أجسامنا تجبرنا على تناول أطعمة بعينها.. لماذا نحب الشيكولاتة إلى هذا الحد؟

حفظ

في اليوم الذي أبلغتها فيه الشركة التي تعمل بها أنها ستقوم بتجميد التعاقد معها، دخلت كارمن برنال البالغة من العمر 38 عاما إلى مقهى قريب وطلبت كوبا من الكاكاو المُحلى، كان ذلك بعد سنوات من حرصها على تناول القهوة المحلاة بالسكرين، لتجنُّب أضرار السكر الأبيض، ومنذ ذلك اليوم تحولت وجبة إفطارها لتشمل الكاكاو الساخن المُحلى. (1)

ما الذي حدث لتنسى كارمن ما لديها من معلومات طالما تمسكت بها عن أضرار السكر؟ ولماذا اختارت الكاكاو المُحلى؟ لماذا تنتابنا تلك الرغبة الشديدة في تناول طعام معين بحيث لا يكون بوسعنا السيطرة عليها؟

ليس الأمر مقتصرا على الحوامل فقط فيما يتعلق بالرغبة في تناول طعام بعينه في لحظة ما، وبالفعل قد تنبع هذه الرغبة أحيانا من نقص بعض أنواع المغذيات في أجسادنا، بعد يوم سيئ قد تنتابك رغبة لتناول طعام يحتوي على الجبن الذائب مثلا لتشعر بالراحة، هذا يحدث لأن الجبن يحتوي على التريبتوفان، وهو حمض أميني يزيد من إنتاج السيروتونين (الهرمون الذي يؤثر على السعادة)، ولكن الافتقار لعنصر ما لا يُفسِّر تلك الرغبة دائما، وأجسامنا ليست مثالية إلى هذا الحد، لا تنسَ أننا نرغب دائما في خرق أي نظام غذائي صحي بالكثير من الأطعمة غير الصحية التي لا تحتاج إليها أجسامنا بالطبع. (2)(3)

الرغبة في تناول الحلوى على سبيل المثال يمكن أن تعني أن العاطفة تغمرنا، من الشائع أن نتوق إلى الكعك والبسكويت عندما نشعر بالتوتر أو الحزن أو حتى الغضب، وقد يكون ميلنا لتناول المقرمشات وسيلة للتغلب على الإحباط الداخلي أو شعورنا بالانزعاج، فمضغ كيس من البطاطا المقلية يُنفِّس بعض الضيق مؤقتا، رغم أن الإحباط يعود مجددا بمجرد توقُّفنا عن المضغ، ولهذا يرغب البعض في المزيد من المقرمشات. (4)

يقول علماء النفس إن شوقنا لتناول غذاء معين يكشف الكثير عما يجب تغييره بداخلنا، فهذه الرغبة قد تعود لروابط اجتماعية وعاطفية وثقافية وبيئية أحيانا، إذ يرتبط توجُّهنا للطعام أحيانا بمشاعرنا، فعندما نشعر بالحزن أو أننا نستحق المكافأة فإننا نهرع إلى تناول أطعمة بعينها. (5)

إعلان

يشرح رامون دي كانجاس، اختصاصي التغذية والتغذية والطبيب في البيولوجيا الجزيئية والوظيفية، الأمر فيقول: "منذ الطفولة يبدأ المرء في معرفة العالم من خلال براعم التذوق، هكذا نتعرف على الأطعمة ونبدأ في تخزين صلات وتجارب حسية ثابتة إلى الأبد، وبالتالي تبقى بعض الأطعمة ممتعة لنا دائما".(6)

غالبا، الأطعمة التي عرفناها في الطفولة هي أنواع من الشوكولاتة زهيدة السعر وغيرها من الحلوى التي كانت تُقدَّم في المناسبات وأعياد الميلاد، ويبقى ما كنت تستمتع بتناوله في طفولتك ملجأك، وغالبا ما يُطلق عليه "غذاء المأوى".

يقول خبير التغذية أنخيل سوريانو إن أغذية المأوى "هي الأطعمة التي نستهلكها بهدف تجربة بعض المشاعر التي تربطنا بهذا الطعام التي سبق لدماغنا تخزينها في الذاكرة"، ويُضيف أن روائح وأذواق وأحاسيس الطفولة المُخزَّنة في ذاكرتنا تُثير داخلنا تناول هذه الأنواع من الغذاء، فنلجأ إليها بحثا عن هذه المشاعر وعن الشعور بالأمان.(7)

تبقى هذه الأغذية مثل ومضات تنقلنا إلى الطفولة، والسبب موجود في الحصين، وهو مكان في المخ يحتفظ بالذكريات القديمة والمهمة. وهكذا حين تتناول هذه الأطعمة تجد طعم الطفولة فجأة بين شفتيك، تقذف بك إلى أحاسيس ووجوه وروائح ذلك الزمان، بحيث لا يعود يُجدي عدد الكتب التي قرأتها عن النظام الغذائي الصحي وأهميته، خاصة في أوقات التوتر والقلق، التي نلجأ خلالها بشكل متكرر إلى استهلاك الأطعمة التي تمنحنا ذكريات سعيدة وحماية وأمنا وشعورا بالأُلفة.

ومع ذلك، فإن الأمر لا يخلو من مخاطر جانبية. يوضح رامون أن 44% من الإسبان اكتسبوا ما بين كيلوجرام إلى 3 كيلوجرامات من الوزن أثناء عزلتهم بسبب الجائحة، وفق بيانات الجمعية الإسبانية لدراسة السمنة (سيدو)، ويؤكد أن الاقتراب أكثر سيكشف المزيد من القصص وراء زيادة الوزن، فحين تكون احتياجاتنا الأساسية من الطعام متوفرة، فإننا نبحث عن المزيد، عن متعة تناول الطعام، وأطعمة المأوى هي التي تمدنا بالسعادة لأنها تنقلنا إلى لحظة أفضل، إلى الطفولة واللحظات الجيدة حيث الشعور بالراحة والأمان.(8)

ما إن مضت أيام قليلة على إغلاق المنازل في بداية جائحة كورونا حتى تصاعدت من منازلنا رائحة الكعك الشهي. يُرجِّح سوريانو أن كثيرين قد عادوا لتناول الأطعمة عالية السعرات الحرارية التي كانت قد اختفت من نظامهم الغذائي خلال فترة الجائحة، ويُفسِّر ذلك بأن عقولنا تحاول دائما حمايتنا، وأنها إزاء حالة عدم اليقين التي مررنا بها في تلك الفترة أخذتنا إلى أرض مألوفة؛ الشعور بحماية البيت والعائلة من خلال العودة إلى أطعمة الطفولة، إلى الكعكات والشوكولاتة التي اعتاد أغلبنا تناولها قبل عقود قليلة.

عندما لا نشعر أننا بخير يطلب الجسم جرعته من الإندورفين، الهرمون المسؤول عن شعورنا بالسعادة. وأطعمة مثل الشوكولاتة والمثلجات والحلوى هي أكثر ما ينشط هذا الهرمون، وإن كان بمزيد من السعرات الحرارية. ولكن أسوأ ما في الأمر أن هذا النوع من الأطعمة، بسبب محتواه العالي من السكر، يُسبِّب ارتفاع نسبة الجلوكوز في الدم، وتسبقها زيادة مستوى الأنسولين الذي يقوم بتلقي هذا الجلوكوز الزائد ونقله إلى الأنسجة، بعدها يحدث نقص لمستويات السكر في الدم ما يجعلنا نشعر بالجوع ونشتهي الحلويات مرة أخرى، وهكذا تبدأ دائرة التكرار ولا نعود قادرين على السيطرة، ولا عن التوقف عن الشعور بالذنب. (9)

الأمر أكثر تعقيدا مما قد تتخيله، فوراء ما يبدو رغبة بسيطة ومتقلبة في طعام معين هناك شيء آخر خفي، حين نعرفه سيتغير كل شيء، صحيح أن أجسامنا تقوم بعدد من الوظائف دون تدخُّل واعٍ منا، مثل التنفس والشم والسمع والنظر والشعور، لكن حين يرسل إلى المخ إشارات الجوع، هل تتخيل أن تكون الرسالة بأننا في حاجة إلى تناول طعام معين خاطئة؟

إعلان

يبدو أن الأمر كذلك بالفعل، في الحقيقة إذا شعرنا بالجوع فهذا يعني أن الجسم يبحث عن شيء يفتقر إليه، والحل المثالي في هذا الموقف هو مراقبة ما نشعر به، وأخذ نفس عميق ثم الإجابة عن هذه الاسئلة: هل أنا جائع؟ لماذا أريد أن آكل هذا الطعام وليس غيره؟

الأسباب المحتملة وراء الرغبة الشديدة في تناول الطعام هي أنك مصاب بالجفاف، فعندما نشعر بالعطش جدا فإن الإشارة الأولى التي تأتي من دماغنا تُترجَم على أنه الجوع، لذلك يُنصح بشرب كوب من الماء قبل أن تختار تناول أي شيء آخر.

سبب محتمل آخر قد يكون حاجة أجسامنا إلى المعادن، حينها سنشعر برغبة شديدة في تناول الأطعمة المالحة، وقد تكون الرغبة الشديدة مرتبطة بالهرمونات؛ فأثناء الحيض أو الحمل أو انقطاع الطمث يحدث اختلال أو تغير في مستويات هرمون الأستروجين، ويؤدي إلى الوقوع في إغراءات بعض الأطعمة. (10)

الرغبة الشديدة تعني أن أجسامنا بحاجة إلى عناصر غذائية معينة، فالدماغ يراقب باستمرار مستويات العناصر الغذائية الأساسية للجسم مثل المعادن والفيتامينات والأحماض الأمينية والأحماض الدهنية الأساسية. وعندما ينقص أيٌّ من هذه العناصر، يرسل دماغنا رسالة طلب في شكل رغبة في تناول بعض الأطعمة التي تحتوي على تلك المغذيات. (11)

في معظم الأحيان يبدو أن أجسامنا هي التي تقودنا بالفعل، وتُعَدُّ الاستجابة لما تُعبِّر عنه أجسامنا طوال الوقت أسهل ما يمكننا القيام به، لكنه يعني اكتساب مزيد من الوزن دون حل المشكلة الحقيقية، بينما يمكننا بجهد بسيط التعرف على لغة الجسم وما يعنيه ذلك بشأن مشاعرنا، وفك رموز المعاني الحقيقية لرغباتنا.

بوسعنا السيطرة على الرغبة الشديدة في تناول الأطعمة غير الصحية، فقط باستبدالها ببعض الأطعمة التي تحتوي على تلك العناصر الغذائية التي نفتقر إليها، ما علينا أن نفهمه إذن هو النقص الغذائي وراء كل شغف، فهذا يجعلنا قادرين على رؤية أوضح وأكثر تحديدا لما يقلقنا ويُمكِّننا من معالجته بالشكل الصحيح، ما يجعل أجسامنا وعقولنا أكثر صحة (12)، (13)، وهذا بعض ما يمكنك فعله:

  • عليك بداية ألا تخلط بين الشعور بالجوع والشعور بالعطش، ليكن أول ما تقوم به لدى الشعور بالجوع هو الشرب للتأكد من أن الجسم لم يخدعك.
  • ابتعد عن الثلاجة، اشغل عقلك بشيء آخر حتى لا تجد نفسك في المطبخ أمام الثلاجة تأكل أي شيء لا تحتاج إليه في الحقيقة.
  • لتكن الفاكهة بديلا مثاليا في مواجهة هذا الشعور، واختر طبقا متعدد الألوان، فهو يساعد في توازن الطاقة ويُحسِّن الصحة والتفكير المنطقي.
  • إن كان لا بد من الحلوى في المناسبات فحاول أن يكون لك بدائل من الحلوى الصحية.

  • لا مفر أمامنا من ربط الذكريات بأطعمة معينة، لكن تذكَّر أيضا أننا نحتاج إلى تغذية أجسامنا بشكل صحيح لتكون صحية وطويلة العمر، لذلك لا تدع الطعام يكون أداة لإدارة مشاعرك.
  • في أوقات التوتر أو الحزن أو عدم اليقين، نكون في حاجة إلى مشاعر إيجابية نواجه بها هذا القدر من المشاعر السلبية، وبدلا من اللجوء إلى الأطعمة المليئة بالسكريات المضافة يمكنك ممارسة الرياضة التي تُولِّد الإندورفين وتمنحك شعورا بصفاء الذهن، فتكون قادرا على مواجهة المشاعر السلبية وحل مشكلاتك.
  • حدِّد "أطعمة المأوى" التي تلجأ إليها، وحين تشعر أنك في حاجة إلى تناولها، واجِه الشعور الذي تحاول دفنه، شيئا فشيئا ستصبح أكثر وعيا بأسباب استهلاكك لها، وبقليل من قوة الإرادة يمكنك أن تُقرِّر التخلي عن تناولها. (14)، (15)

__________________________________________________________

 المصادر:

  1.  Por qué los ‘alimentos refugio’ nos dan seguridad a cambio de unos kilos de más (y están en pleno auge)
  2. Las razones por las que sentimos antojos por determinados alimentos
  3. ¿Por qué tenemos antojos?
  4.  Las razones por las que sentimos antojos por determinados alimentos
  5. Por qué los ‘alimentos refugio’ nos dan seguridad a cambio de unos kilos de más (y están en pleno auge)
  6. المصدر السابق
    Alimentos refugio: cuando el estrés y la nostalgia te engordan
  7. Por qué los ‘alimentos refugio’ nos dan seguridad a cambio de unos kilos de más (y están en pleno auge)
  8. Alimentos refugio: cuando el estrés y la nostalgia te engordan
  9. ¿Por qué tenemos antojos?
  10. Cómo controlar los antojos de comida
  11. Alimentos refugio: cuando el estrés y la nostalgia te engordan
  12. المصدر السابق
    Lo que los antojos revelan sobre sus emociones
  13. Los antojos revelan nuestras emociones… ¡escucha a tu cuerpo!
إعلان
المصدر: الجزيرة
كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان