أسطورة نادي المبادئ.. رحلة كلوب من المثالية إلى التنمر

في كتاب "The Secret Life of Football Fans" يشرح إيريك سيمونز الارتباط الشديد الذي يجمع مشجعي الرياضة بأنديتهم؛ كيف يرونها امتدادا لذواتهم، وكيف يستميتون في الدفاع عنها بالتبعية، للدرجة التي تجعل رد فعلهم الأول على أي خطأ أو نقيصة هو التبرير. ما يبدو لنا حينها أن مشجع كرة القدم يدافع عن ناديه، بينما في الحقيقة هو يدافع عن نفسه، عن حقه في الارتباط بالمجموعة التي يرى أنها تُمثِّله، أو عن خوفه من الاضطرار للبحث عن مجموعة أخرى جديدة قد لا يشعر فيها بالراحة والانتماء ذاتيهما. (1) (2)

 

كلوب رجل يساري يؤمن بالعدل ويمقت المادية التي تسيطر على العالم. كلوب رجل صادق كذلك، في أغلب الوقت على الأقل، والأهم؛ كلوب مشجع حقيقي لليفربول وليس مجرد مدرب عابر، ولا يوجد مشجع حقيقي يستطيع التعايش مع حقيقة أن ناديه بلا أفضلية على الباقين، لأن هذا سيعني أن الأمر ذاته ينعكس عليه بالتبعية.

 

حتى لو لم تكن هذه الأفضلية موجودة فسيُوجِدها المشجعون؛ مشجعو ريال مدريد يفتخرون بالملكية رغم أنها قد تكون آخر ما يمكن الفخر به في تاريخ إسبانيا، مشجعو برشلونة ظلّوا يتحدثون عن اليونيسيف و"أكثر من مجرد نادٍ" حتى أصبح برشلونة أحد أسوأ الأندية إداريا على مستوى أوروبا ونالت منه الفضائح داخل الملعب وخارجه، بايرن ميونيخ دائما ما يفتخر بالنظام والصرامة الإدارية والعقلية الألمانية في تصريف الأمور، ولكن الحقيقة أن بايرن كان رهينة نجومه الكبار لفترة طويلة، وكان مولر وليفاندوفسكي وروبن وريبيري هم مَن يُقرِّرون بقاء المدرب أو رحيله. الأمثلة المشابهة لا تُحْصَر في أندية أوروبا.

يورغن كلوب

هذه هي الحقيقة الصماء، كما تحوَّلت كرة القدم إلى صناعة تحوَّلت أنديتها إلى شركات لا تهدف لشيء إلا الربح، حتى اللمحات الإنسانية التي تطل برأسها من حين لآخر يكون هدفها الوحيد هو الترويج الدعائي لصورة مثالية عن النادي منافية للواقع تماما. الحديث يدور طوال الوقت عن "هويتنا" و"شخصيتنا" و"مبادئنا"، ولكن الحقيقة أن الفوارق بين أندية أوروبا تتبخر شيئا فشيئا، ولم يعد يميزها عن بعضها بعضا سوى أفكار المدربين الذين يأتون ويرحلون.

 

هذه هي المشكلة هنا، أن هوية كلوب داخل الملعب وخارجه، والتي تبدو صادقة فعلا، لا تتناسب مع هوية كرة القدم بشكلها الحالي، ولا مع الهيكلية الإدارية لليفربول باعتباره ناديا، ولا مع الهيكلية الإدارية لأي نادٍ في الواقع، ولا حتى مع طموحات قطاع لا بأس به من جمهور ليفربول نفسه، الذي كان يأمل أن يحظى فريقه بفترة ذهبية تستمر لعدة سنوات يأكل خلالها الأخضر واليابس، ويُحقِّق بضعة ألقاب دوري ودوري الأبطال.

 

مشكلة ستظل قائمة؛ كلوب لن يتغير، والنظام لن يتغير كذلك، لذا عند لحظة ما بدا كلوب رجلا مثاليا يُجدِّف عكس التيار، وربما هذا هو ما جعله أقرب لقلوب أكثر مشجعي اللعبة من غيره؛ أنهم شعروا أنه أحيا فكرة قديمة أوشكت على الانقراض، والأهم أنه حقَّق بها نجاحات تاريخية، وهذا هو ما أسكت المشككين؛ فكرة الإيمان بلاعبيه أشخاصا وأفرادا واستخدام المال حلا أخيرا عندما تعجز باقي الحلول، الصبر في زمن نافد الصبر، الحلول الصعبة التي تُثري اللعبة وتُقدِّم مواهب جديدة بعدما تحوَّلت إلى سباق في التسوُّق من أقرب متجر. طبعا هذا لا يعني أن كلوب شخص مثالي، ولكنه يطمح لذلك بصدق، ولو لم يُنجز كلوب غير ذلك في تجربته الإنجليزية لكفاه.

 

ما المشكلة إذن؟ المشكلة أن مثالية كلوب لم تعد مجانية، وتحوَّلت بدورها إلى سلعة يُرَوَّج لها في المؤتمرات الصحفية، والقيم المعنوية الرائعة التي كانت تشد الكثيرين إلى أحاديثه تحوَّلت إلى سلاح على خصومه. المشكلة أن كلوب فعل ما يفعله أي مشجع تقليدي، وسبغ من صفاته على ناديه، مُتوهِّما أفضلية أخلاقية ما تتسق مع مبادئه، ببساطة لأن هذا هو المنطق الوحيد الذي سيُشعره أنه في المكان الصحيح، وأن اختياره لليفربول كان قدريا ومحتوما لأنه "ليس كالآخرين".

 

في حواره الأخير يبدأ كلوب حديثه بأن ليفربول ليس مثل الأندية التي تملكها "دول" و"أوليغاركية". اللفظة الأخيرة من أصل روسي يُقصَد بها الطبقة الحاكمة المُتجبِّرة، أو عصابات الاحتكار التي تنشأ في صناعة معينة، وتُستخدم في الأدبيات السياسية للإشارة إلى نُظُم الحكم الفاشية في الدول المُتخلِّفة، والمقصود طبعا هو الرجل الذي صُكَّ المصطلح في بلاده؛ رومان أبراموفيتش مالك تشيلسي وصانع أمجاده منذ 2003. (3)

رومان أبراموفيتش

يستكمل كلوب: "لسنا مثل هذه الأندية، نحن مختلفون ولنا هويتنا، وهذا هو ما أوصلنا إلى نجاحاتنا الحالية، فزنا بالدوري وبدوري أبطال أوروبا بسبب تمسُّكنا بهذه الهوية، وأعتقد أننا سنكمل في الطريق نفسه".

 

متى تحوَّلت منافسة بين ناديين بحجم ليفربول وتشيلسي إلى صراع بين الأوليغاركية والطبقات الكادحة؟ عندما قرَّر كلوب أن يُحوِّلها إلى ذلك طبعا، عندما لم يتقبَّل حقيقة أن تشيلسي كان يملك 10 أو 20 مليونا إضافية ليضم فيرنر بينما لم يملكها ليفربول. فيما يبدو، هذه الـ 20 مليون كانت الفارق بين أوليغاركية تشيلسي المُتسلِّطة وليفربول اليساري المكافح القادم من صفوف المعارضة. (4)

 

في آخر 5 سنوات قبل الصيف الحالي كان صافي إنفاق ليفربول على التعاقدات يبلغ 110 مليون يورو مقابل 85 مليون لليفربول، وبعد حرمان من الانتقالات بسبب خرق قانون التعاقد مع القُصّر، وبعد خسارة نجم تشيلسي الأول وأبرز مهاجميه في العقد الأخير دييغو كوستا، كان من المنطقي أن يحاول تشيلسي تدعيم صفوفه، خاصة أن أكثر الصفقات، باستثناء هافرتز، يمكن إدراجها تحت بند الإنفاق الذكي؛ صانع ألعاب بقيمة زياش ومهاجم بقيمة فيرنر بأقل من 100 مليون يورو، وهو أمر امتازت به إدارة مارينا غرانوفيسكايا في السنوات الأخيرة. (5) (6)

 

هل كان كلوب يتوقَّع أن يكمل لامبارد موسمه الثاني بحارس مثل كيبّا أو مدافعين مثل كريستيانسين وروديجير؟ هل كان من المُفترض أن يفوز بالدوري بأبراهام وبيدرو وويليان في الهجوم؟ ألم يستحق لامبارد التدعيم بعد موسم كامل تمكَّن فيه من التأهُّل لدوري الأبطال بأسماء كهذه؟ ألم يقم لامبارد باستغلال الأكاديمية على أكمل وجه في وقت كان الفريق يحتاج إلى إعادة بناء بالكامل؟ ألم يكن هذا هو ما فعله كلوب بالضبط في الكثير من المراكز بعد أن عجز عن تطوير أصحابها؟ هل كان كلوب ليكمل مسيرته مع ليفربول بكلافان وماتيب ولوفرين وكاريوس وإنغز وغيرهم؟ لماذا يحق لكلوب استخدام الـ 160 مليون يورو التي جلبها بيع كوتينيو لتدعيم فريقه بينما يتحوَّل تشيلسي إلى أوليغاركية عندما يستغل أموال هازار بالكيفية ذاتها؟

أفضلية كلوب التي نؤمن بها تماما، والتي جعلته يُحقِّق هذه الإنجازات في ظروف أصعب مما حظي به بيب غوارديولا أو جوزيه مورينيو أو سولشاير أو حتى لامبارد ذاته، تحوَّلت عند لحظة ما إلى سلاح للتنمر والإقصاء. في العام الماضي وقبل لقاء ليفربول وتشيلسي سُئل كلوب عن فريق البلوز الشاب الذي كان يدخل المباراة بأسماء مثل ماونت وأبراهام وريس جيمز وأودوي وكريستيانسين وتوموري، فردَّ قائلا إنهم يُذكِّرونه بفريقه في دورتموند، ثم أسهب في استعراض القيمة السوقية لكل لاعب فيهم؛ أبراهام 60 مليون، أودوي 100 مليون، ماونت 60 مليون، إلخ. (7)

 

حتى في ظرف عصيب مثل الذي كان يمر به تشيلسي تمكَّن كلوب من تحويل المواجهة إلى صراعٍ مالي يستطيع الخروج منه منتصرا، والحقيقة أن كل هذه الدعاية الأخلاقية لا محل لها من الإعراب، ببساطة لأن الأوليغاركية تقود ليفربول بدوره، والفارق الوحيد بين جون هنري مالك ليفربول ورومان أبراموفيتش مالك تشيلسي هو أن الأول لا يُنفق على النادي مثل الثاني، بالإضافة إلى جنسياتهم طبعا.

 

رغم ذلك تنضح عبارات كلوب دائما بالفوقية الأخلاقية على باقي الأندية، عندما تُذكر الأوليغاركية في منافسات كرة القدم فنحن لا نتحدَّث عن صراع بين نادٍ ثري وآخر أقل ثراء، بل مواجهة بين الخير والشر، وما يبدو أن هذا هو ما يؤمن به كلوب في أعماقه فعلا حتى ولو لم يُصرِّح به علانية واكتفى بتلميحات مُشابهة، تلميحات مُعقَّدة أعلى من مستوى مشجع كرة القدم التقليدي، ربما لذلك لم ينتبه لها الكثيرون في حديثه ولم يبحثوا عن الغرض من استخدام تلك اللفظة تحديدا.

هذه الفوقية استفزت البعض، فأخذوا يسردون تاريخ ليفربول "الأوليغاركي" بامتياز؛ بداية من قيام النادي باختراق قاعدة بيانات مانشستر سيتي وسرقتها بصفة مستمرة في الفترة ما بين 2008-2013، ومرورا بالتفاوض غير القانوني مع فان دايك ودفعه للتمرُّد على ناديه، وقيام النادي بوضع موظفيه على برنامج إعانات الحكومة إثر تفشي جائحة "كوفيد-19″، وانتهاء بالخطة القميئة لتجديد ملعب أنفيلد رود في نهاية التسعينيات، التي تضمَّنت شراء المنازل المحيطة وإهمالها عمدا لتتحوَّل إلى بؤر للإجرام تحيل حياة الجيران إلى جحيم، ومن ثم يقبلون بأبخس الأسعار ثمنا لمنازلهم، بل إن ليفربول روَّج للتوسعة على إنها إنقاذ للمنطقة من الانحدار الذي وصلت إليه، رغم أن خطتهم كانت السبب الرئيس في هذا الانحدار أصلا. (8) (9) (10) (11) (12) (13)

 

هذا لا يعني أن ليفربول مختلف عن غيره، ومن الأكيد أن تاريخ كبار أوروبا الحديث والقديم مليء بالوقائع المشابهة، ببساطة لأننا نتحدث عن شركات عملاقة عابرة للقارات لا أندية كرة قدم، والارتباط بهذه الكيانات عاطفيا قد يدفعك لتبرير ما لا يمكن تبريره، أو افتراض وجود منهج أخلاقي ما يتبعه ليفربول أو غيره من الأندية، وهو ما ثبت خطؤه بالتجربة العملية.

 

كرة القدم صارت صراعا على الأوليغاركية ومنافسة على الاحتكار. لا يوجد نادٍ واحد في العالم لا يطمح في أن يصبح ثريا لدرجة سحق خصومه بلا هوادة حتى لو كان مدربه هو غاندي نفسه، لذا تبدو عبارات مثل "نحن نادٍ مختلف" و"هويتنا" مضحكة ومنفصلة عن الواقع.

الأهم أن الأمر كله تحوَّل إلى حرب نفسية تُردَّد فيها الشعارات بلا صدى حقيقي، عقب تصريح كلوب خرج سولشاير، لينتقد تشيلسي بدوره، متحدثا عن ضرورة "الثقة في العملية وتطوير اللاعبين". أي عملية بالضبط يقصدها سولشاير؟ عملية تحويل ماغواير إلى أغلى مدافع في التاريخ؟ أم عملية إنفاق 280 مليون يورو على خط الدفاع فقط في آخر 5 سنوات؟ أم عملية السعي لضم سانشو مقابل 100 مليون باوند على الأقل؟ الإجابة؛ لا شيء مما سبق. العملية الوحيدة التي يثق بها سولشاير هي ترديد شعارات لا تتجاوز حنجرته، واستغلال الموقف إعلاميا لكسب أفضلية غير موجودة، ولتصوير تشيلسي بمظهر الثري السفيه الذي ينفق أمواله يمينا ويسارا، رغم أن هذه المساحة هي ما تخصص فيه يونايتد لسنوات. (14) (15)

 

هذا هو الخطأ ذاته الذي وقع فيه غوارديولا عندما قرَّر الحديث بالصيغة ذاتها؛ "نادينا" و"هويتنا" و"نحن". بالطبع لا مقارنة على الإطلاق بين ما زعمت التحقيقات أن مانشستر سيتي قد فعله وبين تصريح لكلوب في مؤتمر صحفي، ولكن إن كانت هناك علة مشتركة في الواقعتين فهي أن الثنائي وقعا في الفخ الساذج البدائي الذي يقع فيه أي مشجع مُتعصِّب؛ التصور بأن ناديه هو امتداد ما لذاته.

____________________________________________

المصادر

  1. السيكولوجية التي تجعل مشجعي الرياضة يرون أنديتهم امتدادا لذواتهم – واشنطن بوست
  2. كتاب: "الحياة السرية للمشجعين: العلم خلف الهوس بالرياضة" – أمازون
  3. كلوب: "ليفربول لا يُدار من قِبل دول وأوليغاركية لأنه مختلف عن باقي الأندية" – توك سبورت
  4. القصة الحقيقة خلف انضمام فيرنر لتشيلسي بدلا من ليفربول – ذا أثلتيك
  5. انتقالات تشيلسي – ترانسفير ماركت
  6. انتقالات ليفربول – ترانسفير ماركت
  7. كلوب: "أبراهام وماونت هم لاعبون بقيمة 60 مليون باوند على الأقل" – غول
  8. الاتحاد الإنجليزي يتدخل في فضيحة اختراق ليفربول لأنظمة مانشستر سيتي – ليفربول إيكو
  9. هل يندم مانشستر سيتي على قبوله التسوية في فضيحة اختراق ليفربول لأنظمته؟ – ذا أثلتيك
  10. لماذا أطلق ليفربول الجحيم على جيرانه؟ – فايس
  11. آنفيلد: الغضب والضحايا وحقيقة ليفربول المخجلة – غارديان
  12.  ليفربول ينجو من العقاب بعد المفاوضات غير القانونية مع فيرخيل فان دايك – غارديان
  13. ليفربول يُدرج موظفيه على برنامج إعانة الحكومة – بي بي سي
  14.  سولشاير: "مانشستر يونايتد ليس قلقا من ممارسات تشيلسي في السوق" – غول
  15. انتقالات مانشستر يونايتد – ترانسفير ماركت

حول هذه القصة

خلق بارتوميو فراغا هائلا حول أهم لاعب يملكه، فراغا تمدّد فيه ميسي مُجبرا لإنقاذ الفريق من خسارة أهم أعمدته واحدا تلو الآخر بلا تعويض حقيقي، حتى أصبح الفريق عبارة عن ميسي ولاعبين أو ثلاثة غيره.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة