لماذا تتراكم الأعمال اليومية ولا نلتزم بقوائم المهام؟

لا بد أنكم حاولتم مرارا تنظيم أوقاتكم ومهامكم بحيث تُحقِّقون فعالية أكبر في الدراسة والعمل، ولا شكَّ أن هذه المحاولات مرّت بالجدولة اليومية أو "تو دو ليست"، لكننا سرعان ما نحيد عن الجدول الذي وضعناه لأنفسنا، فهل الذنب ذنبنا نحن أم أنه بنية اقتصادية اجتماعية بالكامل تستفيد من الوضع القائم لمصالحها الخاصة، وكيف نكسر دورة التسويف هذه؟

 

إحدى الشكاوى المنتشرة في القرن الحادي والعشرين أن الحياة لم تكن مزدحمة كما هي عليه اليوم، لكن البعض قد تشغله هذه الفكرة أكثر من غيره. وفقا لـ "ليانا ساير"، مديرة "مختبر استخدام الوقت" بجامعة ماريلاند، يشعر كثير من الأميركيين، الموظفين أو المتزوجين أو الآباء أو طلبة الجامعات على حدٍّ سواء، بأنهم يفتقدون إلى الوقت الكافي، أو أن الوقت لا يكفي هذه الأيام عما كان عليه الحال قبل عدة عقود من الزمن، وتشعر الأم العاملة والعاملون بنظام المناوبات بالعبء على نحو خاص جرّاء الأمر.

 

إجمالا، لا يبدو أن مشاعر الانشغال قد ازدادت على مستوى البلاد، وبالتالي فمن الصعب القول إن هذه الأحاسيس موجودة لدى الجميع. لكن ثمة اثنان من التطورات التي تجعل وقت مجموعة لا يُستهان بها من الأميركيين أكثر ازدحاما كما تقول "ساير"، وهما أن نصيبا أكبر من الناس يضطلع "بأدوار اجتماعية" مختلطة، كالعمل والشراكة العاطفية والأبوة، وأن التوقعات في كل واحد من هذه المجالات قد تعاظمت. وكما تقول، فإن ازدياد الانشغال عائد إلى "الشعور بأن ثمة المزيد من الأشياء للقيام بها، والشعور بأن عليك "القيام بأفضل ما بوسعك" في هذه الأدوار جميعا وإلا فشلت كشخص".

 

والمكان البسيط إنما المكتظ الذي تتداخل فيه هذه الالتزامات على اختلافها هو "قائمة المهام" أو ما يُعرف بـ "To-do list". لطالما شعر الأميركيون بأن لديهم الكثير من المهام للقيام بها، لكن في العقود القليلة الماضية، يبدو أنَّ هذا الشعور قد ازدادَ انتشارا وحِدَّة، مع ظهور سلالات جديدة من المهام واستنزاف الطاقات الذهنية المحدودة للناس بفعل تغييرات الاقتصاد الحديث. بالنسبة للعديد من الناس، تعاني قوائم المهام تلك، سواء كانت مكتوبة أم ذهنية، نوعا من الانزلاق اللا نهائي، فالوصول إلى آخرها يبدو أمرا غير قابل للتصور.

ربما كان السبب وراء طول العديد من قوائم المهام هو أن هناك المزيد من الأشياء للقيام بها ببساطة. وفي كتابه الصادر عام 2015 بعنوان "عمل الظل: الوظائف غير المرئية وغير المدفوعة التي تملأ يومك"، صنَّف الكاتب كرايغ لامبارت عددا مهولا من المهام المنتشرة اليوم بفعل التقدم التكنولوجي الذي حصل في آخر 30 أو 40 سنة الماضية: الانتباه إلى وارد بريدك الإلكتروني، إدارة كلمات المرور الخاصة بك، حجز مكان إقامتك في السفر، البحث عن أعراض الحالات الصحية عبر الإنترنت، مسح الأسعار إلكترونيا عن حاجيات التسوق، البحث عن منافذ خدمة الزبائن عبر الإنترنت، الإجابة عن استبانات الجودة للزبائن، التحقق من حقيبتك في أكشاك المطارات، وهلمّ جرا.

 

بينما نحن نؤدي هذه المهام يتقدم الوقت مسرعا بنا كما يقول لامبارت: "إنهم يقضمون دقيقة من وقتك هنا، وخمس دقائق من وقت فراغك هناك، ثمَّ ما تلبث أن تكون فقدت ساعة كاملة من نهارك". والعديد من هذه "الاقتحامات للوقت غير المنظم" ليسَ بمحض المصادفة، إنَّ الأعمال التجارية والمنظمات تستفيد من "إقحام نفسها في وقت فراغك" بدلا من توظيف مزيد من اليد العاملة للقيام بها. على مدار السنوات الماضية، ساهمَ هذا الدافع لتوفير اليد العاملة في أطنان من أعمال الظل، مثل تعبئة الغاز بمفردك أو انتظار وكيل خدمة الزبائن.

 

ومع أنَّ التكنولوجيا جعلت الحياة أكثر راحة، لكن بإمكانها أيضا أن تلتهم وقتنا بطرق يصعب تمييزها. وأخبرني لامبارت أنه حاول مؤخرا الحصول على طوق مشعّ لكلبته بحيث يتمكن من تحديد موقعها بسهولة بعد مغيب الشمس في الأرجاء. الطوق الأول لم يثبت حول عنقها، أما الثاني وقد لاءمها، فقد تطلّب مكالمتين هاتفيتين مع خدمة الزبائن، الأولى لمعرفة كيفية تثبيته، والثانية لطلب استبداله إذ لم يكن الطوق يشحن الكهرباء بشكل صحيح.

 

كانت المأساة برمّتها دراسة حالة أو نموذجا في عمل الظل. نعم، لقد أتاح له الطوق أن يتسلّى مع كلبته حيثما شاء ووقتما أراد، لكن توفيره استنزف وقتا لا يُستهان به. قبل عصر التسوق الإلكتروني وتكنولوجيا الأطواق المضيئة رخيصة التكلفة، قال لامبارت إنه كان ليأخذ كلبه إلى مكان تتوفر فيه إنارة ليلية أفضل بكل أريحية.

التوتر الذي يُولِّده عمل الظل، كما هو توتر العمل المدفوع، يأتي من حقيقة أن الإنترنت يُتيح لك القيام بالأمر في أي ساعة شئت. يعتقد لامبارت أننا نحقق "الوقت المهدور الفعلي" بسهولة أقل في هذه الحالة: "حتّى إن لم تكن تقوم بمهمة عبر الإنترنت، فإنها تستولي على اهتمامك لمجرد أن القيام بها في أي وقت أمر ممكن". كان يتولّد شيء من الإحساس بالراحة عندما كانت المتاجر تُغلق في ساعات الليل.

 

تعالج "قوائم المهام" عمل الظل من منطلق الكمية والحجم فقط. لكن من المهم أيضا الأخذ بعين الاعتبار الطاقة الذهنية التي يتطلبها هذا العمل من الناس. وهذه هي الفكرة عينها التي أثارتها الكاتبة هيلين بيترسون في كتاباتها حول الاحتراق الذهني، وهو أرق مستفحل شالٌّ ينتشر في أوساط جيل الألفية، وتنسب بيترسون جزءا كبيرا منه إلى الضغط المتواصل الذي تُسلِّطه رغبة هذا الجيل في العمل المثالي.

 

استلهمت بيترسون استقصاءها في الاحتراق الذهني من نمط لاحظته في سلوكها الشخصي، من انعدام قدرتها على تنفيذ المهام المتراكمة، مثل تحديد موعد مع أخصائي الأمراض الجلدية وتنظيف فرش السيارة. وفي مقالة كتبتها عام 2019 لشبكة "بازفيد"، تقول: "كنت أضع مهمة معينة على جدولي الأسبوعي ثم أدحرها للأسبوع التالي، وتظل تطاردني لشهور"، وسمّت هذه الحالة "بالشلل الدوري".

بنظرة فاحصة إلى هذه المهام المراوغة، لاحظت أن معظمها بدا "ذا أولوية متوسطة"، بالإضافة إلى أشياء غير مستعجلة "تتطلب جهدا عاليا وعائدها المعنوي منخفض"، ينبغي الانتهاء منها في نهاية المطاف لكنها لن تُحسِّن حياتها إلى حدٍّ كبير. وتُحاجج بيترسون بأنَّ الاحتراق الذهني في أبسط أشكاله يُسبب الشلل الدوري من حيث إنه يستنزفنا نفسيا، فالتوتر والعمل المفرط يُتيحان طاقة ذهنية أقل للتعامل مع أي شيء غير مُلِحّ (أو ذي أولوية متوسطة). إضافة إلى ذلك، تربط بيترسون الاحتراق الذهني بحاجة الناس إلى الشعور دائما بأنَّهم يعملون بكفاءة أو بالحاجة إلى تحسين حالتهم الذهنية أو أجسامهم أو مكانتهم الاجتماعية بطريقة ما. والأعمال الرتيبة التي لا تندرج تحت أيٍّ من الفئتين تتراجع بديهيا في الأولوية وتتحوَّل إلى ترسُّبات عنيدة على قوائم المهام.

 

قد تساعد هذه التفسيرات في إزالة الغشاوة عما يُمكن أن يبدو للمتفرج العادي سلوكا غير مُجْدٍ، عندما يتفادى الناس المهمات الرتيبة، تستشعر بيترسون محاولة منهم "للنزول عن مسار قائمة المهام". وتكتب بيترسون عن فئة جيل الألفية، لكن الناس من الفئات العمرية كافّة يختبرون تراجعا في الطاقة الذهنية المطلوبة لقوائم المهام بسبب ما يطلبه منهم الاقتصاد. وهذا لا يتعلّق فحسب بعدد ساعات العمل، وإن كانت هذه الساعات قد ازدادت على مدار العقود الماضية بالنسبة للأميركيين من حملة الشهادات الجامعية.

 

يناقش كال نيوبورت الأستاذ بجامعة جورج تاون موضوع الإنتاجية من حين لآخر عبر برنامجه الإذاعي، وفيما يخصّ وظائف المعرفة، يقول: "لقد ازداد حجم الأشياء المختلفة التي تواجهها خلال يوم العمل إلى حدٍّ كبير". ويعتقد أنَّ الإرهاق يُصعِّب العمل على قوائم المهام بعد انتهاء ساعات الدوام، وبالتأكيد إنَّ إجهاد عمل المناوبات والمناوبات الفجائية يحمل خسائره النفسية الخاصة على العاملين في وظائف الأجور المتدنية.

 

في غضون وقت انتهاء الأميركيين من عملهم والالتفات إلى قوائم المهام، تبدو لديهم طاقة ذهنية أقل للانتهاء من الأعمال الرتيبة الدورية سواء كانوا من أبناء جيل الألفية أم سواهم. هذا المزيج المدمر، حيث هناك الكثير من الأشياء للقيام بها والقليل من الطاقة للقيام بها، لا يبدو أنّه أمر يسهل التخلص منه، لا سيما من قِبَل شخص أعزل.

تجد بيترسون شيئا من المواساة في الحديث عن تعاستها على الأقلّ، لكنّها في نهاية المطاف تدعو إلى "تغيير يقلب النظام" في حياة العائلة والعمل الأميركيتين. العلاجات النهائية لعمل الظل والاحتراق الذهني ينبغي أن تكون بنيوية، لكن بالنظر إلى أن الكثير من عواقبهما حتمي حاليا، ربما كان لدينا بعض الأشياء التي يستطيع الأفراد القيام بها لجعل الحمل أخفّ وطأة. لا تتمحور هذه الأشياء حول تشجيع الإنتاجية لأجل الإنتاجية ذاتها، وإنّما حول مساعدة الناس في اجتياز قوائم المهام بقلق أقل.

 

بادئ ذي بدء، هذه المشكلات ليست ذنب قوائم المهام نفسها، وينظر نيوبورت إلى هذه القوائم على أنها "تكنولوجيا محايدة"، فهي حاوية لتخزين الالتزامات، ويقول: "أن تحتفظ بكل الأشياء التي يتعيّن عليك القيام بها في مكان ليس دماغك" يتطلّب طاقة ذهنية أقل، ويُسبِّب توترا نفسيا أقل. لكن بالنسبة للأشخاص الذين يشعرون بأنَّ أمامهم الكثير من المهام للانتهاء منها، يقول نيوبورت: "إنَّ بناء قائمة مهام ومحاولة الانتهاء منها لا يتعلق بشكل شبه مؤكد بصعوبة ما تحاول القيام به"، وأوصى باتباع أسلوب أفضل وأسهل.

 

تبدأ العمليّة بتحديد "المسائل الكبرى"، المهمة "التي تبلغ من الكِبر ما لن تقول معه "ليس لديّ شيء أفعله"، أو "أمامي ساعات من الراحة"، أو" فلنذهب إلى الساحل". وبما أنَّ الناس عادة ما يترددون في الانتهاء من "المسائل الكبرى" فورا ودون تخطيط، فإنّه سيكون من المفيد تحديدها سابقا في وقت خلال الأسبوع القادم. ثمّ التفت إلى المهام الأصغر، وينصح نيوبورت بالقيام بمسح يومي لقائمتك والاعتناء بشيء من المهام الروتينية الأقل إلحاحا. يمكن لهذا النظام أن يكون فعّالا بسبب اعتبارين اثنين. أولا، بحسب نيوبورت "إنَّ الجدولة السابقة للمهام الكبرى تضمن لك الانتهاء منها عندما يحين الوقت للقيام بها"، والثاني أن المسح اليومي يُحفِّز التقدم الثابت، "إنَّك تكسر الدارّة، فأنت تقوم بشيء مُنتِج يوميا وهذا يضيف إلى الزخم".

 

من نافلة القول إنَّ إصلاح قوائم المهام لا يحل كل مشكلات عمل الظل والاحتراق الذهني. كما أنَّ هذا النوع من التخطيط السابق صعب جدا لمَن لا يملكون الوقت أو المال الكافيين بسبب العمل أو الأبوّة أو كليهما. لكن بعيدا عن تغييرات السياسة والثقافة الأميركية، فيبدو أنها إحدى الإستراتيجيات القليلة المتاحة لوضع حدٍّ لتكدُّس قوائم المهام.

———————————————————————————————–

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة