معرفة كمية الأكسجين في العضلة. كل تغيير بسيط في اللون يُنبئ بوجود زيادة حمض اللاكتيك المقيس على الجهاز، ومن ثم يحذِّر اللاعب لتجنُّب التمرين الزائد والإجهاد المبالغ فيه في العضلة.

فيديو لجهاز humon io

 

يمكنك توصيل الجهاز بهاتفك المحمول، أو حتى بساعتك الذكية لإعطائك التحذير في حال ارتفعت مستويات حمض اللاكتيك في عضلاتك، كما يسمح لك بالتحكم في تدريباتك وتجنُّب تراكم الحمض، الأمر الذي يؤدي في الحالات المتطرفة للغيبوبة.

 

في عالم أصبحت فيه اللا سلكية عُرفا من الأعراف، قطع لاعبو الشيش أو سيف المبارزة آخر الأسلاك التي تُقيِّد حركتهم وكتبت لهم حياة جديدة. طوَّر الأخوان بن وأليكس بول، أصحاب مركز "ليون بول" الشهير للتدريب على رياضة الشيش، نظام مبارزة لا سلكي، الذي بدأ استخدامه بالكامل في أولمبياد "ريو 2016".

 

يوضع جهاز إرسال في الجيب الخلفي للاعب، وهناك نظام اتصال لا سلكي صُمِّم خصيصا لتسجيل نقاط المبارزة عن بُعد. يُرسل الجهاز الضربات من اللاعبين إلى جهاز تحكيم رئيسي، يُدمج مع تقنية "خط الليزر" على منصة اللعب، التي تزيل أي شكوك إذا كان اللاعب تعدَّى حدوده أم لا.

 

إلى جانب ذلك، ظهر "القناع المضيء" في أولمبياد لندن 2012 لأول مرة، مُضيفا بُعدا جديدا لهذه الرياضة، حيث تظهر النتيجة على القناع فورا مع كل ضربة من الخصم. يبدو تسجيل النقاط اللا سلكي بسيط التركيب، لكنه أصعب مما تعتقد. حتى هذه الرياضة التقليدية، التي تُعَدُّ من أوائل الرياضات الأساسية في الأولمبياد، قد قبلت أخيرا بالتطوير والتحسينات التقنية، مَن يعلم، ربما عند وجود طريقة ما لتغطية مؤخرة الرأس سيتبارز اللاعبون بحرية أكبر، وربما يدورون حول بعضهم كما في قراصنة الكاريبي.

(الماسك المضيء مباريات الشيش في أولمبياد ريو لعام 2016 – مصدر الصورة قناة الأولمبياد)

 

في السياق نفسه، تُعَدُّ عملية تسجيل حركات اللاعبين في لعبة التايكوندو شبه مستحيلة نظرا لسرعة الضربات، وربما لا يلحظ المحكمون الضربة من الأساس، وكان هذا أحد أكبر الأسباب في تأخر ضمّ هذه اللعبة الكورية الأصل إلى قائمة الألعاب الأولمبية. نظام تسجيل النقاط اللا سلكي يجعل التايكوندو لعبة عادلة أكثر مما كانت عليه في السابق، ولا يترك مجالا للجدل بين المحكمين هل سُجِّلت الضربة أم لا، كما أنّه يُشكِّل تجربة ممتعة أكثر للمتابعين حيث يمكنهم متابعة النتائج في الوقت الآني على الشاشات.

 

الحساسات التي تُستخدم على الرأس قُدِّمت في أولمبياد ريو 2016 ناقلة التايكوندو إلى مستوى جديد. يُسجِّل النظام من أين تأتي الإصابة، حيث تحدِّد الحساسات إذا كان مصدر الضربة القدم أم الركبة، وبناء على موقع الضربة تُحدِّد مقدار النقاط التي سيحصل عليها اللاعب. نظام تسجيل النقاط اللا سلكي هو نقطة مفصلية في تاريخ لعبة لم تكن ترقى لأن تكون لعبة في الأولمبياد، ثم انتقلت إلى مصاف الألعاب الأساسية، هنا بالتحديد كانت التقنية مفيدة ومؤَيدة.

 

حظرت منظمة "وورلد أثلتيكس" (World Athletics)، الهيئة المُحكّمة الدولية لألعاب القوى، في يوليو/تموز من العام الماضي استخدام النسخة الأولية من أحذية شركة نايكي (Nike’s Vaporfly) في أولمبياد طوكيو.(5) يحتوي الحذاء على ألواح ثلاثية من ألياف الكربون مدمجة في فوم مضغوط للغاية، ما يزيد مقدار القوة التي يمكنها دفع العدَّاء إلى الأمام.

 

قالت "وورلد أثلتيكس" إن اللوائح الجديدة تسمح فقط بأحذية المنافسة ذات النعل المدبب مع لوح أو نعل صلب من ألياف الكربون، وهي مُصمَّمة "للحفاظ على نزاهة المنافسة". وقالت المنظمة أيضا إن القواعد عملت على الحفاظ على الوضع التكنولوجي الراهن حتى ما بعد أولمبياد طوكيو.(6) هذا نموذج واحد فقط على الكيفية التي يمكن أن تساعد عبرها التكنولوجيا في تمييز لاعبين عن غيرهم.

 

أثار حظر أحذية "وورلد أثلتيكس" ذكريات عام 2008، حين حظر الاتحاد الدولي للرياضات المائية (FINA) "Speedo’s LZR Racer"، وهي بذلة لكامل الجسم تُقلِّل بشكل كبير من الدفع وتجعل السباح أكثر قوة. وقالت شركة "سبيدو" في ذلك الوقت إن المتسابقين الذين يرتدون البذلة حطموا 23 رقما قياسيا عالميا من أصل 25 في أولمبياد بكين.(7)

(حذاء نايكي vaporfly. مصدر الصورة: رويترز)

الآن، أدَّى استخدام التكنولوجيا الرياضية المتقدِّمة إلى تفاقم عدم المساواة بين الفِرَق المُمولة تمويلا جيدا وتلك المنتمية إلى الدول النامية. قال الدكتور برايس داير، الذي يبحث في التكنولوجيا المساعدة في الرياضة ونائب رئيس قسم التصميم والهندسة في جامعة بورنموث البريطانية، إن التقدم التكنولوجي يمكن أن يخفض معدل مشاركة الرياضيين المحرومين على المدى الطويل بسبب تكاليف التقنيات، مثل ملابس السباحة التي تُنتجها "سبيدو"(8)، وأحذية نايكي المتطورة.

 

يُعلِّق البروفيسور سيغموند لولاند من المدرسة النرويجية لعلوم الرياضة قائلا: "التقدم التكنولوجي المتزايد من شأنه أن يُشكِّل خطرا على الأحداث الرياضية المستقبلية، إذ أصبحت الرياضة للنخبة أكثر من مجرد مرآة للتفاوتات العامة بين الدول في العالم"(9)، مؤكِّدا أن اللجنة الأولمبية والاتحادات الرياضية الدولية يتعيَّن عليها بذل جهد أكبر لضمان تكافؤ الفرص وتوحيد المعدات وتمويل مشاركة التكنولوجيا. ولكن على الرغم من الجدل الدائر حول "المنشطات التكنولوجية" وانعدام المساواة، فإن التكنولوجيا الرياضية قد رسخت نفسها بالفعل في أداء معظم الرياضيين في طوكيو 2020.

—————————————————————————————–

المصادر

  1. Tokyo Olympics: from wearables to 3D printed shoes and AI-powered coaching, athletes are using technology to aim for gold
  2. The wearable technology helping athletes recharge their efforts
  3.  KYMIRA Sport Launches Apparel For Cyclists With Infrared Technology
  4. AlterG Treadmill
  5. Nike prototype Vaporfly shoe banned but current version going to Olympics
  6. المصدر السابق
  7. THE ROCKET SWIMSUIT: SPEEDO’S LZR RACER
  8.  Tokyo Olympics: from wearables to 3D printed shoes and AI-powered coaching, athletes are using technology to aim for gold
  9. المصدر السابق
المصدر : الجزيرة