"Children of Heaven".. البراءة في عيون أبناء الثورة الإيرانية

"أحب أن أعمل مع الأطفال، وأستكشف من خلال نظرتهم الحرة -شبه الصوفية- كيف أصبح العالم مقيدا. الأطفال يمضون في حياتهم دون شعارات، وفي الصباح لا يشعرون بحاجة إلى القهوة لتعلو البشاشة وجوههم".

عباس ﻛﯿﺎرﺳﺘﻤﻲ

الأطفال في السينما الإيرانية جزء أصيل من نسيجها البديع، أُسندت إليهم أدوار البطولة في أعمال قدّمتها مجموعة من أشهر المخرجين الإيرانيين، أمثال عباس ﻛﯿﺎرﺳﺘﻤﻲ وأصغر فرهادی ومجيد مجيدي. في تلك الأعمال، ننفذ إلى عوالم صغرى لأطفال أبرياء، نستشعر فيها مآزقهم الطفولية وتساؤلاتهم ومشاعرهم، ونرى العالم بعيون الأطفال صافيا لم تلبده الغيوم.

 

حين سُئل المخرج مجيد مجيدي في إحدى اللقاءات عن سبب تفضيله لمراقبة العالم من منظور الأطفال في أفلامه قال: "عالم الأطفال هو عالم النقاء والإخلاص، إنهم يؤمنون بكل ما تقوله لهم"، مردفا في مقابلة أخرى: "إن براءة الأطفال لها أثر علينا، وهذا ما أرغب دائما في التعبير عنه".

مجيد مجيدي

سينما مجيد مجيدي ذات بعد إنساني، وأفلامه مُستمدة من الحياة الواقعية، يجعلها ذلك وسيطا للتعبير عن ذاته وتجارب حياته الشخصية والصعوبات التي واجهته منذ الصغر، فموت والده في طفولته كان إيذانا بوداعه للطفولة مبكرا وتحمُّل المسؤولية، والصعاب التي اعترضت طريقه هي التي نحتت شخصيته، وأوجدت لها امتدادا في أعماله إلى الأبد، حيث يلاحَظ أن العائلة تتمتع بقيمة كبيرة في جميع أفلامه، فهو يرى أن الحفاظ على شمل العائلة ضرورة لا غنى عنها، بالأخص في عصر الحياة الافتراضية التي جلبت الوهن إلى جميع علاقاتنا.

 

رغبة في الوصول إلى أفضل حالة واقعية ممكنة، استخدم مجيدي في فيلمه "Children of Heaven" الذي نال استحسان النقاد ورُشح للأوسكار عام 1998، كاميرات خفية، بهدف التقاط المشاعر الحقيقية للأطفال، ليجمع الفيلم بذلك بين الوثائقي التاريخي والروائي التمثيلي. يقول في أحد المقابلات: "لقد استخدمنا كاميرات خفية لالتقاط لحظات من الحياة الحقيقية، بالطبع كانت هناك بعض الأخطاء، لكنها عززت الأداء الواقعي للممثلين. أُخفيت الكاميرات أيضا عن الممثلين الرئيسيين، ما أضفى على المشهد مزيدا من الطبيعية. في الواقع، جعل ذلك التصوير أكثر صعوبة، ولكن النتائج كانت أداء أكثر تلقائية بكثير".(3)

 

يبدأ الفيلم في حي فقير في طهران، فيه الطفل علي (أمير هاشميان) يراقب إسكافيا متقنا وهو يصلح حذاء ورديا، نعرف لاحقا أنه يعود لأخت الطفل، تسمى زهراء (بهار صديقي). يعطي مجيدي لمشهد إصلاح الحذاء وقته الكامل دون تقطيع يذكر.

 

يأخذ علي حذاء أخته بعد ذلك ويذهب لابتياع خبز وحبات بطاطا من السوق، تدين عائلته بأموال غير للمتجر، لذا لا يعطيه من البطاطا الموضوعة في الأمام، بل يعطيه قطع البطاطا القذرة والصغيرة في الأسفل. هنا يُظهر مجيدي الفارق الطبقي في تفصيلة صغيرة، ترمز حبات البطاطا الموضوعة عاليا في وجه المحل إلى الطبقة العليا، أما تلك المهملة على الأرض فهي تعود إلى الطبقة الدنيا.

في ذلك الحين وبينما علي منشغل بالبطاطا، يمر جامع مهملات ضرير ويلتقط حذاء زهرة ضمن أشياء عديدة دون أن يعي، فقدان الحذاء يصبح مقدمة لإحساس بالذنب لن يفارقه، وتراه يحاول طوال الفيلم مغالبة إحساسه هذا عبر تعويض أخته بشتى السبل البسيطة بالنسبة إلينا، المعقدة بالنسبة إليه.

 

تمتلئ مقلتا زهراء بالدموع حين تعرف بفقدان حذائها. ومنذ اللقطة الأولى، لا يكاد يخلو مشهد في الفيلم من أحذية، تحضر داخل إطار الصورة المرئية، وفي صوت وقعها على الأرصفة، وفي إعلان عبر التلفاز، وفي أقدام التلاميذ في طابور المدرسة، ومن زجاج نافذة البائع(1). وعبر تتبع زوج واحد من الأحذية ضائع في الزحام، تظهر معاني أكبر.

 

يعقد الأخوان اتفاقا فيما بينهما أن يخفيا الأمر عن والديهما، كي لا يزيدا عليهما أثقال الحياة، حيث يعير علي حذاءه لزهراء لتذهب به إلى المدرسة صباحا، وتأتي راكضة ليمضي هو إلى المدرسة ظهرا، تخجل زهرة من ارتداء حذاء رياضي كبير يعود لأخيها، ويخاف علي من عواقب تأخره عن المدرسة. قد تبدو لنا مثل هذه المشكلات صغيرة، إلا أنها تعني العالم للأطفال.

 

ينظفان معا الحذاء ليمسي ناصع البياض، يصنعان فقاعات صابون يتسلل إليها ضوء الشمس، لون الحذاء الأبيض وفقاعات الصابون هي انعكاس لقلبيهما وطويتها النقية البريئة. فيما بعد، تبصر زهراء حذاءها المفقود في قدمي فتاة أخرى في المدرسة، تتبعها إلى منزلها خلسة برفقة علي، يلاحظان أن عائلتها أكثر فقرا منهما، فيقرران الحفاظ على كرامة هذه العائلة أيضا، في رسالة أوصلها المخرج من خلال تبادل للنظرات، وعبر المونتاج الذي يظهر انحسار رأسيهما إلى الأسفل وتثاقل خطاهما، في تناقض حاد مع عَدْوهما النشط وهما يتتبعان الفتاة إلى المنزل.

 

لا يقوّض مجيدي أبدا نضالات شخصياته الرئيسية، بل يبني السرد حولها، وينتج صورة صادقة من منظورهم تتيح التعاطف معهم، وهو هنا يخلق انعكاسا صادقا للطفولة يفصح فيه عن رسالة مهمة، كما كتبت ماريا جارسيا في مراجعتها للفيلم: "على الرغم من كل ما أعربنا عنه من قلق حيال حياة الأطفال، ما زلنا نفشل في قبول حقيقة أن لديهم حياة روحية لا تختلف كثيرا عن حياتنا، وأنهم يعانون بشكل عميق كما نفعل".

 

على الجانب الآخر كانت كاميرا مجيدي على بينة من أن السماء تراقب أطفالها بحياد، لا تتدخل وتمد لهم يد العون وتمنحهم الحلول، لذا أحنت عدستها بلا حيلة صوب الأرض، والتقطت صور أحذية الأطفال من عيني زهراء التي بدت بالنسبة إليها بعيدة المنال، لا ترتفع الكاميرا محدقة إلى السماء إلا حين يرافق علي والده إلى الأحياء الراقية، تلتقط ذهوله وهو يرى المباني الشاهقة والتفاوت الطبقي الصارخ.

 

في أثناء ذلك كله، يقص فيلم مجيدي -بصمت- جوانب من واقع هجرت فيه المساواة شعبا منهكا من استبداد حكومته، مأساة نصف سكان طهران في عهد الشاه في إيران، حيث كان الأطفال في ذلك الواقع هم الأكثر تضررا من غياب التوزيع العادل للثروة بين الإيرانيين.

 

يظهر ذلك في عدة مشاهد، منها مثلا اهتمام علي بإحدى مسابقات المسافات الطويلة، أراد تحديدا أن يحصل على المركز الثالث لأن جائزته حذاء رياضي، يمكن أن يفوز به ويعطيه لأخته، لكن علي يحرز المركز الأول في السباق، نجاحه المحتفى به والكأس الذهبي الذي حصل عليه يُتبع بنظرة شاردة دامعة إلى الحذاء الرياضي.

 

تحمل أفلام مجيدي ثيمة تقدير العالم وتبصُّر في نواحي الجمال فيه وقبول الحياة كما هي، وهو يدمج ذلك في عملية إنضاج شخصياته، حيث يظهر جليا في حوارات الأبطال البسيطة والميل الطبيعي للأبطال نحو الإيمان ببساطة الحياة ومكان الإنسان المتأصل في الطبيعة، لهذا السبب فإن أبطاله غالبا ما يكونون أطفالا عاديين ليسوا بممثلين، ينتقيهم من وسط الزحام(4)، ويصورهم في أفلامه على أنهم أكثر نضجا من الكبار، لكنهم يتمسكون ببراءتهم، من هنا انطلقت الفكرة الأساسية في العديد من أعمال مجيدي.

في فيلم "The Color of Paradise" على سبيل المثال، يحكي مجيد مجيدي قصة صبي كفيف يدعى "محمد محسن رمضاني" ينبذه والده زمنا، يرسله الأب لنجار أعمى بحجة تعليمه النجارة، لكن الأب يهدف لشيء آخر وهو إفساح المجال لنفسه من أجل الزواج، ينتقل الفتى بداية من مدرسته إلى قريته وسط عائلته، ومن ثم إلى قرية النجار، يعود الأب لاصطحابه من عند النجار ليعيده إلى المنزل من جديد بعد فشل مسعاه في الزواج، يتهاوى الجسر في طريق الرجوع إلى منزلهم ويهوي معه محمد إلى ماء النهر الجارف، ثم يقفز الأب لإنقاذه، يستيقظ ليجد ابنه ممددا بجانبه على الشاطئ، تلك هي لحظة استيقاظ الأب من سباته وإبصاره كم أن العالم شاسع كقلبه تماما وكحبه لابنه، تتحرك يد محمد مشيرة إلى السماء، اليد التي أبصرت دوما لون الفردوس الماثل في جمال الطبيعة وما تهبه لها الحياة.

أبطال مجيدي أطفال فقراء، يعوزهم المال لكن لا تعوزهم السعادة، فعلي وزهراء يواصلان عدوهما بين الأزقة، دون شكوى أو التماس مساعدة، يجدان سعادة في أبسط الأشياء ولو في فقاعات صابون، أما شقيقات محمد فيزهون به وهو يقرأ من كتاب برايل، ولا تنس الفرح الذي ينتاب محمد بعد إنقاذه لفرخ صغير سقط من عشه. يبعث مجيدي بهذه الرسالة، بأشكال مختلفة، في كل فيلم.

 

بالعودة إلى "Children of Heaven"، نجده ينتهي بعلي حانيا رأسه والكاميرا تنظر إلى الأسفل في دلالة على الأسف بعد عودته من السباق، تتحاشى زهراء الحديث معه، ويرمي حذاءه الممزق بحزن، ويضع قدميه الداميتين في الماء، لتحيط بهما الأسماك الذهبية. لكننا نلمح حذائين جديدين مخبأين في دراجة والدهما فور وصوله إلى المنزل. ينتهي الفيلم نهاية مفتوحة، فسعي الشخصيات لا ينتهي، كما في الحياة الواقعية.

يقترب المعنى الذي اختتم به مجيدي فيلمه "Children of Heaven" من فيلم "Big Fish"، ففي بلدة سبيكتر الغريبة، يتم ربط حذاء كل شخص ورميه فور وصوله، بغية التحرر من مسؤولياتك تجاه العالم الخارجي، التخلي عن الحذاء في كلا الفيلمين يمكن أن يمنح شيئا من الحرية.

 

أما في فيلم (The Way We Were)، فإن الطالبين هابل (ريدفورد) وكاتي (باربرا سترايسند) يسيران معا في الطريق ذاته قبل أن يمضي كل في سبيله، هي تغبطه على مظهره وموهبته، ويعجب هو بنبوغها السياسي وتفوقها، تجمعهما لحظة هادئة في حانة صاخبة، حين يلاحظ رباط حذائها غير المعقد يربطه لها ويقول: "فلتنطلقي كاتي"، في إشارة إلى أن تخرج إلى العالم بحذائها المعقود، دون خوف من التعثر. (7)

كذلك يعيدنا حذاء علي في نهاية فيلمه لفان جوخ ولوحته "الحذاء"، تصور اللوحة حذاء منفتحا على التأويلات، مهترئا، ومنهكا، ومحملا بالمشاق كحذاء علي، ويهتم الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر في كتابه "أصل العمل الفني" بعرض هذه اللوحة بوصفها مثالا لتحليل جوهر العمل الفني وتعريف الجمال، يقول: "إننا إذا تأمّلنا اللوحة، لا يسعنا بالطبع انتعالهما، إلا أن اللوحة تبيّن لنا أنه حذاء أحد الفلاحين أو إحدى الفلاحات، كذلك تبيّن علاقة هذين الخفّين بشغل الأرض، وهو الشغل الذي استنفدهما واستهلكهما بالقدر الذي شوّههما".

—————————————————————————

المصادر

  1. فيلم "أطفال السماء" وميثولوجيا الأحذية
  2. Majid Majidi’s Children of Heaven is all about finding the silver lining
  3. An interview with award-winning Iranian filmmaker Majid Majidi
  4. I choose my heroes from the crowd: Majid Majidi
  5. Iranian director Majid Majidi on why he set Beyond The Clouds in Mumbai
  6. The Children of Heaven
  7. The symbolism of shoes in the movies
  8. The Origin of the Work of Art, Martin Heidegger
  9. الحذاء في الفن… أقنعة التأويل الفلسفي
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة