ترليونات الدولارات سنويا.. هل يمكن محاربة الجرائم المالية لأثرياء العالم؟

كتب بول بِلتيير، مستشار وأستاذ مساعد في كلية الحقوق بجامعة جورج واشنطن، مقالا نشرته مجلة "الأتلانتيك" يتناول فيه التراجع الكبير في كشف جرائم الاحتيال المالي ثقيلة العيار في الولايات المتحدة، وانخفاض عدد الدعاوى الموجهة ضد المجرمين من ذوي الياقات البيضاء، أو بعبارة أخرى، المديرين والتنفيذيين في كبرى المؤسسات المالية الأميركية.

 

الزمان: موسم تحصيل الضرائب عام 1999. المكان: مدينة ميامي (ولاية فلوريدا)، حيث عملت مدعيا عاما فيدراليا في الجرائم الاقتصادية، وكنت وزملائي أثناء ذلك الوقت من العام نرفع الدعاوى لمكافحة ما سيثبت بعد ذلك أنه تلاعب في الضرائب. كان هدفي هو موظفة إعداد إقرارات ضريبية تدير عملها في حي "ليبرتي سيتي" (بمدينة ميامي)، وتصدر نماذج "دابليو-2 (W-2)" مزورة (نموذج يعطيه صاحب العمل في بداية العام للموظفين يوضح الأموال التي حصلوا عليها وتلك التي دفعوها للضرائب)، وتُصدر كذلك أرقام ضمان اجتماعي مزورة بهدف أن يحصل زبائنها على تخفيضات ضريبية لا يستحقونها أتاحت لهم الحصول على أموال من الحكومة في عمليات مزيفة بلغت قيمتها أكثر من 100 ألف دولار. أدينت الموظفة في الأخير وقضت 3 سنوات تقريبا في السجن، وبالنسبة إليّ فقد اعتبرت الحكم حينها حكما عادلا إلى حد كبير، إذ ارتكبت الموظفة جرما حقيقيا بحق الولايات المتحدة.

 

لم يكن ضرر تلك الجريمة يساوي ولو واحدا بالمئة من الضرر الذي تسبب فيه "روبرت سميث" الملياردير المستثمر في الأسهم الخاصة، فقد اعترف بعملية احتيال ضريبية هائلة، لعلها الأكبر في التاريخ، ارتكبها على مدار 15 سنة على الأقل. بل ووصل به الأمر إلى حد بذل جهود مضنية لإخفاء أكثر من 200 مليون دولار من دائرة الإيرادات الداخلية (مصلحة الضرائب)، ما يعني أنه تهرب من دفع ضرائب تقدر على الأقل بـ43 مليون دولار.

وعلى عكس قضية "ليبرتي سيتي"، لم يُحاكم سميث ولم يُسجن، فقد وكَّل محامين بأتعاب باهظة، نجحوا في التفاوض والتوصل إلى "اتفاق بعدم المقاضاة"، سدد بموجبه سميث بعض الضرائب مع غرامة، في حين بقيت ملياراته دون المساس بها، ولم يضطر لتحمل عبء الوصم بإدانة جنائية.

 

لقد قضيت 27 عاما في مكافحة جرائم وفساد ذوي الياقات البيضاء (المسؤولين والتنفيذيين في الشركات الكبرى) في وزارة العدل، في قسم الضرائب ابتداء، ثم في مكتب المدعي العام بميامي، وأخيرا في القسم الجنائي. وشهدت بنفسي إلى أي حد يمكن أن يكون نظام القضاء الجنائي الأميركي ظالما. فعمليا، يعرف الجميع بشكل أو بآخر أن الأغنياء يحظون بمعاملة أفضل من تلك التي يتلقاها الفقراء. لكنني شهدت الأمر بجلاء شديد، يعيش الأثرياء في واقع قانوني مختلف كليا، وعادة ما يفلت مرتكبو عمليات الاحتيال المالي الصارخ من العقاب. أما إذا ارتكب الفقراء مجرد تجاوز فإنه يدمِّر حياتهم. لطالما كانت هذه المشكلة قائمة، لكنها باتت أسوأ في السنوات الأخيرة. لقد تقدمت باستقالتي في نهاية المطاف من وزارة العدل لأنني لم أعد أرغب في المشاركة في هذا النظام.

 

في منتصف الثمانينيات، حينما عملت في قسم الضرائب، قاضت وزارة العدل 8 آلاف مجرم من ذوي الياقات البيضاء سنويا. بينما شَهِدتُ، في ميامي في التسعينيات، التزام وزارة العدل باستئصال كبار المجرمين ممن ارتكبوا جرائم ادخار وقروض. وفي مطلع الألفية الثالثة، ومع تشكيل "فريق عمل مكافحة احتيال الشركات"، لم يشكك أحد في جهود وزارة العدل التي ركزت على محاسبة المديرين التنفيذيين للشركات بتهم الاحتيال. ثم بدا أن كل ذلك توقف فجأة. وشهد العام الماضي أكبر هبوط على الإطلاق في أعداد الدعاوى الفيدرالية بحق المجرمين من ذوي الياقات البيضاء، إذ وصلت إلى 3500 دعوى تقريبا على مستوى البلاد. فهل كفَّ الأغنياء عن الإجرام فجأة؟ هذا غير مرجح.

ما لاحظتُه هو تجريف مستمر للتركيز المنسق، والقيادة الفعالة، والإرادة السياسية، ما أدى إلى تدهور ملحوظ في قدرة الوزارة وكفاءتها على مكافحة احتيال النخب المالية. ويستحق الكونغرس هنا أن نلقي عليه بعض اللوم أيضا. فمثلا، وبحسب ما نشره موقع "بروبابليكا"، تعود جذور الانهيار الوظيفي لقدرات إنفاذ القانون في مصلحة الضرائب، إلى الفشل في تخصيص موازنة لتوظيف عدد كاف من العملاء الخصوصيين لإجراء التحقيقات، والوقوف على مدى عمق واتساع رقعة الاحتيال الضريبي على مستوى النخبة المالية. ويعتبر قرار الرئيس جو بايدن مؤخرا برفع مخصصات مصلحة الضرائب إلى 80 مليار دولار بداية موفقة، لكن الأموال وحدها لن تحل المشكلة.

 

يسمح هذا الضعف في القدرة على إنفاذ القوانين للاستبداديين الفاسدين والمصرفيين المتواطئين بغسيل تريليونات الدولارات من خلال البنوك الأميركية. وبحسب تقرير أعده مدير مجموعة فولفسبِرغ (تحالف من البنوك العالمية لتقييم مخاطر الجرائم المالية)، جرت جرائم مالية تُقدَّر قيمتها بحوالي 5.8 تريليون دولار عام 2018. وقد نشرت شبكة "باز فيد" تقريرا يشير إلى أنه بين عامي 1999 و2017 تمت، من خلال البنوك الأميركية، أكثر من 200 ألف معاملة مالية مشبوهة بإجمالي 2 تريليون دولار، ويتضح باقتفاء أثر بعض منها أنها أجريت لصالح النُّخب السياسية والاقتصادية الأجنبية الفاسدة. ورغم ذلك، لم تتخذ ضدها أي إجراءات إنفاذ قانونية أو تنظيمية تذكر.

 

عزا الخبراء والأساتذة والسياسيون هذه الإخفاقات القضائية إلى قصور القوانين أو إلى حقيقة أن السلوكيات التي تبدو مشينة بالتدقيق فيها لا تُعَد جريمة في نظر القانون ببساطة. إنني أعلم أن مثل هذه الادعاءات هي انحرافات عن الحقيقة، فمربط الفرس هو كفاءة قادتنا والتزامهم وشجاعتهم لا أكثر.

في الواقع، بدت الأمثلة الفردية الصادرة عن قسم الاحتيال في وزارة العدل، التي تتضمن استخدام البيانات لكشف الاحتيال، بمثابة نماذج يمكن لقادة الوزارة استلهامها إذا ما أرادوا تصحيح المسار. فقد أدانت الفرق الـ15 المخصصة لمكافحة الاحتيال على التأمين الصحي في أنحاء البلاد مئات الأطباء ومسؤولي التأمين الصحي، كما استطاعت حماية ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب عن طريق تتبع بيانات الفوترة في برنامج "مِديكير". وبالمثل، وبواسطة التركيز المكثف على خبرة "لجنة تداول السلع الآجلة" وقدرتها الفريدة على تحصيل البيانات، كافحت وزارة العدل بكفاءة احتيال أصحاب رأس المال الذي تم جهارا نهارا أمام أعين مسؤولي تداول المعادن في أكبر المؤسسات المالية في العالم. ويثبت ذلك أنه يمكن لنا، عن طريق التركيز والإدارة الصائبتين، تطوير منهجيات مركزية لمواجهة الاحتيال المالي الذي لا يجد من يتصدى له.

 

يمكن للمدعي العام المعين حديثا، "مِريك غارلاند"، قيادة وزارة العدل نحو الأفضل. وعلى غارلاند النظر في تعيين مسؤول مخضرم لمكافحة جرائم ذوي الياقات البيضاء، ليقود جهدا وطنيا مستداما لعلاج احتيال الطبقات الواقعة في أعلى السلم الاجتماعي. وبالنظر إلى عمق المشكلة وعمرها، يبدو من الضروري حشد خيرة العقول والكفاءات لتقييم الجرائم المالية لهذه الطبقات بعين ناقدة.

 

إن استعادة النزاهة والإنصاف والثقة في وزارة العدل وفي نظام العدالة الأميركي أمر جوهري للحفاظ على ديمقراطية مزدهرة، وتمنحنا اليوم خبرة غارلاند وما عُرف عنه من إنصاف وتفوق بعض الأمل في هذا الصدد.

——————————————————————————————-

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

عبر 13 فصلا، هي المحطات التي مر بها الاقتصاد المصري الحديث، يستخلص أمين جوهر طرحه بكتاب “قصة الاقتصاد المصري”، دوران الاقتصاد المصري بدورات تاريخية تتأثر لحد كبير بالسياسات الدولية. فكيف حدث هذا؟

14/2/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة