نيلز بور.. كيف تصبح عالِما وفيلسوفا في الوقت نفسه؟

"لا وجود لعالم كمومي، هناك فقط وصف فيزيائي مجرد. من الخطأ أن نعتقد أن مهمة الفيزياء أن تكتشف كيف تكون الحقيقة، الفيزياء تهتم بما يمكننا أن نقوله عن الطبيعة".

(نيلز بور)

لا بد أن أشهر التجارب الفكرية وأكثرها انتشارا بين العامة، وتردُّدا على منصات التواصل الاجتماعي، هي "قطة شرودنغر" التي تقول إننا لو قرَّرنا وضع قطة لطيفة في صندوق مغلق، وإلى جوارها وضعنا عدَّاد غايغر قادرا على التقاط تحلُّل إحدى المواد المشعة غير المستقرة، الموجودة في الصندوق نفسه، ثم تحلَّلت المادة المشعة بالفعل، فتنبَّه العداد لذلك فأسقط مطرقة على عبوة سم، تزاحم بدورها كل تلك الأشياء داخل الصندوق، لماتت القطة بفعل السم.

لكن تلك ليست هي الحالة الوحيدة المُحتمَلة، فهناك احتمال آخر وهو ألا تتحلَّل المادة المشعة، وبالتالي لا تسقط المطرقة، وتمر القطة من تلك التجربة بسلام، أو ربما مع بعض من اضطراب ما بعد الصدمة، في العالم الطبيعي سنقول إن القطة قد تكون إما "حية" وإما "ميتة"، لكن المشكلة التي تطرحها ميكانيكا الكم هي أن القطة ستكون حية "و" ميتة في الوقت نفسه، إنه ما نُسميه بحالة التراكب الكمّي (للمزيد عن تلك الحالة راجع تقرير سابق للكاتب بعنوان "هل تمزح يا سيد فاينمان؟".

"قطة شرودنغر" هي الصورة الفكرية لتجربة الشق المزدوج، الأحجية المركزية في ميكانيكا الكم

 

ملك الصناديق المغلقة

في ميكانيكا الكم، يعني التفسير (Interpretation) محاولة للربط الجدلي بين الحقائق التجريبية والصياغة الرياضية المعقدة التي تصف ظاهرة ما، والمعنى الفيزيائي لكلٍّ منهما، ويُعَدُّ تفسير كوبنهاغن هو إحدى المحاولات بفعل ذلك. ظهر التفسير بين عامَيْ 1925-1927 على يد كلٍّ من نيلز بور وفيرنر هايزنبيرغ الذي عمل مساعدا له في كوبنهاغن، وهو المحاولة الأشهر والأهم لصياغة نظرية تُفسِّر الحالة الكمومية العجيبة التي يمكن فيها أن تكون القطط حية وميتة في الوقت نفسه.

 

في الحقيقة، لم يتفق أيٌّ من بور وهايزنبيرغ على فهم مُحدَّد للصياغة الرياضية للميكانيك الكمومي، في إحدى المرات فصل بور نفسه عما اعتبره "تفسير هايزنبيرغ الأكثر ذاتية للعالم"، بينما لم يقم أيٌّ منهما بإطلاق اسم "تفسير كوبنهاغن" على أفكارهما، بل أطلقه معارضوهم لتمييز فكرة بور وهايزنبيرغ عن أفكارهم، في الواقع فإن تجربة شرودنغر الفكرية نفسها لم تكن إلا محاولة لتبيان مدى الخلل الموجود في تفسير كوبنهاغن لميكانيكا الكم لو قرَّرنا تطبيقه على أرض الواقع.

 

هايزنبيرغ ونيلز بور

ربما كان بور بالفعل مرتبطا بعالم الفيزياء الكلاسيكية أكثر من هايزنبيرغ، أو أيٍّ من رفاق الكم على أية حال، ولفهم تلك الفكرة دعنا نبدأ برأيه فيما يحدث داخل الصناديق المغلقة وقططها، نحن نعرف أن هناك شيئا ما غريب، لكن حينما نسأل بور عن هذا الشيء فإنه يُجيب: "لا يهم"، أو بشكل أكثر عمومية سيقول إنه لا وجود لعالم كمومي، هناك فقط وصف فيزيائي مجرد، ومن الخطأ أن نعتقد أن مهمة الفيزياء أن تكتشف كيف تكون الحقيقة، الفيزياء تهتم فقط بما يمكننا أن نقوله عن الطبيعة. (في سياق ميكانيكا الكم، يُشير اصطلاح "الفيزياء الكلاسيكية" إلى نظريات الفيزياء التي لا تستخدم نموذج التكميم، الذي يتضمَّن الميكانيكا الكلاسيكية والنسبية).

 

بمعنى أوضح، فإن بور يقول إن ما يحدث داخل الصناديق المغلقة هو شيء من غير الممكن أن ندركه، أي إن الدالة الموجية -المعادلة التي تصف وضع القطة في الصندوق- هي كيان يعطينا بعض المعرفة عما يحدث بالداخل لكنه لا يتحدَّث عن جوهر ما يحدث، لذلك تُسمى الدالة الموجية في هذه الحالة "ساي أبستمولوجية" وليس "ساي أنطولوجية"، بمعنى أنها فقط أداة لإعطائنا معلومات وليس للحديث فعليا عن القطط.

 

من تلك الوجهة، فإن تفسير كوبنهاغن لميكانيكا الكم لا يقول إن القطة ستكون "حيّة وميتة" في الوقت نفسه بقدر ما يقول إنه ليس من الضروري، ولا من الممكن، أن نعرف واقع ما يحدث داخل الصناديق المغلقة، الضروري هو أن نبتكر نماذج رياضية مفيدة جدا في توقُّع مستقبل هذه الصناديق بلغة الاحتمالات، بغض النظر عن جوهرها.

 

في هذه النقطة يقع أينشتاين في خلاف جوهري مع فريق الكوانتم، ببساطة لأن أينشتاين كان يرى أن دور الفيزياء هو الحديث عن "واقع" هذا الكون، أما فريق الكوانتم فيقول وظيفة الفيزياء ليست في الحديث عن الواقع، ولا يهمنا إلا تحصيل بعض المعرفة عن هذا الواقع فقط من خلال معادلاتنا ذات النتائج الدقيقة، أو كما قال نيلز بور ذات مرة: "أثناء وصفنا للطبيعة، ليست مهمتنا هي الكشف عن جوهر الظاهرة، بل عمل كل المحاولات الممكنة لتعقُّب العلاقات بين الجوانب متعددة الوجوه".

اينشتاين ونيلز بور

الحنين للجذور

للوهلة الأولى، يبدو مجرد القول إن وظيفة الكوانتم هنا هي الحديث عن "معارف فقط" وليس عن "جوهر الأشياء" رأيا غير كلاسيكي تماما، لكن يمكن أن نرى الأمر من وجهة أخرى تقول إن بور كان يرفض تصديق الفكرة القائلة إن ما يحدث داخل الصناديق المغلقة (المعبرة عن العالم الكمومي كاملا) بهذا الجنون، فقرَّر أن يأخذ خطوة للوراء قائلا: "لا يهم".

 

هل ود نيلز بور أن يربط نفسه بالفيزياء الكلاسيكية، جذوره التي نشأ عليها كأي فيزيائي آخر، رغم أنه خرج عنها بالفعل؟ هناك موقف آخر يؤيد هذه الفرضية، حيث كان بور أول مَن أسَّس لما يُسمى مبدأ التناظر (Correspondence Principle)، ولفهم هذا المبدأ دعنا نضرب مثالا، لنفترض أننا حاولنا تطبيق نموذج بطليموس الفلكي، الذي ظهر قبل نحو ألفَيْ سنة، لقراءة سماء الليل بحثا عن الموعد الذي سوف يظهر فيه كوكب الزهرة في سماء الليل بعد عشرة أشهر، هل سنحصل على نتائج دقيقة؟

 

الإجابة هي: إلى حدٍّ ما، لو كنّا فقط نرغب في الحصول على نتائج للعين المجردة، أما لو استخدمنا تلسكوبا ضخما لمحاولة تحديد دقيقة فسوف تظهر مشكلات نموذج بطليموس، يمكن حل تلك المشكلات حينما نستخدم نموذج كيبلر مثلا، ويمكن حلّها بدقة أكبر حينما نستخدم نموذج نيوتن، لكن بالنسبة لي كوني راصدا من سطوح المنزل، فسوف أتعامل مع النماذج الثلاثة على أنها كلها دقيقة، لأنها تعطيني الإجابات نفسها عن سؤالي الشخصي: أين في السماء يمكن أن أرى الزُهرة في يونيو/حزيران القادم؟

في عالمنا الماكروسكوبي، حيث نوجد نحن والهواتف والسيارات والطائرات الضخمة، يمكن كذلك أن نستخدم الميكانيك الكمومي في حساباتنا، لأن الأجسام الكبيرة لها رقم كمومي (Quantum Number) كبير. يمكن للميكانيك الكمومي، في الحالات التي لها مدارات واسعة أو كتل عالية أو طاقات عالية، أن يعطي نتائج تتفق مع الفيزياء الكلاسيكية. كلما أصبح النظام أكبر بات على كلٍّ من الكلاسيكي والكمومي إعطاء النتيجة نفسها.

 

يمكن هنا القول إن الميكانيك الكلاسيكي هو حالة خاصة/مُحدَّدة من الميكانيك الكمومي (لكن بور يوضِّح أن هذا لا يعني أن نستخرج الميكانيك الكلاسيكي من الكمومي). يقف مبدأ التناظر على قاعدة عامة مفادها أن كل نظرية أو وصف للطبيعة تحتضن نوعا من التعميم لما قبلها بحيث تصبح ما قبلها حالة خاصة بالنسبة لها، بتلك البساطة ربط بور تاريخ تطور النظريات العلمية، وبذلك يُقدِّم مبدأ التناظر تحديا قاسيا لفلسفات توماس كون وباول فييرابند القائلة باستحالة مقارنة النظريات العلمية.

 

لكن ذلك ينقلنا بدوره إلى نقطة أخرى. فكما يبدو، كان بور فيلسوفا في تفسيراته، سوف نلاحظ ذلك دائما، وربما كان ذلك هو السبب أن الكثير من الفيزيائيين تجنَّبوا الحديث عن بور بوصفه مركزا لتفسير كوبنهاغن. يُشار دائما إلى ديراك وباولي وهايزنبيرغ وفون نيومان بوصفهم ممثلين عن النمط الفيزيائي، بل ويقول إنريكو فيرمي إن رؤية بور كانت: "فلسفية أكثر من اللازم" (too philosophical).

 

العالِم الفيلسوف

يمكن أن نفهم ذلك أكثر حينما نتأمل ما يُسمَّى بمبدأ التتام (Complementarity) الذي ابتكره نيلز بور أيضا. في أثناء صياغة الصور الرياضية الأولى لميكانيكا الكم، تعامل كلٌّ من هايزنبيرغ وشرودنغر مع الإلكترونات بشكل مختلف تماما، الأول عاملها بوصفها جسيمات لها مسارات، بينما تعامل الثاني معها بوصفها موجات مثل الضوء. انقسمت الفيزياء الكمية بين توجُّهَيْ شرودنغر وهايزنبيرغ، وبدأ كلٌّ منهما في اتباع منهج له خصائص منفصلة، لكن شرودنغر بعد ذلك أثبت أن كلا النظامين صحيح رياضيا.

 

أثار ذلك الجدل عند بور تساؤلا عن العالم الكمومي: هل يمكن أن تكون كلتا الطريقتين، بالتعبير الرائج، وجهين للعملة نفسها؟ هنا ولدت إحدى أشهر الأفكار العلمية والفلسفية في العصر الحديث، إنه مبدأ التتام. تأمل معنا قليلا، في ميكانيكا الكم هناك شيء، نحن نستكشف الخصائص الموجية لجسيم ما، الفوتون مثلا، حينما نُدخله في تجربة الشق المزدوج، ثم نستكشف خصائصه الجسيمية حينما نضرب به لوحا معدنيا. التجربة إذن يمكنها فقط أن ترصد الأثر الموجي أو الجسيمي، وليس كليهما معا.

 

في مبدأ عدم التأكُّد، نحن نستطيع بدقة أن نقيس زخم الإلكترون على حساب الموضع، وفي تجربة أخرى يمكن قياس موضعه بغض النظر عن زخمه، لدينا هنا نطاقان مختلفان من الموضوعات، كلٌّ منهما يرسم صورة جيدة متسقة مع ذاتها، لكن لا يمكن إدراج كلا النطاقين تحت نطاق آخر أكبر يتسق مع ذاته.

 

بالنسبة إلى نيلز بور، فإن تلك القياسات التي نحصل عليها قد تبدو متناقضة للوهلة الأولى، لكنها لا تُعبِّر عن أي اختلاف أو تقلُّب في خصائص موضوع دراستنا نفسه، بل هي فقط مجموعة صور للشيء نفسه، للإلكترون نفسه، تمظهرات مختلفة للجوهر نفسه. بمعنى أوضح، ليس هناك تناقض بين الطرق المختلفة لرؤية العالم الكمومي، لكن هناك تكامل.

حينما نسأل إن كان ما بداخل الذرة جسيما أو موجة فنحن نحاول تصوير ما بداخل الذرة بلغتنا، بينما لا يبدو ذلك صحيحا، يضرب فاينمان لنا مثالا عن زائر مريخي لا يعرف ما تعنيه ظاهرة "النوم"، يأتي للأرض ويجد أن البشر يتخذون وضعا غريبا في نهاية اليوم، فيحاول توصيف ذلك "الفعل" بلغته. نحن هذا المريخي حينما ندخل للذرة، فما يحدث هناك في العمق هو شيء يختلف تماما عن خبرتنا في العالم الكبروي (Macro)، ليس جسيما، وليس موجة، وليس كليهما معا بالشكل الذي نتصوره، هو شيء مختلف لا يمكن لنا إلا معرفة بعض خصائصه الموجية من خلال استخدامنا لأجهزة تقيس الخصائص الموجية، وبعض خصائصه الجسيمية من خلال استخدامنا لأجهزة تقيس خصائص الجسيمات، ثم الحصول على رؤى مُتمِّمة لبعضها عما يحدث بالداخل. هنا نفهم ما قصده بور من التتام أو التكامل.

 

في الحقيقة، كان بور غير مفهوم باعتباره فيلسوفا في الكم، من جهة يتحدَّث عن تفسير كوبنهاغن من حيث هو محاولة لتقصي المعارف لا الجواهر، في هذه الحالة يظهر بور براغماتيا يطلب منك أن تحسب وتخرس وتهتم للنتائج (Shut up and calculate). على جهة أخرى، لم يكن بور ذاتيا ولا وضعيا بقدر ما كان يقترب من الفيلسوف كانط، إلى درجة أنه يمكن اعتباره "نيو-كانطي"، حينما قرَّر قراءة العالم الكمومي وفق مبدأ التمام. كان كانط يرى أيضا أن هناك عالَمين وليس عالَما واحدا، عالَم واقعي موجود هناك داخل الصناديق المغلقة، وعالَم نختبر فيه هذا الواقع بحواسنا.

 

من المُثير جدا للانتباه أن نتأمل الطبيعة المزدوجة لنيلز بور عالِما وفيلسوفا، فقد كان كما يبدو متميزا في كليهما، وهذا ضروري حقا لأننا، في العالم المعاصر، نفتقد لتلك الحالة الخاصة جدا، ويمكن أن تفهم ذلك حينما تتأمل ما حدث حينما دخل علماء مثل هوكينغ أو كراوس أو دوكينز إلى عالم الفلسفة، وكيف أن إسهاماتهم فيها لم تكن على قدر الدقة والمنطقية والتماسك الذي تميزت به أعمالهم بوصفهم علماء في المقام الأول.

—————————————————————————————

المصادر

  1.  المبادئ الفيزيائية لنظرية الكم – فيرنر هايزنبيرغ
  2. النظرية الذرية ووصف الطبيعة – نيلز بور
  3. الفيزياء والفلسفة – فيرنر هايزنبيرغ
  4. فلسفة الكوانتم – رولان أومنيس
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من الموسوعة
الأكثر قراءة