كساد الجائحة.. بعد شهور من "كوفيد-19" ما الذي سوف يتغير مستقبلا؟

يحاول التقرير التالي من مجلة "فورين أفيرز" الأميركية تفحّص المسار المتوقع للاقتصاد العالمي في ظل الاستجابة الحالية. ويضع المؤلفان، كارمن رينهارت وهي مدير الاقتصاديين في البنك الدولي وأستاذ النظام المالي العالمي بجامعة هارفارد كينيدي، وفينسنت رينهارت مدير الاقتصاديين في معهد ميلون، ثلاثة مؤشّرات على بطء تعافي الاقتصاد؛ الأوّل هو مدى الخراب الذي طال سوق الصادرات، لا سيما في الأسواق الناشئة التي تعتبره موردا أساسيا، المؤشر الثاني هو طريقة الاستجابة لمشكلة البطالة وتأثير الجائحة على عمال المهارة المتدنية والمتعلمين في البلدان الفقيرة، والثالث هو التغييرات الاجتماعية داخل البلدان المتقدمة وفيما بينها بما سوف تُوجبه من لجوء لسياسات التعصب القومي وعداء المهاجرين.

 

تفرض جائحة "كوفيد-19" تهديدا فريدا من نوعه على سكان العالم. ومع أنه ليس أول مرض يتفشى في أرجاء الأرض، لكنه الأوّل الذي تُواجهه الحكومات بهذه الشراسة. حاولت جهود الاحتواء -بما تتضمنه من إغلاقات ومنع سفر- إبطاء وتيرة انتشار العدوى هادفة للحفاظ على الموارد الطبية المتاحة. لتمويل هذه الموارد وتدابير صحية أخرى، عملت الحكومات من حول العالم على توظيف القدرات الاقتصادية على مستوى قلّما شوهد من قبل.

 

مع أنها سُمّيت "أزمة مالية عالمية"، فإن المنحدر الذي بدأ عام 2008 إنما كان، إلى حدٍّ كبير، أزمة مصرفية في 11 اقتصادا متقدما. فبفضل النمو الاقتصادي الهائل في الصين، والأسعار المرتفعة للسلع، والميزانيات العامّة الحذرة لتلك الدّول، برهنت الأسواق النامية على مرونة عالية خلال الأزمة العالمية الأخيرة. أما التباطؤ الاقتصادي الحالي فمختلف، ذلك أن الطبيعة المشتركة لهذه الأزمة -فيروس كورونا المستجد لا يولي اعتبارا للحدود القومية- قد أدخلت مزيدا من بلدان المجتمع العالمي في ارتكاسة فاقت أي ارتكاسة أخرى في أي زمن آخر منذ زمن الكساد الكبير. نتيجة لذلك، لن يكون التعافي متكافئا مع العنف ولا السرعة التي اتّسم بها التراجع. وفي النهاية، فإن السياسات المالية والنقدية المستخدمة في مواجهة الانكماش سوف تكتفي بالحد من، بدلا من إنهاء، الخسائر الاقتصادية، تاركة وراءها فترة زمنية طويلة قبل أن تستعيد تلك الدول موقعها الذي كان عند بداية عام 2020.

ولّدت الجائحة انكماشا اقتصاديا هائلا سوف تتبعه أزمة اقتصادية في العديد من بلدان العالم، مع تراكم قروض الشركات المتوقفة عن العمل إلى جانب عمليات الإفلاس. ويُتوقَّع أيضا أن تتفاقم عمليات الإفلاس السيادي* في الدول المتقدمة. سوف تأخذ هذه الأزمة منعطفا مماثلا لذلك الذي أخذته الأزمة السابقة، غير أنه أسوأ وقعا، إذ هو يتناسب مع مستوى ونطاق الانهيار الحاصل في النشاط الاقتصادي العالمي. كما أن الأزمة سوف تطول الأسر المعيشية والبلدان ذات المداخيل الأدنى بشكل أقسى من الآخرين في الدول المتقدمة. ولا ريب في ذلك، إذ يُقدِّر البنك الدولي أنه سيُدفع بـ 60 مليون نسمة إلى الفقر المدقع من جرّاء الجائحة. نتيجة لذلك، يمكننا أن نتوقع اختلافا في طريقة عمل الاقتصاد العالمي، لا سيما مع انزلاق الميزانيات العامّة في العديد من البلدان إلى الهاوية أكثر من ذي قبل وتوقف مسيرة العولمة التي أخذت سابقا تسير بلا هوادة.

    

في آخر تحليل له، يتوقّع البنك الدولي أن الاقتصاد العالمي سيشهد انكماشا بنسبة 5.2% في عام 2020. ومؤخرا، نشر مكتب إحصائيات العمل في الولايات المتحدة أسوأ أرقام البطالة الشهرية على مدار 72 سنة والتي تسجّلها الوكالة أولا بأول، وتتوقّع معظم التحليلات أن أرقام البطالة في الولايات المتحدة ستظل مؤلفة من منزلتين خلال منتصف العام القادم. وحذّر "بنك إنجلاند" من أن بريطانيا ستواجه هذه السنة أكبر تراجع لها في الإنتاج منذ العام 1706. بلغ هذا الوضع من الذعر أن استحق معه تسمية "كساد"؛ كساد الجائحة. لسوء الحظ، فإن ذكريات الكساد الكبير قد أوجست في نفوس الاقتصاديين وغيرهم خيفة من استخدام هذه الكلمة، بما أن تراجع ثلاثينيات القرن الماضي قد أوغل في التخريب بما بلغ من عمق ومدة زمنية، وعلى نحو كان من المستبعد تكراره. لكن القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانا مليئين بالكساد. ويبدو من قلة الاحترام لكثيرين ممن يفقدون وظائفهم ويغلقون أعمالهم التجارية استخدام مفردة أقل من هذه لوصف الكارثة.

 

يعتبر علماء الأمراض أنّ فيروس كورونا الذي يُسبِّب مرض "كوفيد-19" فيروس مستجد، ويترتب على ذلك إذن أن يُثيرَ انتشاره ردّات فعل جديدة من جهات عامّة وخاصة على حدٍّ سواء. فالنهج المتفق عليه لإبطاء انتشار الفيروس يُباعد بين العمّال ومصادر رزقهم وبين المستهلكين وأسواقهم. وإن افترضنا عدم وجود موجات ثانية أو ثالثة من النوع الذي رافق جائحة الإنفلونزا الإسبانية بين عامي 1918-1919، فإن هذه الجائحة سوف تسلك منحنى يأخذ شكل حرف "V" بالمقلوب من الإصابات والوفيات المتصاعدة التي سرعان ما تبدأ بالهبوط. لكن حتّى إن وقع هذا السيناريو، فالمتوقّع أن الجائحة سوف تراوح مكانها في عدد من المناطق حول العالم.

الكساد الكبير

حتى اللحظة، لم يكن وقوع المرض متزامنا، وتراجع عدد الحالات الجديدة في الصين أولا ثم تبعه أجزاء من آسيا، ثمّ في أوروبا، ومن ثم بتدرُّج أكبر في أجزاء من الولايات المتحدة (قبل أن يبدأ بالتصاعد من جديد في بعض الولايات الأخرى). في أثناء ذلك، كانت بؤر اشتعال "كوفيد-19" تظهر في مناطق بعيدة بُعدَ البرازيل والهند وروسيا. في هذه الأزمة، كان الاضطراب الاقتصادي يتقفى أثر الجائحة حثيثا، وقد ألحق هذا الفتك ندوبا غائرة بالنشاط الاقتصادي العالمي.

 

بعض الاقتصادات المهمة تعاود نشاطها حاليا، وهي حقيقة نجد انعكاسها في الظروف المتحسنة للأعمال التجارية في أرجاء آسيا وأوروبا والتبدل الحاصل في سوق اليد العاملة في الولايات المتحدة. أما وقد قلنا ذلك، فلا ينبغي لنا الخلط بين الانتعاش والتعافي. في أسوأ الأزمات الاقتصادية كافة منذ منتصف القرن التاسع عشر، تطلّب الأمر معدّل ثماني سنوات لكي يعود الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات ما قبل الأزمة. مع المستويات التاريخية من المساعدات المالية والنقدية، قد يتوقع الواحد منا أن أداء الولايات المتحدة سيكون أفضل من غيرها. لكن معظم البلدان لا تمتلك القدرة على تعويض الأضرار الاقتصادية التي أنزلتها جائحة "كوفيد-19″. الانتعاش الجاري حاليا ما هو إلا بداية نفق طويل في الخروج من هوّة سحيقة.

 

مع أن أي نوع من التوقع في ظل هذه البيئة سيُردَى برصاص الشك، غير أن ثمة ثلاثة مؤشرات توحي بأن الطريق إلى التعافي سيكون طويلا. الأول هو مؤشر الصادرات. مع إقفال الحدود انكمش الطلب على السلع، في ضربة قاصمة لاقتصادات التصدير. وحتى ما قبل الجائحة، كان العديد من المصدّرين يواجهون الضغوطات سلفا. بين عامَيْ 2008-2018، كان النمو التجاري العالمي قد انخفض إلى النصف، مقارنة بالعقد الذي سبق. والأكثر جِدَّة أن الصادرات تأذّت في خضم الحرب الأميركية الصينية التجارية التي شنّها رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب منتصف عام 2018. أما بالنسبة إلى الاقتصادات التي تُشكِّل فيها السياحة مصدرا مهما للنمو، فقد جاء انهيار النقل الدولي بعواقب كارثية، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي أن عائدات السياحة في منطقة الكاريبي، حيث السياحة مسؤولة عن 50% إلى 90% من الدخل والتوظيف في بعض البلدان، ستعود إلى معدّلات ما قبل الأزمة تدريجيا فقط بعد مرور ثلاث سنوات".

الشاطئ خالي من الناس وسط مخاوف من انتشار فيروس كورونا المستجد

لم يكن الهبوط في حجم التبادل التجاري فقط؛ إذ هوت أسعار العديد من الصادرات أيضا. وما من مكان اتضحت فيه درامية أسعار السلع المتهاوية بوضوح أكثر من سوق النفط، حيث تسبّب التباطؤ بانهيار حاد في الطلب على موارد الطاقة أدّى إلى تفتيت التحالف الهش الذي يُعرف باسم "أوبك بلس"، والذي يضم أعضاء منظمة أوبك، وروسيا، ومنتجين آخرين للنفط، وهو التحالف الذي أدّى إلى صعود أسعار النفط إلى نطاق يتراوح ما بين 45 إلى 70 دولارا للبرميل طوال السنوات الثلاث الماضية. لقد كانت "أوبك بلس" قادرة على التعاون عند اشتداد وتيرة الطلب وخفض العرض الاحتياطيّ عندما يكون الأمر ضروريا فحسب. لكن نوع خفض العرض الذي تطلّبته الجائحة أدى باللاعبَيْن المحتكرين الكبار، روسيا والسعودية، إلى تكبّد خسائر موجعة لم يكن لهما قِبَلٌ بها. فائض الإنتاج والسقوط الحر لأسعار النفط يُسلِّطان ضغطا هائلا على النماذج التجارية للمنتجين، وبالأخص أولئك الذين في الأسواق الناشئة، بما فيها السوق الموجودة في الولايات المتحدة – قطاع الغاز والنفط الصخريين، إذ فاقمت المتاعب الاقتصادية المصاحبة من هموم الأطراف المطحونة سلفا في الولايات المتحدة وأماكن أخرى. وعلى سبيل المثال، بلغت الإكوادور المعتمدة على النفط طورَ الإفلاس في إبريل/نيسان 2020، وثمة مخاطر حقيقية من أن يلقى منتجون ناشئون آخرون للنفط المصير ذاته.

 

في حلقات أخرى بارزة من الاضطراب، كانت الأضرار التي لحقت بالاقتصاد العالمي جزئية فقط. خلال أزمة ديون أميركا اللاتينية التي استمرت لعقد من الزمن ثمانينيات القرن الماضي وأزمة النمور الآسيوية عام 1997، تمكّنت الاقتصادات الأكثر تقدُّما من متابعة نموّها. أما الأسواق الناشئة، لا سيما الصين، فقد كانت موردا مفتاحيا من موارد النمو خلال الأزمة المالية عام 2008. لكن ليس هذه المرة، ففي المرة الأخيرة التي أُعطبت فيها كل المحركات كانت في الكساد الكبير، وانهيار هذه المرة سيكون بدرجة الفجاءة والامتداد نفسها. وتُقدِّر منظمة التجارة العالمية أن التجارة الدولية سوف تتراجع بنسبة تتراوح بين 13%-32% في عام 2020. وإن وقع التراجع عند منتصف هذا النطاق العريض، فستكون هذه أسوأ سنة للعولمة منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

 

أما المؤشر الثاني الذي يُوحي بتعافٍ متباطئ طويل المدة فهو مؤشر البطالة، إذ إن جهود احتواء الجائحة تعمد إلى تفكيك الآلة الأكثر تعقيدا في التاريخ، ألا وهي اقتصاد السوق الحديث، وقطعه المنثورة لن تلتحم بسرعة ولا سلاسة. بعض الأعمال التجارية المتضررة لن تعود من جديد، لقد نفدت مدخرات مالكيها، ولعلها تتخذ موقفا أكثر توجُّسا فيما يخص الأعمال التجارية الصغيرة مستقبلا؛ وموت طبقة رواد الأعمال ليس في صالح الإبداع والابتكار.

الأكثر من ذلك أن بعض العمّال المسرَّحين مؤقتا أو بشكل دائما سيُستَثنون من قوّة العمل نهائيا، فيما سيفقد آخرون المؤهلات ويفوّتون فرص التقدم في المسار المهني خلال الدورة الطويلة للبطالة، مما سيجعلهم أقل أهمية بالنسبة إلى رؤساء العمل المحتملين، وأضعف هؤلاء هم أولئك الذين قد لا يجدون وظيفة إطلاقا في المقام الأول وهم الخريجون الداخلون سوقا اقتصادية معطوبة. إن الأوضاع النسبية للأجور لمَن هم في العقدين الرابع والخامس من العمر إنما تُقاسُ بأوضاع وظائفهم خلال عشرينياتهم وثلاثينياتهم، وأولئك الذين يتعثّرون عند أعتاب التوظيف يظلّون متروكين للأبد. في هذه الأثناء، يتلقى أولئك الذين لا يزالون في المدارس تعليما عاديا في صفوفهم في ظل التباعد الاجتماعي عبر شبكة الإنترنت، وفي البلدان التي يحوجها الإنترنت أو يتسم فيها الاتصال بالبطء، سيغادر الطلاب الأكثر فقرا صفوفهم الدراسية أفواجا، وهذه جماعة أخرى ستُترَك في الصفوف الخلفية.

 

لا ريب أن السياسات القومية تحمل أهمية أيضا، والاقتصادات الأوروبية عموما تعمل على تقليص رواتب الموظفين العاجزين عن العمل أو أولئك الذين يعملون لساعات أقلّ، مما يحول دون تفشي البطالة، بينما تحجم الولايات المتحدة عن ذلك. أما في الاقتصادات الناشئة، فمعظم الناس يعملون دون توفر الشيء الكثير من شبكات الأمان. لكن الحكومات، رغم ثروتها النسبية، تزيد من إنفاقها دون كثير عوائد. والعديد من الحكومات البلدية والإقليمية ملزمة قانونيا بالحفاظ على موازنات منضبطة، ما يعني أن الدَّيْن الذي يتراكم عليها الآن سيؤدي إلى إجراءات تقشفية فيما بعد. في أثناء ذلك، حتّى الحكومات المركزية سوف تتكبّد الخسائر مع تآكل الوعاء الضريبي. تلك البلدان التي تعتمد على صادرات السلع، والسياحة، والتحويلات النقدية من مواطنيها العاملين في الخارج تواجه أقوى موجات الرياح المضادة.

 

ما يزيد الطين بلة ربما هو أن الكساد حلَّ في فترة كانت فيها الأسس الاقتصادية في العديد من البلدان -بما فيها العديد من أفقر دول العالم- قد خارت من التعب سلفا. كنتيجة جزئية لهذه المتاعب السابقة، تدنّى التصنيف الائتماني لمزيد من دول الإقراض السيادي ضمن تصنيفات الوكالات هذه السنة أكثر من أي سنة أخرى منذ العام 1980. وتدنّي تصنيف الشركات إنما يسلك المسار ذاته، مما يَعِد بنتائج سلبية للحكومات، إذ عادة ما تتحمّل الحكومات وِزْر عثرات القطاع الخاص أيضا. نتيجة لذلك، حتى تلك الدول التي تُدير مواردها بأناة قد تجد نفسها غرقى.

المَلمح الثالث لاستطالة هذه الأزمة أنها ارتدادية بشدّة داخل الدول وفيما بينها. فالاختلالات الاقتصادية الحالية تهوي بثقل أكبر على كاهل أصحاب المداخيل المتدنّية. لا يملك هؤلاء الناس عموما القدرة على العمل عن بُعد أو الموارد لإعالة أنفسهم عندما لا يعملون. على سبيل المثال، قرابة النصف من العمال في الولايات المتحدة توظفهم الأعمال التجارية الصغيرة، وغالبيتهم في قطاع الخدمات، حيث تتدنى الرواتب. هذه المشاريع الصغيرة قد تكون الأكثر عُرضة للإفلاس، لا سيما أن تأثير الجائحة على سلوك المستهلك قد يدوم مدة أطول بكثير من الإغلاقات القسرية.

 

في البلدان النامية، حيث شبكات الأمان غير متطورة أو غير موجودة، سيحدث مجمل التراجع في معايير العيش لدى الشرائح الأضعف من المجتمع. الطبيعة الارتدادية للجائحة قد تتفاقم أيضا بفعل الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء، بما أن المرض والإغلاق يُعرقلان سلاسل الإمداد وأنماط الهجرة لليد العاملة في الزراعة. وقد حذّرت الأمم المتحدة مؤخرا من أن العالم يواجه أسوأ أزمة غذائية في الـ 50 سنة الماضية. في الدول الأشد فقرا، الغذاء مسؤول عما يتراوح ما بين 40% إلى 60% من الإنفاق الاستهلاكي، كما أن الناس في البلدان ذات المداخيل المتدنّية يُنفقون ما بين 5 إلى 6 أضعاف على الغذاء مقارنة بنظرائهم في الدول المتقدمة.

 

في النصف الثاني من العام 2020، مع احتواء الأزمة الصحية تدريجيا، ستكون هناك مكاسب مُبشِّرة في النشاط الاقتصادي والتوظيف تُغذّي تفاؤلية السوق المالية. لكن من المستبعد لتأثير هذا الانتعاش أن يؤدي إلى تعافٍ تام، فحتى سياسات الاقتصاد الكلي المستنيرة والمنظمة لن تُفلح في بيع المنتجات إن لم تُصنّع أو الخدمات إن لم تُعرَض.

حتى اللحظة، كانت الاستجابة المالية حول العالم، نسبيا، ضيّقة الاستهداف ومؤقتة التخطيط. لقد مرّر الكونغرس الأميركي، المتريث عادة، أربع دورات لتشريع المساعدات المالية في نحو عدة أسابيع. لكن العديد من هذه التدابير إما أنه لمرة واحدة وإما بتواريخ صلاحية محددة سلفا. سرعة الاستجابة كانت مدفوعة ولا شك بحجم وفجاءة المشكلة، وهو ما لم يُتح للسياسيين الفرصة لإضافة تحسينات على التشريع. وتُمثِّل إجراءات الولايات المتحدة حصة كبيرة نسبيا من الدعم المالي المُقدَّر بـ 11 تريليون دولار أميركي الذي ضخته دول مجموعة العشرين إلى اقتصاداتها.

 

مرة أخرى، الحجم الأضخم يُتيح مساحة أكبر للمناورة، إذ طورت البلدان ذات الاقتصادات الأضخم خطط إنعاش أكثر طموحا. بعكسها، جاء مجمل المعونات المالية الكلية للأسواق العشر الناشئة في مجموعة العشرين أدنى بـ 5% من نظيره في الاقتصادات المتقدمة. لسوء الحظ، ذلك يعني أن الاستجابة المضادة ستكون أقل في تلك البلدان التي تلقّت الضربة الأقسى. ومع ذلك، كان الإنعاش المالي في الاقتصادات المتقدمة أقل إثارة للإعجاب من الأرقام الضخمة التي يُشير إليها ظاهريا. من بين الدول العشرين، لم تُنفق دول أكثر من أستراليا والولايات المتحدة على الشركات والأفراد على شكل قروض، وأسهم عادية، وضمانات، إذ يتعلّق الإنعاش في الاقتصادات الأوروبية، تحديدا، بشكل أكبر بالميزانيات العامة للأعمال التجارية الضخمة أكثر مما يتعلق بالإنفاق، وهو ما يُثير الشكوك حول فعاليته في احتواء صدمة الطلب العالمي.

 

حاولت البنوك المركزية بدورها إنعاش الاقتصاد العالمي المتهاوي. تلك البنوك التي لم تقيد أيديها بقرارات سابقة للحفاظ على معدلات فائدة ثابتة في ظل مستويات هبوط تاريخي -كما فعل "بنك اليابان" و"البنك الأوروبي المركزي"- أرخت قبضتها على تدفق الأموال، ومن بين هذه الفئة بنوك مركزية في اقتصادات ناشئة، بما فيها البرازيل وتشيلي وكولومبيا ومصر والهند وإندونيسيا وباكستان وجنوب أفريقيا وتركيا. في فترات الأزمات السابقة، ذهب المسؤولون في تلك الأماكن إلى الاتجاه المغاير، رافعين معدلات الفائدة بهدف الحيلولة دون هبوط أسعار الصرف واحتواء التضخم، وبالتبعية هرب رؤوس الأموال. ومن المحتمل أن تشاركية الصدمة قد سوّت أرضية اللعب، وخفّفت من وقع المخاوف المتعلّقة بهرب رؤوس الأموال الذي عادة ما يُصاحب انخفاض قيمة العملة وهبوط معدلات الفائدة.

 

بما لا يقل أهمية، فإن البنوك المركزية قد استبسلت للحفاظ على تدفق التداولات النقدية عبر ضخ احتياطي العملة إلى النظام المصرفي وخفض شروط احتياطات البنوك الخاصة بحيث يتمكّن المَدينون من سداد الدفعات بسهولة أكبر. على سبيل المثال، قام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بالأمرين معا، حيث ضاعف كمية الأموال التي ضُخَّت في الاقتصاد في فترة أقل من شهرين ووضع نسبة الاحتياطي المطلوب عند 0. مكانة الولايات المتحدة بوصفها البلد الذي يُصدر احتياطي العملة الأجنبية ألقى على عاتق الاحتياطي الفدرالي بمسؤولية خاصة هي توفير السيولة العالمية من الدولار، وقد فعل ذلك عبر ترتيب اتفاقيات تبادل عملات مع 9 بنوك مركزية أخرى. خلال عدة أسابيع من هذا القرار، حصلت تلك المؤسسات الرسمية على تريليونات الدولارات لإقراضها للبنوك المحلية.

غير أن الأكثر تأثيرا ربما هو أن البنوك المركزية قد تمكّنت من منع الشركات المسالة مؤقتا من السقوط في الإفلاس، إذ بإمكان البنك المركزي غض الطرف عن تقلبات السوق وشراء الأصول غير المسيّلة والتي تبدو قادرة على الصمود. وقد استخدم المصرفيون في البنوك المركزية نظريا كل الصفحات من هذا الفصل في كتيب الإرشادات، متخذين مجموعة واسعة من الضمانات، بما فيها القروض الخاصة والمحلية. القائمة الطويلة من تلك البنوك التي اتخذت تدابير من هذا النوع تتضمّن المشتبه بهم المعتادين في البلدان المتقدمة، مثل بنك اليابان، والبنك المركزي الأوروبي، والاحتياطي الفدرالي، بالإضافة إلى بنوك مركزية في اقتصادات ناشئة مثل كولومبيا وتشيلي والمجر والهند ولاووس والمسكيك وبولندا وتايلند. جوهريا، تحاول هذه البلدان أن تبني جسرا فوق الأصول غير المسيّلة للعودة فوقه مع تعافي الاقتصاد مستقبلا.

 

لقد تصرّفت البنوك بحزم وسرعة، لكن لماذا تعيّن عليها ذلك؟ ألم تكن الجهود التشريعية والتنظيمية التي أعقبت آخر أزمة مالية من أجل تخفيف وطأة الأزمة في المرة القادمة؟ إن اقتحام البنوك لأماكن خارجة عن المألوف ما هو إلا نتيجة مباشرة لعيوب في التصميم داخل محاولات الإصلاح السابقة. عقب الأزمة المالية عام 2008، لم تفعل الحكومات أي شيء للحدّ من المخاطر واستعادة تفضيلات وميول المستثمرين. بدلا من ذلك، جعلت من المُكلِّف للجماعة التي أُدخلت في عملية إعادة التنظيم -ألا وهي البنوك التجارية، لا سيما الكبرى منها- مراكمة عمليات الطلب على القروض ذات الجودة الأدنى عبر إدخال قيود الاستفادة المالية وتقييم الممتلكات، واختبارات تحمّل الأزمات المالية، وما يسمّى بوصايا الأحياء. تمثّلت نتيجة هذا الاتجاه في صعود بنوك الظل، وهي كتيبة من المؤسسات المالية غير الخاضعة للتنظيم القانوني بشكل كبير. تتعامل البنوك المركزية الآن مع أصول جديدة وأطراف مضادة جديدة، لأن السياسة العامّة قامت عرضيا بإقصاء البنوك التجارية التي دعمت سابقا الشركات غير المسيّلة والحكومات أيضا.

 

بالتأكيد يبدو أن سلوك البنك المركزي قد وضع حدًّا للتدهور المتفاقم في عمل السوق عبر خفض الفوائد، وحزم المعونات المالية الضخمة لإيقاف تسييل الشركات، وعمليات شراء الأصول. التصرف على هذا النحو معقود في الحمض النووي للبنك المركزي منذ فشل البنك الفيدرالي في القيام بالأمر ثلاثينيات القرن الماضي، بما بلغ من مآلاته المأساوية. مع ذلك، فالنتيجة النهائية لهذه السياسات أبعد من أن تكون كافية لعكس مسار صدمة كبيرة كتلك التي يمر بها العالم اليوم. معدلات الفائدة طويلة المدى كانت منخفضة سلفا قبل بدء الجائحة. ورغم كل الدولارات الأميركية التي قام الاحتياطي الفيدرالي بتوجيهها إلى الخارج، فإن قيمة تبادلات الدولار الأميركي قد ارتفعت بدل أن تهبط. تدابير الإنعاش المالي هذه لا تكفي وحدها لكي تدفع الأُسر المعيشية والشركات لإنفاق المزيد، نظرا إلى الاضطراب الاقتصادي الحالي والشكوكيّة المنتشرين. نتيجة لذلك، كان أبرز رؤساء البنوك المركزية في العالم -هاروهيكو كورودا، حاكم بنك اليابان، وكريستين لاجارد، رئيس البنك المركزي الأوروبي، وجيروم باول، رئيس الاحتياطي الفدرالي- يحثّون الحكومات على إدخال مزيد من تدابير المساعدات المالية. وقد تمت تلبية مطالبهم، لكن ليس بشكل كامل، لذا فقد كان هناك تراجع ضخم في النشاط الاقتصادي العالمي.

 

ظلال هذه الأزمة ستكون بعيدة وثقيلة أكثر بكثير من سابقاتها. يتوقع صندوق النقد الدولي أن متوسط العجز الذي سيُصيب الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات المتقدمة سيقفز من 3.3% في عام 2019 إلى 16.6% في العام الجاري، وأنه في الاقتصادات الناشئة سيقفز من 4.9% إلى 10.6% خلال المدة نفسها. العديد من الدول النامية تتتبّع قيادة الدول المتقدمة في ضخّ الأموال. لكن في أواسط الاقتصادات المتقدمة والناشئة كليهما، تفتقد العديد من الحكومات إلى متنفّس مالي يتيح لها ذلك، والنتيجة هي ميزانيات عامة حكومية متعددة ممتدة فوق طاقتها.

 

التعامل مع هذا الدَّيْن سيُعرقل إعادة البناء، إذ أجّلت دول مجموعة العشرين سلفا مواعيد سداد الديون للدول الـ 76 الأكثر فقرا. سوف يتعيّن على الحكومات الأكثر ثراء ومؤسسات الإقراض القيام بالمزيد في الأشهر القادمة في إدماج الاقتصادات الأخرى ضمن مخططاتها لتخفيف عبء الديون وإشراك القطاع الخاص أيضا. لكن الإرادة السياسية لاتخاذ هذه التدابير قد تكون غير موجودة إنْ قررت الدول الانكفاء على نفسها بدلا من مساندة الاقتصاد العالمي.

 

أُلقي بالعولمة في انتكاسة أول مرة مع تولّي ترمب الرئاسة عام 2016، وسوف تزداد سرعة تفكُّكها مع اللوم الموجّه لها في الفوضى الحالية، إذ يبدو أن الحدود المفتوحة على بعضها تزيد من سرعة انتشار العدوى، وأن الاعتماد على السوق التصديرية مؤذٍ للاقتصاد المحلي الناشئ مع انخفاض حجم التجارة العالمية، إذ كانت العديد من الاقتصادات الناشئة شاهدة على انهيار أسعار سلعها الرئيسية وانحسار حجم الحوالات المالية المتدفقة من مواطنيها في الخارج. والمشاعر العمومية مهمة للاقتصاد، ومن الصعب أن نتخيّل أن المواقف من السفر إلى الخارج أو التعليم في الخارج سوف تتحسّن سريعا. بشكل أعمّ، الثقة -وهي وقود أساسي لتداولات السوق- ضعيفة عالميا. سيكون من الصعب اجتياز كثير من الحدود الجغرافية، مع تقيّح الشكوك بشأن عدد من الشركاء الخارجيين لدى بعض الدول.

لكن السبب الآخر الممكن لتعثُّر التعاون الدولي هو أن صنّاع السياسة قد يخلطون بين الانتعاش قصير المدّة والتعافي التامّ، فإيقاف انخفاض المداخيل والإنتاج إنجاز حاسم، لكنه أيضا سوف يُبطئ وتيرة التعافي. كلما تطلبنا المزيد من الوقت في الخروج من الحفرة التي ألقت الجائحة بالاقتصاد العالمي فيها، طالت مدة بقاء بعض الناس دون عمل، ومن المُرجَّح بصورة أكبر أن احتمالات النمو على المدى المتوسط -بل والبعيد- سوف تذروها الرياح بعيدا للأبد.

 

إن العواقب الاقتصادية واضحة تماما. فمع انخفاض المداخيل المستقبليّة، ستزداد أعباء الديون. لكن من الأصعب التنبؤ بالعواقب الاجتماعية. سوق الاقتصاد يقوم على مقايضة مع مواطنيه: الموارد ستوضَع بحسب أنفع استخدام ممكن لها بحيث تكون العوائد الاقتصادية بأكبر حجم ممكن ومن أجل ازدياد إمكانية تحسّنها مع الوقت. عندما تتغير الظروف نتيجة للتطورات التكنولوجية أو افتتاح ممرات تجارة عالمية، تتغير الموارد، وينجم عن ذلك فائزون وخاسرون. ما دامت رقعة العوائد الاقتصادية تتسع باطّراد، فسيكون عزاء الخاسرين أن الحجم النهائي لنصيبهم من تلك العوائد لم يزل ينمو. على سبيل المثال، فإن نمو الناتج المحلي بنسبة 4% سنويا، كما جرى الحال في الاقتصادات المتقدمة في أواخر القرن الماضي، يُشير إلى تضاعف الإنتاج خلال 18 عاما. أما إن كان النموّ بنسبة 1%، وهو المستوى الذي تمكّن من النجاة في أعقاب الأزمة المالية عامَيْ 2008-2009، فإن الزمن الذي سوف يتطلّبه الإنتاج لكي يتضاعف هو 72 سنة. مع وضوح الأثمان الحالية وتقهقر العوائد إلى أُفق أبعد من ذلك، قد يبدأ الناس في إعادة النظر في هذه المقايضة.

 

أشار المؤرخ هنري أدامز ذات مرة إلى أن السياسة تتعلّق بالتدبير المنظَّم للأحقاد، فالمصوّتون الذين فقدوا وظائفهم، وشهدوا على إغلاق أعمالهم التجارية، وبدّدوا مدخراتهم، يستشيطون غضبا، وما من ضامن بأن الطبقة السياسية الحالية -أو أتباعها في حال صُوِّت ضد هذه الطبقة- ستقوم بتوجيه هذا الغضب إلى نواحٍ إيجابية. ذلك أن فيضان القوميّات الشعبوية عادة ما يحدث عند تدهور الاقتصاد، لذا فمن شبه المؤكد أن انعدام الثقة في أوساط المجتمع العالمي سيكون في طور النمو، وذلك سيؤدي إلى انحسار حثيث في الشراكة العالمية، وقد يؤدي إلى دائرة مفرغة خبيثة بما سينجم عنه من غروب لآفاق اقتصادية مستقبلية. وهذا بالتحديد ما كان قد حصل بين الحربين العالميتين، عندما تفشّت سياسات التعصب القومي وإفقار الدول المجاورة.

 

ما من حلٍّ واحد شامل لكل هذه المشكلات السياسية والاجتماعية، لكن مسار العمل الصائب يقتضي الحيلولة دون تدهور الظروف الاقتصادية التي أنتجت هذا الوضع. على المسؤولين الاستمرار بضخ المعونات المالية والنقدية، لكن الأهم أنهم مطالبون بعدم الخلط بين الانتعاش والتعافي التامّ.

———————————————————————————————————-

هذا التقرير مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

لقد أثقل فيروس كورونا المستجد كاهل الأنظمة الصحية وهزّ أركان الاقتصادات حول العالم. وحاليا، من المُتوقَّع له إشعال فتيل أزمة غذائية عالمية أيضا، بعد عقود من التقدم في معركة الإنسانية ضد الفقر والجوع.

30/6/2020

بالوقت الذي ينطلق فيه فيروس كوفيد-19 متنقلا بين الناس حاصدا أرواح مئات الآلاف، فإنه ينطلق أيضا متنقلا بين جيوب الملايين من الشركات حاصدا ملايين الوظائف. فكيف أثرت جائحة كورونا على المشاريع الناشئة؟

25/8/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة