عيد بدون "خناقة".. دليلك لتخطي اكتئاب الأعياد

"عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ

بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ

فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ"

(أبو الطيب المتنبي)

المنزل مزدحم بأفراد العائلة الذين لا يجتمعون إلا في العيد، أحاديث وضحكات تبدو وكأنها ادُّخِرَت خصيصا لهذه الليالي، في الأسواق تُحاصرنا أغاني الأعياد من مكبرات صوت ضخمة، وزحام العائلات التي تحاول مواكبة الحمى الشرائية للملابس والأطعمة، وعلى تطبيقات المراسلة والتواصل الاجتماعي تتزاحم التهاني التي تُصِرُّ على أنه عيد "سعيد".

لكن البعض لا يشعر بهذه السعادة، ولا تنجح بهجة العيد الصاخبة ولا مرحه فاقع اللون في اقتحام حصون كآبتهم، بل على العكس يزداد شعورهم بالحزن والكآبة في ظاهرة معروفة يُطلَق عليها اكتئاب الأعياد (Holiday depression)، أو قلق الأعياد، وربما يكون ذلك هو السبب في أن تشهد العديد من المنازل ما يُسميه الأزواج والزوجات بـ "خناقة ليلة العيد"، وهي عبارة ساخرة يصفون بها الشجار الذي يتكرَّر كل عام ﻷسباب تافهة مع قدوم الأعياد.

وفقا لاستقصاء أجراه التحالف الوطني للأمراض العقلية (NAMI)، أفاد ما يقرب من 755 من إجمالي المستجيبين أن العطلات تساهم في زيادة شعورهم بالحزن أو عدم الرضا، وذلك بسبب معاناة معظمهم من الإجهاد المالي والشعور بالوحدة، وأنهم يتذكَّرون أوقاتا أكثر سعادة في الماضي على عكس الحاضر، في حين أن 50% من المشاركين افتقدوا وجودهم مع أحبائهم خلال الأعياد. (1)

بينما تتفاقم الأعراض والعلامات المرتبطة بالصحة العقلية خلال هذا الوقت من العام، هناك فارِق ما بين كآبة الأعياد التي تنتهي غالبا بنهاية هذه الفترة من العام، وبين اضطرابات الصحة العقلية الأكثر حِدَّة التي تستمر لفترة أطول وتعوق أداء أنشطة الحياة اليومية.

من العلامات المرتبطة باكتئاب الأعياد وجود صعوبات في التركيز، والشعور بالتعب والإرهاق، وكذلك الشعور بالوحدة، وفقدان الاهتمام عند ممارسة أنشطة اعتدت أن تستمتع بممارستها، واضطرابات النوم، سواء بزيادة عدد ساعاته أو نقصها عن المعتاد، واضطرابات الوزن والشهية. (2)

"هذا الزحام لا أحد".

(أحمد عبد المعطي حجازي)

تزداد الأمور تعقيدا بالنسبة لمَن شُخِّصوا من قبل بأمراض مثل الاكتئاب أو القلق، وطبقا للتحالف الوطني للأمراض العقلية (NAMI)، فإن نحو 24% من الأشخاص الذين شُخِّصوا بأمراض عقلية يجدون أن الأعياد تجعل حالتهم أسوأ بكثير، و40% منهم تجعلهم أسوأ إلى حدٍّ ما. (3)

ورغم ذلك، فإن هناك أسبابا متعددة لزيادة حِدَّة مشاعر الكآبة في الأعياد حتى إذا لم تكن تعاني من الاكتئاب أو القلق السريري، ومن ضمن هذه الأسباب:

  • الضغوط الناتجة عن الدراما العائلية:

قائمة طويلة من أفراد العائلة في انتظار مكالماتك الهاتفية، عليك أن تُسارع بالاتصال، وألا تنسى أحدا كي لا يغضب. عليك أن تظهر في الجلسة العائلية الصاخبة، وتحاول إرضاء الجميع، وربما سيكون عليك أن تُجيب عن بعض الأسئلة الفضولية وتتجاهل تلميحات سخيفة. قد تضطر أيضا للضحك على نكات قديمة، واستعادة ذكريات مُحرجة. كل هذه الواجبات العائلية كفيلة بوضع البعض تحت سيف القلق أو الاكتئاب.

  • المال والمال.. والمزيد من المال:

عليك شراء ملابس جديدة لجميع أفراد الأسرة، وكأن هذه الخزائن المحشوة تحتمل المزيد من الملابس. وعليك شراء المزيد من الطعام، سواء الكعك أو الياميش أو اللحم، أو الديك الرومي، حيث ترتبط المناسبات الدينية والروحية بطريقة غامضة بموائد الطعام الممتلئة، وكلها أمور تُشكِّل عبئا ماليا إضافيا.

  • الشعور بالعزلة:

ربما فقدت بعض الأحباء خلال هذا العام الصعب، ربما يأتيك العيد في شعور بالغربة، وربما تعيش في بيت مزدحم بالأقارب لكنك تفتقد الدعم العاطفي وتشعر بوحدة تتضاعف في فترات الأعياد.

  • الأطفال أيضا يُعانون:

لا يُعاني البالغون فقط من اكتئاب الأعياد، بل من الممكن أن يكون الأطفال أيضا عُرضة له، خاصة مع تغيُّر الروتين اليومي، والاضطرار للتعامل مع مشكلات الأسرة التي قد تظهر خلال هذه الفترة، في ظل انشغال أصدقائهم في الاحتفال مع عائلاتهم. ويزداد الأمر حِدَّة في حالة وجود تغيرات ملموسة مثل انفصال الوالدين أو فقد أحد الأحباء في فترة قريبة، أو الانتقال إلى مدينة أخرى والابتعاد عن بقية أفراد العائلة ومظاهر الاحتفال المألوفة لديهم.

  • الحنين إلى الماضي:

هل تفتقد الاحتفالات التقليدية بالأعياد والمظاهر الشعبية المنتمية إلى الشوارع التي ذابت اليوم في المجمعات التجارية المتشابهة في كل مكان في العالم؟ هل تعقد المقارنات طوال الوقت بين الأعياد الحالية وأعياد طفولتك؟ حسنا، هذا أيضا هو أحد أسباب اكتئاب العيد.

  • التوقعات الحالمة:

هناك صورة شائعة عن الأعياد، عائلات سعيدة، بهجة صاخبة، تجمعات عائلية تستمتع بالطعام، صورة مثالية يدفعنا إليها المجتمع تضع على كاهلنا ضغوطا إضافية. (4)

عادة ما يلجأ بعض الأشخاص إلى وسائل غير صحية في مواجهة مشاعر الاكتئاب والحزن، مثل الإفراط في الطعام والشراب، أو الاستسلام للنوم والانعزال عن الآخرين. هذه بعض النصائح التي ستساعدك على المرور من هذه الحالة بسلام:

  • لا تستسلم للعزلة:

يولِّد الحزن رغبة في الانعزال، وهو ما يُعَدُّ من عوامل زيادة الاكتئاب، لينتهي بك الحال محاصَرا في دائرة لا تنتهي من الاكتئاب والعُزلة. ابحث عن وسيلة للتواصل مع أحبابك حتى لو كنت بعيدا عن عائلتك.

  • تعلَّم كيف تقول لا:

عليك أن تتعلَّم وضع بعض الحدود، فقضاء الوقت مع عائلتك لا يعني أن تستسلم لما يزعجك، كن ودودا ولكن صارما، وكذلك فيما يتعلَّق بالمتطلبات المالية، أنت ترغب في إسعاد أفراد عائلتك بالتأكيد، لكن ليس عليك أن تقع تحت طائلة الديون أو تتجاوز ميزانيتك بدرجة تضغط عليك.

  • استمتع بالواقع:

اجعل توقعاتك منطقية ومناسبة للواقع، لا تحتاج إلى أعياد مثالية، ولا إلى أعياد تطابق أعياد طفولتك، العالم يتغيَّر، والأشخاص من حولك يتغيَّرون، وأنت نفسك تغيَّرت، ما استمتعت به في الماضي ربما لا يمتعك الآن. استمتع بواقعك قدر الإمكان، بكل ما تراه من نقص، وتأكَّد أن الكمال المثالي قد لا يكون ممتعا كما تعتقد.

  • اطلب المساعدة:

هل تقع على عاتقك العديد من المسؤوليات؟ ربما عليك أن تُنظِّم وقتك بعض الشيء، بحيث تتسوَّق في وقت مبكر قبل زحام الأعياد، وتُخطِّط للتنظيف الموسمي بحيث يبتعد عن وقت الأعياد وتوزِّع المهام المطلوبة منك على بقية أفراد العائلة (5)، التخطيط إحدى أهم أدوات اجتياز الأعياد بسلام.

  • ممارسة الرياضة:

طبقا لدراسة منشورة في المجلة الأميركية للطب النفسي، تابعت نحو 34 ألف شخص على مدار أحد عشر عاما، كشفت النتائج عن أن ساعة واحدة فقط أسبوعيا من ممارسة التمارين الرياضية ساهمت في الحد من أعراض الاكتئاب. يمكن لممارسة المشي في الهواء الطلق أن تساعدك في التخفُّف من هذه المشاعر السلبية ونفض الحزن والشعور بالعزلة. (6)

وأخيرا، إذا استمرت هذه المشاعر فيما بعد انتهاء فترة الأعياد، لأكثر من أسبوعين، فلعلك لست بخير، وربما تحتاج إلى اللجوء إلى طبيب متخصص لمساعدتك في تحديد خطة العلاج. اضطراب النفس يشبه اضطراب الجسد، أنت لا تتوقَّع بالطبع أن تلتئم عظمة كُسرت بدون تدخل طبيب عظام، كذلك الحال أيضا بالنسبة إلى نفوسنا.

_____________________________________________________

المصادر:

  1. Mental health and holiday blues
  2. ?what are the holiday blues
  3. Mental health and holiday blues
  4. Holiday Depression: How to Beat the Holiday Blues
  5. Tips to Beat Holiday Depression, According to Psychologists
  6. Exercise and the Prevention of Depression: Results of the HUNT Cohort Study
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة