هل سياسات توزيع لقاح "كوفيد-19" لا تتخلى عن أحد؟

عندما أُعلن عن اعتماد لقاح فيروس "كوفيد-19" في نهاية عام 2020، تنفَّسنا جميعا الصعداء، وانطلقت حملات التطعيم الجماعية ضد الفيروس بعد ذلك بوقت قصير، وبدأنا التفكير في شكل الحياة بعد "كوفيد-19". ومع ذلك، يرى عدد كبير من الأشخاص حول العالم أن عام 2021 قد يكون أسوأ بكثير من عام 2020. فعلى سبيل المثال، تتأهَّب مناطق في جنوب قارة أفريقيا للتصدي للموجات الثالثة، بل والرابعة، من الجائحة في عام 2021. وعلى الرغم من التجارب المتعددة التي تُجرى في جنوب أفريقيا لتحديد سلامة اللقاحات وفعاليتها، لا تتوقع هذه الدولة أن تكون قادرة على توفير اللقاحات حتى لرُبع سكانها خلال العام المقبل. وفي أماكن أخرى، تسود مشاعر اليأس مع تأجيل الآمال بالحصول على اللقاح إلى عام 2022.

 

كيف حدث ذلك؟ ألم نتعهَّد بشكل جماعي في أجندة 2030 وفي ضوء أهداف التنمية المستدامة بـ "عدم التخلي عن أحد"؟ من بين الأسباب الرئيسية لحدوث ذلك هو أن الحكومات تبذل جهودا لخدمة مواطنيها وإنعاش اقتصاداتها. فقد قدمت بعض الدول التزامات سابقة بشراء اللقاحات، حتى قبل اعتمادها. وبسبب القيود العالمية التي تُصعِّب من إنتاج اللقاح، تُشير التقديرات إلى أن الإمدادات من اللقاحات قد خُصِّصت بالفعل خلال الفترة المقبلة على مدار زمني يتراوح ما بين 6-9 أشهر. وتُشَكِّل مبادرة كوفاكس الدولية التي تهدف إلى ضمان الوصول إلى لقاحات "كوفيد-19" في جميع أنحاء العالم خطوة إيجابية في هذا الصدد. ويَتمثَّل هدف المرحلة الأولى من المبادرة في توفير اللقاحات لنسبة 20% من السكان في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. ومع ذلك، لا تزال المبادرة تعاني من نقص التمويل بدرجة استدعت رئيس منظمة الصحة العالمية إلى التحذير من حدوث "فشل أخلاقي كارثي".

 

وبالعودة إلى جنوب أفريقيا، نسمع في وسائل الإعلام الدولية أن هناك عوائق اقتصادية وثقافية تَحُول دون عملية توزيع اللقاحات. ومع ذلك، لم تمنع هذه التحديات من إجراء تجارب على استخدام اللقاح بوتيرة قياسية، وهو ما سمح باعتمادها. وعندما وقع الاختيار على دولة جنوب أفريقيا لإجراء تجارب سريرية للقاحات متعددة، لم نسمع عن العوائق الثقافية، ونحن نسمع عنها الآن فقط بعد أن ثبُت أن اللقاحات آمنة وفعالة، إلى جانب المبررات التي تشرح سبب عدم حصول أنحاء كبيرة من العالم على اللقاحات.

 

هناك الكثير من العقبات التي تعترض طريق توزيع اللقاحات بطريقة أكثر عدلا، حيث لا تمتلك العديد من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل القوة المالية أو النفوذ السياسي اللازم لدفع نفسها إلى الصفوف الأمامية. وستواجه المناطق الريفية في جنوب أفريقيا تحديات لضمان الاحتفاظ باللقاحات في درجات حرارة شديدة البرودة طوال سلسلة التوريد، كما هو مطلوب في بعض اللقاحات المتاحة حاليا.

 

وقد بدأنا نرى عمليات إعادة فتح طرق السفر، مع استمرار جهود التعامل مع الجائحة وبدء حملات التطعيم. ومع ذلك، من المحتمل أن يواجه الأشخاص الذين تخلَّينا عنهم المزيد من القيود طويلة الأمد، حيث سيُمنع البعض من ممارسة أنشطتهم اليومية، وستُفرض إجراءات الحجر الصحي الصارمة عليهم. وقد يحتاج المرء إلى تصريح للتنقل، تماما كما هو الحال مع قوانين المرور في جنوب أفريقيا التي أبقت بعض الأشخاص في حالة من العزلة التامة.

 

كتبت في الآونة الأخيرة، بالتعاون مع بول مكانادواير وشازيا صدف، بحثا عن جائحة "كوفيد-19" في مالاوي نُشِر في دورية "ذي أفريكان جيوجرافيكال ريفيو". وقد تأثرت مالاوي بشدة من وباء فيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة (الإيدز). وبالنظر إلى الدروس المستفادة من الماضي، نجد أن فيروس "كوفيد-19" يتبع أنماطا وبائية مماثلة لأنماط فيروس الإيدز. وتساهم تركات الاستعمار وبرامج التكيف الهيكلي التي يفرضها الغرب في هشاشة الأنظمة التي تُحَوِّل حالات الطوارئ الصحية مثل جائحة "كوفيد-19" إلى كوارث إنسانية. وفي وقت كتابتي لهذا المقال، كان شعب مالاوي قد دخل في حالة حداد مع وفاة وزيرين في حكومة بلادهم بسبب فيروس "كوفيد-19".

 

ويأمل المالاويون، والناس في جميع أنحاء البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل على نطاق أوسع، في الحصول على لقاح فيروس "كوفيد-19" مع مشاهدتهم لحملات التطعيم على شاشات التلفاز في منازلهم. ومع ذلك، هناك مؤشرات على أن آمالهم في الحصول على لقاحات خلال عام 2022 قد تتعقَّد بسبب اندلاع موجة ثانية من الطلب على اللقاحات، وليس من فيروس "كوفيد-19" نفسه. ولكن لماذا قد يكون هذا هو الحال؟ قال الرئيس التنفيذي لشركة موديرنا مؤخرا إن اللقاح سيوفر "حماية محتملة لبضع سنوات". فماذا سيحدث في عام 2022 إذا استدعت الحاجة الحصول على إمدادات جديدة من اللقاح مرة أخرى؟

 

وقد يكون هناك سبب آخر لتبدُّد هذه الآمال: فمع زيادة عدد حالات الإصابة بفيروس "كوفيد-19" على مستوى العالم، هناك احتمالات لحدوث طفرات تؤدي إلى ظهور أنواع جديدة من الفيروس. واللقاحات الموجودة حاليا قادرة على التعامل مع بعض التغيرات والطفرات ولا تزال تحافظ على فعاليتها. ولكن ماذا لو احتجنا إلى إنتاج لقاحات جديدة للتعامل مع السلالات المستجدة؟ من المُرجَّح أن يتخلَّف الفقراء عن الركب مرة أخرى.

 

حدَّدت أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة هدفا يتمثَّل في "عدم ترك أي شخص يتخلف عن الركب" و"البدء بأكثر مَن يتخلفون عنه". ونحن نراقب الوضع مع طرح هذه الأهداف جانبا في ظل تصاعد النعرات القومية المتعلقة بأولوية تلقي اللقاح. وقد ترسَّخ هذا الوضع من خلال مصطلح "علاوة المواطنة" الذي طرحه برانكو ميلانوفيتش، الاقتصادي المعروف بعمله في توزيع الدخل ورصد مظاهر عدم المساواة، وهو مصطلح يُشير إلى مظاهر غياب المساواة التي نتعرَّض لها جميعا بحكم مكان الولادة، بالإضافة إلى عدم المساواة في القدرة على اكتساب جنسيات جديدة، ويتعرَّض أشخاص آخرون لعقوبات بسبب فقرهم.

 

ويتطلَّب تحويل سيناريو الوضع الراهن الذي يزخر بحالات عدم المساواة على المستوى العالمي إحداث تَحوُّل جذري، وإعادة تَصوُّر قيمة الأشخاص وماهيتهم، وليس ماهية جواز السفر الذي يحملونه أو المكانة التي يتمتعون بها. ولسنا بحاجة إلى طرح أفكار جديدة في حد ذاتها. ويكتب الفيلسوف أشيل مبيمبي عن تجارب عالمية يمكن أن تعمل بوصفها عاملا موحدا لإنسانيتنا الجماعية، بما في ذلك حقنا في التنفس. ونحن نُشبِّه الإنسانية بوصف النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قال: "كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى". وما نحتاج إليه هو تجسيد هذه الأفكار وتقنينها، ويتطلَّب الأمر وجود قيادة جريئة وشجاعة لتوجيهنا في اتجاهات جديدة، ونقلنا إلى آفاق جديدة.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة