لماذا تنتشر العنصرية تجاه "الأفارقة السُّود" في مصر؟

في خضم صراعه مع "ميكروفون الجزيرة"، اضطر سامح شكري وزير خارجية مصر إلى تأجيل مطارداته للميكروفون في المؤتمرات الدولية، وإجراء تحقيق فوري إثر اتهام مسؤولة كينية رئيس الوفد المصري في مؤتمر الجمعية العامة لبرنامج البيئة التابع للأمم المتحدة في نيروبي بوصف الأفارقة بأنهم "كلاب وعبيد"، مما أثار جدلا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي.

 

حيث قالت منسقة لجنة الخبراء الأفريقية لدى برنامج الأمم المتحدة للبيئة، السفيرة الكينية إيفون خامتي، في مذكرة نشرتها على حسابها على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، إن المسؤول المصري هو "مساعد وزير البيئة" ورئيس الوفد المصري إلى المؤتمر الذي عُقِد في نيروبي، وأضافت في مذكرتها أنه تحدث بالعربية، ووصف أبناء بلدان جنوب الصحراء الأفريقية بأنهم "كلاب وعبيد" أثناء مناقشة قرار بشأن قطاع غزة لم يُتبنَّ لعدم توفر النصاب.

إلا أن هذا الموقف المصري المحتقر للأفارقة، وتلك السقطة الدبلوماسية والأخلاقية العظيمة، ليست الأولى ولم تكن الأخيرة، بل إن الأمر تحوّل إلى ظاهرة شعبية في المجتمع المصري، خاصة مع تصاعد الشحن الإعلامي ضد إثيوبيا بسبب أزمة سد النهضة التي فشلت الدبلوماسية المصرية حتى الآن في الوصول إلى اتفاق مُرْضٍ لجميع الأطراف. فيوميا يتعرض الأفارقة في مصر للإساءة والاعتداء الجسدي واللفظي والتنمر وأحيانا السرقة بالإكراه، ومع تصاعد أزمة سد النهضة تزايدت وقائع الاعتداء في الشارع المصري على أفارقة، وهذا ما يؤكده الشاب الأفريقي "أبو داود" على حسابه بموقع التواصل "فيسبوك":

"#تقريبا_الاعتداء اللفظي (السب والقذف) والاعتداء الجسماني ضدنا نحن الجالية الأفريقية المقيما بالقاهرة أصبحت عملا بطوليا لدى الإخوة المصريين..

صباح اليوم تعرضت لاعتداء جسماني وكمٍّ هائل من عبارات السب والقذف من سائق ميكروباص ومساعده، بالحجة أنني إثيوبي ونحن أولادك متناكة… إلخ

أرجو من الاتحادات الطلابية والجاليات الأفريقية حمايتنا بالتعاون مع الجهات الأمنية…

الاعتداء والإساءة جريمة يعاقب عليها القانون، نحن بشر نستحق الحماية!"

 

قبل ذلك، وتحديدا الثلاثاء، 26 أغسطس/آب 2014، انفجرت موجة من الانتقاد والاستياء على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر والسودان وبعض المتابعين من الدول العربية إثر نشر جريدة "اليوم السابع" المصرية لتحقيق استخدمت فيه مصطلح "زنوج" (niggers) لوصف أصحاب البشرة السمراء، وكان التحقيق يتحدث عن "اضطرابات تَسبّب بها مجموعات من المراهقين السودانيين في القاهرة"، وهي المجموعات التي وصفها التحقيق بـ "عصابات الرعب".

 

وتحت عنوان "Niggers.. عصابات الرعب الأسود في القاهرة"، والمرفق بعنوان تكميلي "المراهقون الأفارقة ارتكبوا 115 جريمة"، شنّت الجريدة حملة "كراهية وتحريض" ضد الجالية السودانية في مصر، ليُعبِّر مستخدمو مواقع التواصل حينها عن غضبهم تجاه الصحيفة المصرية، حيث اعتبر أحد المغردين على تويتر أنّ "هذا العنوان لا يُعَدُّ عنصريا فقط، بل يؤجج الكراهية ضد الجالية السودانية في مصر"، فيما طالب آخرون بـ "طرد كاتب التحقيق" وإغلاق موقع الصحيفة العنصرية، التي تدمّر حياة الناس" (2). هذا الخطاب العنصري الموجّه نحو السودانيين والأفارقة بصورة عامة ذوي البشرة السمراء (3)، والذي يمتد كذلك ليطول المصريين النوبيين، يطرح تساؤلات جادة حول الوقائع التي أسّست لهذا الخطاب على الرغم من رفض شرائح كبيرة من المصريين لهذا الخطاب.

 

لم يكن تحقيق "اليوم السابع" هو الخطاب التحريضي الأول من نوعه، ولم يكن الحادثة الوحيدة للاعتداء اللفظي العنصري على السودانيين، فقبلها بتسعة أعوام، وفي يوم 30 ديسمبر/كانون الأول من عام 2005 تحديدا، قام الأمن المصري بفض اعتصام سلمي للاجئين السودانيين في ميدان مصطفى محمود المُطالبين بتقنين أوضاعهم كلاجئين لهم حقوق واضحة ومحددة، وأسفر الفض عن مقتل 56 مواطنا سودانيا واختفاء 70 طفلا، بجانب عدد كبير من الجرحى (4).

 

غير أن هراوات الأمن، وقنابل الغاز، وبنادق الخرطوش، لم تكن أقسى ما واجهه اللاجئون السودانيون عند فض اعتصامهم السلمي بالقوة، الأمر الذي اعتاد المصريون أنفسهم على مواجهته، "إنما ردود أفعال بعض المثقفين والتعليقات العدائية المتحاملة من بعض المواطنين المصريين كانت أقسى وأشد، وأظهرت نوعا من الاستعلاء على الآخر"، وهو ما أكّدته الدكتورة شيرين أبو النجا عندما كتبت "أنها صُدمت لتصفيق الشباب في الشوارع لقوات الأمن وظهور خطاب عنصري في أوساط هؤلاء الشباب، والتي ظهرت تجلياته في وصفهم لهؤلاء اللاجئين بالكفرة والمجوس وأصحاب الرائحة الكريهة" (4).

 

أثارت ردّة الفعل هذه من المصريين علامات استفهام واسعة ومساعيَ لتحليل الأسباب التي تقف وراء هذه الانفعالات العنيفة التي طالت السودانيين، وهو ما دفع نبيل عبد الفتاح، الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، لإرجاع هذه الأزمة إلى ثقافة "النخبة" (4) التي باتت مُعتلّة وتعيش في حالة ثقافية متأزمة تمتثل للخطاب العنصري، وليُحذِّر عبد الفتاح من "الربط بين موضوع اللاجئين السودانيين وموضوعات أخرى كموضوع النوبيين والأقباط، وقال إن الباحث الموضوعي لا يملك سوى التوقف بدهشة وتعجب شديدين إزاء بعض ردود الأفعال الحاملة للعنف الرمزي التي تستمد مادتها من عدد من المصادر، أولها وقائع العنف الأمني إزاء اللاجئين، وثانيها تاريخ العلاقات المصرية السودانية، سواء أيام الحكم المصري أو الحكم الثنائي الأنجلو مصري في السودان قبل الاستقلال".

 

 

للإجابة عن هذا السؤال فإننا بحاجة إلى النظر عبر التاريخ، خاصة ما يتصل بتاريخ حكم مصر للسودان كما اقترح نبيل عبد الفتاح، وهذا يدعونا للعودة إلى عام 1820، أي بداية حكم محمد علي باشا، الشهير بمؤسس مصر الحديثة، عندما بدأ يفكر بتأسيس جيش نظامي على الطراز النابليوني، ولأن الفلاحين المصريين كانوا يُشكّلون مصدر إنتاج القطاع الزراعي الذي يُعَدُّ المصدر الرئيسي للدخل (5)، وضع الباشا عينه على السودان لإمداد جيشه الجديد بجنود مطيعين ليّني العريكة بدلا من الألبان والشركس دائمي التمرد.

 

وفي صيف 1820 أرسل الباشا حملتين إلى السودان، إحداهما بقيادة ابنه إسماعيل باشا، والأخرى بقيادة زوج ابنته محمد بك الدفتردار، ووصل مجموع الحملتين إلى ألفَيْ جندي من المغاربة والبدو المصريين بالإضافة إلى قوة من المشاة الفرسان من المتحدثين بالتركية (5). ويتضح من خطابات الباشا التي ذكر المؤرخ خالد فهمي اقتباسات منها أن الهدف الرئيسي للحملة كان "اصطياد أكبر عدد ممكن من سكان السودان وإرسالهم إلى مصر لتتكوّن منهم هيئة الجند في الجيش الجديد الذي كان الباشا يزمع إقامته" (5). غير أن الحملتين قد باءتا بالفشل، فقد واجهت قوات الباشا مشكلات خطيرة وتمردا ومقاومة واسعة انتهت بحرق إسماعيل باشا حيا خلال مأدبة تظاهر زعماء إحدى القبائل بإقامتها على شرف إسماعيل باشا، ثم حرقه حيا، ثأرا منه على إهانة إسماعيل باشا له بصفعه على وجهه (5).

 

إلا أن المشكلة الرئيسية التي واجهها الجيش لم تكن قيادة إسماعيل -كما يذكر خالد فهمي-، بل كانت تأمين نقل "العبيد" الذين جُمعوا إلى مصر، فكان العدد الإجمالي للشحنة الأولى "من هذه "الكائنات التعسة" 1900 رجل وامرأة وطفل، وصلوا إلى إسنا في أغسطس/آب 1821، واختير منهم مَن يصلح للخدمة العسكرية، وبيع الباقون في أسواق العبيد في القاهرة، وفيما بعد أُرسل هؤلاء العبيد إلى أسوان… غير أن عددا كبيرا منهم مات في الطريق قبل الوصول إلى مركز تجميعهم هناك" (5).

وتكررت المشكلة نفسها "حين وصل العبيد إلى مصر، فمات منهم عدد كبير في أثناء المسيرة الطويلة من أسوان إلى القاهرة"، وانتهت آمال محمد علي بتجنيد السودانيين، إذ لم يحصل إلا على 1245 سودانيا كانوا على وشك الموت، وقد نقلت الوثائق ردة فعل محمد علي حيث قال: "يا للهول! هل بذلنا كل هذا الجهد في جلب هؤلاء العبيد بصحة جيدة وقادرين على العمل من مناطق بعيدة لا لشيء إلا لكي يموتوا بيننا وأمام أعيننا كما تموت الخراف المصابة بوباء العفن" (5).

 

ينقل ذلك ملمحا من تَكوُّن نظرة عدد من المصريين تجاه السودانيين والأفارقة، والنظر إليهم نظرة دونية، تصفهم دوما بـ "الكسل وعدم القدرة على العمل الشاق وتحمّل الشدائد"، وهي نظرة كثيرا ما وضعت السودانيين والأفارقة دائما في منزلة أقل، وهي الثقافة التي استمدّوها من نظرة محمد علي التي كرّسها التجنيد الإجباري ونظام الاستعباد الهرمي في الجيش المصري (6)، والتي لا تزال تتحكم في ثقافة المصريين حتى الآن. لكن هذا الملمح التاريخي لا يمدّنا بتفسير كافٍ لعنصرية عدد من المصريين تجاه السودانيين والأفارقة، مما سيضطرنا للدخول في مكنون الثقافة المصرية وتكوّنها التاريخي.

 

"اعلم أن جميع الناس في مشارق الأرض ومغاربها وجنوبها وشمالها كانوا نوعا واحدا يتميزون بثلاثة أشياء: الأخلاق، والصور، واللغات".

(أبو القسام بن أحمد الأندلسي في طبقات الأمم، القرن الحادي عشر)

في عام 1912، وفي سياق الصحوة القومية الحديثة التي بدأت تظهر في مصر نتيجة للجهود الاستشراقية الأوروبية على الشعب المصري، نشر محرر جريدة الهلال، جرجي زيدان، نصا كاملا بعنوان "طبقات الأمم"، وهي دراسة لأصول البشر، اعتمدت على دراسة قديمة للأمم والأعراق لقاضٍ مسلم عاش في القرن الحادي عشر وهو سعد الأندلسي الذي قسّم الأمم ليس على أساس عِرقي، وإنما على أساس وجود الفنون والمعارف وغيابها، ثمّ أعاد زيدان ترتيبهم حسب تفرُّقهم إلى أمم وقبائل مختلفة (7).

 

بيد أن زيدان أدمج في كتابه نصا آخر، فبجانب طبقات الأمم كان كتاب زيدان يقوم على كتاب أ.ه.كين (A.H.Keane) "شعوب العالم" (the world’s peoples) الصادر عام 1908، حيث قسّم هذا الكتاب الأمم استنادا إلى سلم الارتقاء كما يلي: الأفارقة، المغول، الهنود، الأميركيون، القوقازيون. ومضى زيدان في عرض الأمم والقبائل المختلفة التي شكّلت تلك التجمعات العِرقية الرئيسية (7).

كتاب "شعوب العالم"

بعدها بأعوام، نشر المفكر المصري سلامة موسى في عام 1935 كتابه "مصر أصل الحضارة" الذي قال فيه إن أصول الحضارة يمكن العثور عليها في مصر (7)، وبذل موسى جهده كي يوعز إلى قرّائه بالفخر بتاريخ مصر القديم والتنصل من التاريخ العربي الشرق أوسطي الذي جلب "التخلف". كان سلامة موسى، الذي وُلد بالزقازيق لأسرة قبطية متواضعة مستورة الحال، قد "تعلم بالمدارس الثانوية الحكومية، وتخرج في الكلية الخديوية عام 1907، وغادر موسى، القارئ المتحمس ذو الشهية الفكرية النهمة، مصر إلى أوروبا خلال فترات مختلفة فيما بين 1907-1913. وأقام موسى في باريس ولندن، حيث استوعب أفكار سبنسر وداروين وشو وويلز وكبار الشخصيات الفكرية في ذلك الوقت".

 

وكانت أفكار موسى -كما تذكر الباحثة أمنية الشاكري- "توليفة غريبة من الداروينية الاجتماعية والفابية والبيولوجيا السبنسرية، وامتدت حياته العملية باعتباره صحفيا مصريا نحو أربعين سنة زاخرة بالمجادلات، وبحلول العشرينيات كان موسى أحد أشهر الكُتّاب في مصر، بل كان مشهورا جدا باعتباره إحدى شخصيات المشهد الثقافي والفكري في مصر، حيث جعل نجيب محفوظ إحدى شخصيات ثلاثيته على نمطه" (7).

 

أعاد موسى في كتابه "مصر الحضارة" ترتيب الأنواع العِرقية المختلفة، مبتدئا نقاشه بعرض قديم، قدّم فيه عالم التشريح جرافتون إليوت سميث جمجمة قديمة لشخص مصري قديم وأخرى لشخص إنجليزي حديث موضحا التشابه بين هذين الجنسين (7)، وزعم موسى، مرددا الأفكار الأوروبية، أن المصريين من سلالة متوسطة كالإيطاليين والإسبان والشمال أفريقيين والعرب والفرنسيين الجنوبيين والبريطانيين، وجميعهم يتميزون باستطالة الرؤوس.

كتاب "مصر أصل الحضارة" للكاتب سلامة موسى (الجزيرة)

ثم قسّم موسى السلالات البشرية إلى ست مجموعات معتمدا على تقسيم سميث (7)، وكانت المجموعة الأولى هي سكّان أستراليا الأصليين، يليها الزنوج من وسط أفريقيا وجنوبها، كشيلوك السودان وبوشمان صحراء كالهاري". فكان موسى يرى أن معظم الأفارقة، الذين يتميزون بالشعر المجعد والأنف العريض والشفاه الغليظة، متوحشون، وإن كانت وحشيتهم قد خففها نقل الحضارة المصرية إلى أفريقيا جنوب الصحراء. وبالرغم من ذلك فإنهم لم يتقدموا، بل حُبسوا في تطورهم، وفي بعض الأحيان تأخروا". يلي ذلك الجنس المغولي الذي يشمل الصينيين والهنود الحمر، ثم تأتي المجموعة الرابعة في تقسيم سلامة، وهي الجنس المتوسطي ومصر جزء منه، ثم الجنس الألبي ويشمل سكان وسط أوروبا إلى غرب الصين، وأخيرا وعلى قمة التطور العِرقي جاء الجنس الشمالي وموقعه شمال أوروبا.

 

هذا التقسيم أعطى لمصر موقعها المتفرد والمميز بين الأعراق، وعلى طرح سلامة موسى تكوّنت الشخصية القومية المصرية الحديثة التي تدّعي صلتها بأصل الحضارة وبجنس الفراعنة. وبدأت الفرعونية تأخذ موقعها من الصدارة كأيديولوجيا (6) اكتمل نضجها في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وثورة 1919، وبالتزامن مع استقلال مصر الشكلي عن بريطانيا واكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922. بدأ الخطاب الثقافي والأدبي يقرر تلك السمة العِرقية الفرعونية ويلبسها للمصريين ليفخروا بها ويستعلوا بها على باقي الشعوب، وخاصة الشعوب الأفريقية الأخرى، وظهرت أعمال أدبية تستلهم الروح الفرعونية مثل رواية توفيق الحكيم "عودة الروح"، ومسرحية أحمد صبري "كاهن آمون"، وديوان أحمد أبو شادي "وطن الفراعنة"، كما نشر أمير الشعراء أحمد شوقي في "المقتطف" قصيدة في مدح توت عنخ آمون وحضارة عصره (7).

 

واستمر ذلك التيار يفخر بالانتماء الفرعوني الذي يشابه الجنس الأوروبي، وهو ما أعاد طه حسين تأكيده عندما نسب الثقافة المصرية في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" إلى الأساس الهيليني المتوسطي، وارتباطها بالثقافة الأوروبية وليس بأمم الشرق "المتخلفة"، ثم ظهرت مقولات تفخر بـ "سبعة الآلاف سنة حضارة" قاصدين حضارة الفراعنة. وساهم كل ذلك في تكوين نظرة "النخبة القومية المصرية" لأنفسهم على أنهم مركز القارة والأوصياء عليها، ومنها تكوّنت النظرة الأبوية والاستعمارية نحو السودان.

 

كانت الجهود الاستشراقية والأنثروبولوجية التي مَثّل مشروع سلامة موسى ذروتها، لوضع أساس عِرقي للشخصية المصرية وحسم مسألة الهوية المصرية لصالح الفراعنة والانتماء الأوروبي، متماشية مع تيار استعماري وتوسّعي آخر بدأ منذ عصر محمد علي، وقد أشارت إيف تروت باول (EVE TROUTT POWELL) إلى التحولات التي حدثت خلال القرن التاسع عشر والعشرين في الفهم العِرقي لبلاد السودان، فتقول: "إن كتابات الكاتب والمصلح التعليمي المصري الشهير رفاعة رافع الطهطاوي عن السودان تُمثّل "تقسية" للمواقف المصرية تجاه جاراتها الجنوبية وبدايات تفرقة عِرقية حادة بين المصريين والسودانيين" (7).

إيف تروت باول (مواقع التواصل الاجتماعي)

وتعلق الباحثة أمنية الشاكري أن باول تُشير إلى أنه بحلول منتصف القرن التاسع عشر بدأ المصريون "يُعرّفون هويتهم الوطنية والعِرقية مقابل السودانيين "الأقل حضارة". وبدلا من وضع فروق متدرجة بين بلاد العرب وبلاد السودان، تجسدت الطموحات الاستعمارية المصرية تجاه السودان، لتخدم في واقع الأمر تكوين مصر كمصر" (7).

 

وكما عرّف الأوروبيون أنفسهم بنفي "الآخر" عن العِرق الأبيض، كذلك فعل المصريون القوميون. وفي السياق نفسه تتناول باول الطبيعة الحميمية للعلاقات بين مصر والسودان في أذهان القوميين وتكوينهم، فتقول: "إن هذه الحميمية تنبع بشكل جزئي على الأقل من تاريخ العبيد السود في مصر وتراث الخدم السودانيين في منازل النخبة المصرية العثمانية. والأمر ببساطة هو أن الكثير من القوميين المصريين كانوا يرون العبودية والسودان والأسرة أمورا تتصل اتصالا حميميا ببعضها" (7).

 

وفي مؤتمر السلام عام 1919، أعادت النخبة السياسية المصرية طرح مسألة "ضرورة الوصاية المصرية على السودان ووحدة وادي النيل"، ثم أُعيد طرح المطالب القومية نفسها بإقامة وحدة مصرية سودانية خلال المفاوضات البريطانية المصرية في عامي 1920 و1921، وفي مؤتمر لوزان في عامي 1922 و1923، وفي المسودات الأولى لدستور عام 1923 المصري، وقال برلمان مصر المستقلة الأول إن "السودان جزء لا يتجزأ من مصر" (7).

مؤتمر السلام عام 1919 (مواقع التواصل)

فكان النقاش حول ضرورة وحدة مصر والسودان نقاشا دائما، يتخلله أحيانا نقاش حول "حدود الإمبراطورية المصرية" والروابط الإثنوغرافية والجغرافية والثقافية التي تربط مصر بالسودان، لكن في عام 1947 أصدر مجلس الوزراء المصري كتابا بعنوان "وحدة وادي النيل: أسسها التاريخية وتجلياتها في التاريخ"، وجاء الكتاب بلغة "استعمارية" تؤكد بشكل خطابي "أبوي" أحقية مصر في الوصاية على السودان (6)، وتوضيح الأسس الفيزيقية والإثنوغرافية والثقافية والاقتصادية التي جمعت مصر والسودان في العصور القديمة والحديثة.

 

وعرض المجلد عبر كثير من المقالات العلاقة التاريخية بين مصر وجيرانها الجنوبيين في السودان باعتبارها علاقة "إحسان أبوي ورفع اجتماعي وتحسين أخلاقي ومادي للسكان المحليين"، وهكذا وصف المؤلفون "نظامَيْ محمد علي والخديوي إسماعيل ليس كغزو مصري للسودان، بل كمحاولات لتحديث وادي النيل في ظل نظام حاكم موحد، في الشمال والجنوب على السواء" (7).

 

وكان المؤلفون هم ثلاثة من أساتذة التاريخ من جامعة فؤاد الأول، وهم شفيق غربال بك، وأحمد بدوي، وإبراهيم النوشي، بالإضافة إلى مدير المتحف الحربي بالقاهرة البكباشي عبد الرحمن زكي، وجغرافي مصري هو "عباس مصطفى عمار".

 

كان عباس مصطفى عمار قد وجّه من قبل ضربة قاصمة للتيار القومي الفرعوني، عندما أثبت بدراسة علمية وإثنوغرافية إحصائية أقامها على محافظة الشرقية أن المصريين ينتمون إلى عِرق عربي به بعض الاختلاط مع أجناس أخرى مختلفة (7)، وبذلك قد أدحض طرح سلامة موسى بالكامل، وفي الوقت نفسه قال عمار بانتماء جزء كبير من السودانيين إلى العِرق العربي. وعلى هذا الأساس أعاد عمار طرح قضية "وحدة وادي النيل" لكن بصيغة "الوصاية المصرية" نفسها وقد أضاف إليها وصاية عروبية أيضا.

عباس مصطفى عمار (مواقع التواصل)

 

برغم الجهود الأنثروبولوجية التي بذلها عباس مصطفى عمار لإثبات عروبة السودان، ومن ثم ضرورة وحدة مصر والسودان ووصاية مصر على السودان، فإن كتابات عمار ركزت على التصور "الأنجلو مصري" والذي يعود للغزو البريطاني المصري للسودان، وعلى تفاوت الأصول العِرقية للسودانيين بين العرب والزنوج، فقال إن "الفئات العِرقية غالبا ما تستمد قوتها من الاعتبارات السياسية، وخاصة الاستعمارية، وليس الاعتبارات العلمية" (7).

 

فكان تركيز عمار على وحدة مصر والسودان يعتمد بصورة كبيرة على دور مصر "كقوة ممدّنة في أفريقيا، الذي يقوم على فكرة البشرية المتدرجة التي كانت مصر تُمثّل فيها قمة الحضارة وجنوب السودان قاعها" (7). ورغم ذلك أنكر عمار إدانة العرب بالفكر العنصري، بل "هاجم بشدة مطبوعة فابية منشورة في عام 1945 اتهمت العرب بطرد السكان الأصليين من السودان، واستدامة حاجز لوني صارم وعداء عنصري وقسوة واحتقار بين العرب والسود".

 

تُعلِّق أمنية الشاكري أن موقف عمار كان "شديد العنصرية"، فقد أنكر عمار وجود ثقافة لدى السودانيين الجنوبيين "تستحق الحفاظ عليها"، لكنه أبرز رأيه في صيغة "نقد للخطاب الاستعماري الأوروبي". وبناء على ذلك الافتراض يرى عمار أن مهمة تمدين السودان لا يمكن تركها للبريطانيين، "وبدلا من فرض ثقافة أجنبية بالكامل، كان لا بد من تحقيق التغيير الثقافي من خلال قوة وسيطة تربطها علاقات ودية بالقوى المحلية، وهذه القوة هي المصريون بالتعاون مع السودانيين الشماليين" (7).

أمنية الشاكري، المعمل الاجتماعي الكبير (مواقع التواصل)

وتشرح الشاكري أن مشروع عباس مصطفى عمار الذي أثبت عروبة مصر، وقدّم نقدا للعلم العنصري، طُوِّع لغرض قومي لم يسلم من صيغة استعمارية عنصرية تهدف للإبقاء على مصر في وضع الوصاية الإمبريالية على السودان، فتتولى مصر مهمة تمدين السودان، مثلما كان الاستعمار الأوروبي يرفع شعار التنوير.

 

وهكذا، كان لهذين الاتجاهين الموجودين في أصول الثقافة المصرية "الفرعونية والعروبة" دور كبير في تشكيل نظرة المصريين نحو السودانيين والأفارقة، بجانب التاريخ الاستعماري الذي بدأه محمد علي ثم حاولت النخبة المصرية القومية الإبقاء عليه، كنوع من الاستعلاء والوصاية تجاه السودان كما ذكرت أمنية الشاكري، ثم اندماج النخبة المصرية في المشروع الاستعماري البريطاني لأفريقيا. حيث دشن سلامة موسى لفكرة الجنس/العِرق في السياق القومي، لتكون مُشكِّلا أساسيا في "الشخصية الوطنية المصرية"، إلا أن الفرعونية عملت باعتبارها خطابا إقصائيا، حيث تضع مصر داخل ميراث يحظى بقدر كبير من تقدير الغرب وينزعها من سياقها الأفريقي إلى سياق أوروبي استعلائي.

 

ومن ناحية أخرى، كان الجغرافي والأنثروبولوجي عباس مصطفى عمار مُمثِّلا لمرحلة لاحقة من القومية المصرية، سعت باستخدام الأدلة الأنثروبولوجية والإثنوغرافيا والتاريخية إلى بيان الأساس العِرقي المشترك لوحدة مصر ووادي النيل، وتأكيد هوية مصر العربية، لكن بصيغة عنصرية افترضت فروقا تراتبية بين العرب والأفارقة وبين السودانيين الشماليين والجنوبيين مع احتقار للأفارقة جنوب الصحراء.

 

وكان لهذين الاتجاهين في الثقافة المصرية دور كبير في تشكيل العنصرية تجاه الأفارقة داخل الثقافة المصرية، وهو ما تجلّى بشكل واضح في السقطة الأخلاقية للدبلوماسي المصري في مؤتمر نيروبي، عندما وصف الأفارقة بأوصاف شديدة العنصرية والاستعلاء، وهو ما يفسر مشاعر الغضب عند الأفارقة من مصر.

_____________________________________________

المصادر

  1. الشارع المصري بين العنصرية وتحقير الذات عبد النبي فرج.
  2. جريدة اليوم السابع تنشر تحقيقا عنصريا بعنوان Niggers.
  3. العنصرية ضد السود فى مصر والعالم العربى.
  4. كشف أكاذيب حول مجزرة اللاجئين السودانيين بالقاهرة.
  5. خالد فهمي، كل رجال الباشا، ترجمة شريف يونس.
  6. الشارع المصري بين العنصرية وتحقير الذات عبد النبي فرج.
  7.  أمنية الشاكري، المعمل الاجتماعي الكبير، ترجمة أحمد محمود.

حول هذه القصة

أصبحت ميريام عدوة للنظام بسبب صيتها العالمي والمحتوى السياسي في رواياتها. فحظرت الرقابة كل روايتيها على الفور، كما جعلها نجاحها السياسي والأدبي هدفا لذراع النظام السياسي سيء السمعة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة