التجارة بآلام البشر.. كيف يؤثر جمع التبرعات على أصحاب الحالات الإنسانية؟

تُعرض عشرات الإعلانات التي تتحدث عن الفقراء وعن المرضى على مُختلف القنوات الفضائية، عشرات الصور التي يظهر بها مَن هم بحاجة إلى التبرعات والمساعدات، البعض يُضطر أن يقف أمام الكاميرات يشرح حالته ويوضّح كم هو بحاجة إلى المساعدة، بعض القنوات الأقل شهرة وانتشارا تعرض الأطراف المُشوهة أو المبتورة، تعرض الشخص الذي يسكن في منزل شديد التواضع ويظهر أمام الكاميرات بملابس مُتسخة، مُخبرا الجميع بالكثير من البكاء والدموع بسوء حالته المادية والصحية ورغبته في الحصول على مساعدتهم، ليُكتب على الشاشة بعدها أنه يُمكنك المُساعدة من خلال الاتصال عبر هذا الرقم التليفوني أو ذاك.

 

هناك بالطبع بعض المشروعات الخيرية والصحية الضخمة التي يستفيد منها بعض المحتاجين وتحتاج إلى المساعدات الاجتماعية لإتمام دورها هذا، لكن ماذا عمّن يستغلون الفقراء والمرضى ويستخدمون ظهورهم في الإعلانات لجمع التبرعات؟ هل يعرفون ماذا يفعلون في نفوس الفقراء والمحتاجين الذين يستخدمونهم؟ هل يدركون كمّ الألم النفسي الذي يتسببون به لهؤلاء؟ السطور التالية ستُقدّم مُحاولة لتقديم الإجابة.

منذ نحو عامين، وعلى أحد مقاهي وسط البلد بالعاصمة المصرية، يجلس عبد الله. س، اسم مُستعار، الفتى ذو الأحد عشر عاما، عبد الله هو واحد ممن سُمّوا بأطفال الشوارع، هرب عبد الله من أسرته حينما لم يكن عُمره يتجاوز السنوات الست بعد، بسبب ضرب والده المُتكرر له، لاجئا إلى حياة الشارع، مُرتميا بأحضان المجهول الذي تراءى له أقل قسوة مما كان يُعانيه في بيت أسرته.

 

اليوم هو يوم مُختلف في حياة عبد الله، فقد جمع أصدقاءه لكي يقص عليهم حياة جديدة لا يرونها إلا عبر شاشات تلفاز المقاهي، بينما رآها هو بأم عينيه وعاشها، فقد حضر عبد الله ومجموعة من أقرانه مؤتمرا خيريا بأحد النوادي الراقية، تلك التي تصل تكلفة الاشتراك بها إلى مئات الآلاف من الجنيهات، كان عبد الله وزملاؤه هم بالطبع موضوع المؤتمر، الذي كان يتحدث عن أطفال الشوارع ويحاول أن يجمع التبرعات للجمعيات التي تتولى رعايتهم والعناية بهم، الكثير من المشاعر السلبية اعتملت في نفس عبد الله في هذا اليوم، لكنه كان يُردد لنفسه: "لا داعي للضيق، سأستمتع باليوم، سأشاهد أشياء لم أرها من قبل، هؤلاء الناس يشبهون مَن نراهم في المسلسلات بالتلفاز، سأتناول من هذا البوفيه المليء بالأطعمة التي لم أسمع حتى عنها من قبل، وسأنصرف ومعي مئتا جنيه كما وعدونا، فلمَ الضيق إذن؟!".

 

رغم كل المُبررات التي كان يسوقها عبد الله لنفسه حتى لا يتمكن منه الضيق، فإن الضيق لا يريد الاختباء في نقطة بعيدة ضئيلة مُعتمة بصدره كما اعتاد، يُحاول الضيق أن يخرج من هذه النقطة مُحاولا فرض قوته والسيطرة الكاملة على مشاعره ومُفسدا عليه اليوم. على المقهى يقول عبد الله لزملائه:

"كانت النساء يرتدين ثيابا جميلة، شعورهن ملونة وناعمة وبعضهن مُحجبات، يرتدين مجوهرات كثيرة يُجبرك تلألؤها في ضوء الشمس ألا ترى غيرها، الأطفال يتحدثون بالإنجليزية ويرتدون ثيابا جميلة، يمسكون بيد أمهاتهم أو ينطلقون لاعبين مع أصدقائهم، وأحيانا كُنّا نجد طفلا يُشير لأمه علينا فتهز رأسها، لنجد الطفل يأتي راكضا إلينا ونظرات الشفقة في عينيه مُعطيا لنا بعض الحلوى أو الألعاب".

 

أما عن أسباب الضيق التي لم يذكرها عبد الله ولم يرغب في ذكرها، فقد رواها لـ "ميدان" قائلا: "كنت أشعر أننا كالقرود المحبوسة في قفص في حديقة الحيوان ويأتي الآخرون ليُشاهدونها، لقد ملأت الجمعية التي نظمت المؤتمر رؤوسنا بالكثير من التعليمات، علينا أن نتكلم بشكل مُعين، ونتعامل بشكل مُعين، وحتى ننظر بكيفية مُحددة، حتى لا ينفر منّا الحضور، علينا أن نُثير شفقتهم وتعاطفهم، وإذا تعاملنا بطبيعتنا فسنُثير نفورهم، كان هذا يُضايقني، ولكني كنت أقول لنفسي: هم يعتقدون أنهم "يتفرّجون" علينا، ولكن في الحقيقة نحن مَن "نتفرّج" عليهم وعلى حياتهم التي تلوح لنا في الخيال فقط".

 

يُضيف عبد الله: "ضايقني أيضا رؤية الأطفال وأهاليهم تحنو عليهم، هذا الطفل الذي يشفق عليّ بنظرات عينيه وبإعطائي الحلوى والألعاب، لماذا لا نتبادل الأماكن وسأعطف عليه أنا أيضا؟!".

 

"لا تعطوا الأولاد مالا، مهما قالوا لكم، مهما استعطفوكم، لا تعطوهم مالا أبدا!"

هكذا يُخبر مُدير واحدة من دور الأيتام الزوار

يُثير الرجل داخل نفوس الزائرين الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام، ليوضّح لهم قائلا: "لقد ارتكبنا خطأ فادحا منذ سنوات ولكننا لم نعرف خطورة تأثيره إلا مؤخرا، ونعترف بهذا، لقد فتحنا الدار للزيارات الإنسانية والمُساعدات بشكل دائم، حتى البرامج والإعلانات التليفزيونية التي كانت ترغب في استضافة الأولاد كُنّا نقبل، كان ما يُحركنا هو الحصول على نسبة أعلى من التبرعات لتأمين حياة أفضل للأولاد، لأننا نقوم بعمل دفاتر توفير لهم ونعطيها لهم بمُجرد بلوغهم السن القانونية ليبدؤوا حياتهم، كما يفعل الأهالي مع أولادهم".

 

 

يُضيف قائلا: "لكن الأولاد من كثرة الوجوه المُتعاطفة والنظرات التي تُطل عليهم من أعين مليئة بالشفقة عشرات المرات يوميا فعلوا ما لا يخطر ببالنا أبدا، لقد احترفوا التسول، أصبحنا نُفاجأ أنهم يأخذون من الزوار المال ويُخبئونه منّا، الأولاد الأكبر سنا الذين تخطوا السنوات العشر مثلا بدؤوا يعرفون طريقهم للسجائر، كل هذا اكتشفه المشرفون بالتدريج، ومنذ ذلك الحين منعنا دخول الزيارات على الأولاد إلا بشكل مُقنن ومُحدد للغاية، وبتحذير دائم ألا يُعطي أحد الزوار مالا للأولاد مهما حدث!".

داخل الدار، يجلس سليم. ع، اسم مُستعار، الطفل الذي لم يتجاوز عُمره السنوات العشر بعد، صامتا، ينظر لزواره بنظرة عدائية غير مفهومة، يرد أحيانا ردودا حادة، ويبتعد عمّن يُحاول أن يُلاعبه أو يتحدث إليه.

 

يقول المُشرف لـ "ميدان" مُفسرا: "ليس سليم وحده الذي أصبح يتعامل هكذا، هناك أولاد آخرون أصبحوا يتعاملون بالطريقة نفسها فقط لحماية أنفسهم، الزوار يترددون على الأولاد عدّة مرات، وما يحدث أن الأولاد يتعلقون بهم ويُحبونهم، ثم يحدث ما هو مُتوقع، ينشغل الشخص ويكف عن زيارتهم، ليكتشف الأولاد أن كل ما يُعاينونه من المحبة والود ما هو إلا حالة من الشفقة "المؤقتة"، وليست مشاعر حقيقية يستطيعون أن يُقيموا لها وزنا، كل ما يحدث في الزيارات والحفلات كحفل يوم اليتيم والمؤتمرات وأمام الكاميرات في حالات التصوير يعرف الأولاد أنه شفقة "مؤقتة" ورُبما لن يروا وجه صاحبها مرة أخرى، فأصبحوا لا يتفاعلون مع هذه الشفقة، بل أحيانا يردون عليها بعدوانية حتى لا يتورّطوا في مشاعر حقيقية تؤذيهم بعد أن يختفي الشخص، الأمر الثاني هو أن الأولاد ليسوا بأغبياء، هم يعرفون أنه بشكل ما أثناء التصوير أو في المؤتمرات مطلوب منهم إثارة تعاطف الآخرين، فاحترفوا فعل هذا، وقرر بعضهم أن "يستفيد" بشكل ما".

 

ويُضيف قائلا: "الأولاد الأكبر سنا يرفضون الذهاب لحفلة يوم اليتيم مثلا، يقولون إن اليوم يؤلمهم ويُبرز أمامهم فكرة عدم وجود أهاليهم، بل الأكثر أنه يأتي أطفال آخرون بصحبة أهاليهم لكي يقضوا معهم اليوم ثم يرحلون بصحبة أهاليهم أيضا، بينما يعود هؤلاء الأولاد للدار، وهذا مؤلم بالنسبة لهم، نحن نتعمد أن نرفع عنهم هذا ونقصر الاحتفال باليوم على الأطفال الأصغر سنا، والذين يفرحون بالأغاني والألعاب".

 

من أمام مسجد السيدة زينب بالعاصمة المصرية كانت سيدة. ع، المرأة الخمسينية، اسم مُستعار، تجلس على الرصيف كاشفة عن ساقها المبتورة المُشوهة، ما تجمعه من صدقات من المارة العابرين يُمكّنها من توفير طعامها وإيجار مسكنها، هي لا تتحدث مُطلقا، فقط تكشف عن ساقها، وهم يعطونها المال من تلقاء أنفسهم.

 

في إحدى المرات اقترب منها شاب قائلا لها إنه يُمكنه مُساعدتها، سيقوم بتصويرها في منزلها وهي تشرح حالتها، وسيعطيها المال مُقابل هذا، توافق مُرددة لنفسها بأنها لن تخسر شيئا، فجأة يمتلئ منزلها ذو الجدران المُتهالكة برجال ومُعدّات وأضواء، يُسلطون عليها الضوء، ويطلبون منها التحدّث وشرح حالتها، ثم يعطيها الشاب بعض المال بالفعل ويرحل وتنسى الأمر.

 

بعد مرور عدّة أشهر تُخبرها واحدة من جاراتها أنها رأتها في التلفاز، وأخبرتها أنها ستُعلمها عند عرض الإعلان، وهو ما حدث بالفعل، شاهدت سيدة الإعلان بُصحبة جارتها، رأت نفسها تبكي وساقها ممدودة أمامها والكاميرا مُسلّطة عليها، رأت ملابسها المُتسخة وخمارها المُبقع لأن القائمين على التصوير رفضوا أن تُغير ملابسها حينها.

 

آلمها المشهد، لم يكن مرأى ساقها جديدا عليها، لكنها تألمت أنها تُشاهد نفسها بهذا الحال وتعلم أن كثيرين سيشاهدون هذا أيضا، لينتهي الإعلان بطلب تبرعات لهذه المرأة، حينما رأتها ابنة جارتها على هذه الحال، حاولت التخفيف عنها قائلة إن هذه القناة ليست مشهورة، وإنها "بير سلم"، تقصد أنها قناة غير تابعة لجهة موثوقة، وأن مشاهدينها ليسوا كثيرين، لكن هذا لم يُخفف من وطأة ما شاهدته سيدة للتوّ.

 

حاولت سيدة مرارا أن تُهاتف الشاب الذي قابلها وعرض عليها الأمر لتُخبره بتراجعها وبأنها لا تُريد لهذا الإعلان أن يستمر عرضه، لكن الشاب رد عليها مرة واحدة ولم يرد عليها ثانية عندما علم برغبتها، وعندما استمر عرض الإعلان حاولت أن تُحادثه لتُخبره أنها تريد المزيد من المال، لكنه لم يرد أيضا، تقول سيدة لـ "ميدان": "كنت أشعر أن هذا من حقي، فليُفيدوني كما استفادوا مني!".

 

شعور الاستغلال الأخير الذي تحكّم في سيدة تحكّم أيضا في حالات كثيرة غيرها، فبعض متواضعي الحال ماديا والذين يُدعون للظهور في مؤتمرات خيرية ليجدوا الكاميرات تُلاحقهم وتقوم بتوثيق لحظة حصولهم على المُساعدات يجدون أنفسهم يواجهون هذا الشعور.

 

صابرين. ع، اسم مُستعار، فتاة ثلاثينية من صعيد مصر، وجدت الكاميرات تُلاحقها أثناء حصولها على مُساعدة عينية الشتاء الماضي من إحدى السيارات التي هبطت لقريتهم لفعل الخير، كانت المساعدة هي "بطانية" لمواجهة البرد، ولتجد صابرين بعض القائمين بالتوزيع يرفعون هواتفهم المحمولة ويقومون بتصوير الناس أثناء أخذ البطاطين، وهو الأمر الذي ضايق صابرين طوال طريق عودتها لمنزلها.

 

وجدت صابرين نفسها بعد أن دخلت بيتها تعود أدراجها لمكان السيارة مرة أخرى، وتتشاجر مع القائمين بالتوزيع طالبة الحصول على بطانية أخرى، وعندما رفضوا بحجة أنها حصلت على واحدة منذ قليل، وجدت نفسها تسبهم وتدعو عليهم، وتخبرهم أنهم يذلّون الناس بسبب احتياجهم.

 

لم تكن صابرين ترغب حقا في الحصول على بطانية أخرى، وليس رفضهم هو الذي ضايقها وجعلها تثور عليهم، ما حرّكها للعودة هو أنها تُريد أن تشعر أنها زادت من استفادتها، مثلما يستفيدون هم بتصوير حصولهم على المساعدات، وعندما رفضوا أعطوا لها الفرصة كي تُفرغ حنقها وضيقها هذا.

 

جميلة. س فتاة ثلاثينية، اسم مُستعار، تعمل على تأسيس واحد من المشروعات الخيرية التي تقوم بإيصال المُساعدات لقرى الصعيد، نشاط جميلة بأكمله قائم على صفحات موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، فهي لا تملك مقرا لمشروعها، كل ما هُنالك أنها تستخدم صفحتها الشخصية وصفحة مشروعها الخيري للتواصل مع الآخرين وطلب التبرع منهم، ومن خلال مجموعة من المتطوعين تُشتَرى المساعدات وتُوصّل لمُستحقيها في قرى الجنوب النائية.

جميلة تؤيد تصوير الحالات أثناء استلام المُساعدات، وعندما انتقدها بعض الأصدقاء على صفحتها أخبرتهم أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تجعل الناس الذين يجلسون خلف أجهزتهم الإلكترونية يُصدّقون صعوبة الحالات التي تراها وتتعامل معها هي والمتطوعون، كما أنها الطريقة المادية الملموسة للتأكيد للمُتبرعين أن تبرعاتهم ذهبت في المساعدات حقا.

 

تعمل جميلة وفريقها على عدم توضيح وجوه مُتلقي المُساعدات، يضعون قلوبا أو وجوها مُبتسمة على الملامح الحقيقية، حتى لا يمكن لأحد أن يتعرف على أصحاب الصورة، لكنها تُكرر مؤكدة أن هذه هي الطريقة التي اهتدت إليها لتعزيز عملها والاستمرار فيه من خلال ضمان استمرار التبرعات.

 

جمعية أخرى تُقدّم مُساعدات مادية للفقراء ومحدودي الدخل ترفض مؤسستها الفتاة الثلاثينية بشكل تام وقطعي تصوير المُستحقين أثناء حصولهم على المُساعدات، تعتمد الفتاة بشكل كامل على كتابة تفاصيل الحالة على صفحتها الشخصية وصفحة مشروعها الخيري على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وتطلب من صديقاتها اللاتي لديهن الكثير من المُتابعين أن يُشاركن المنشورات التي تتحدث فيها عن الحالات محل المُساعدة.

 

تبذل الفتاة قصارى جهدها لتحقيق هدفها دون أن تلجأ إلى تصوير المُستحقين، وتقول عن هذا لـ "ميدان": "هل هناك ما يجرح الكرامة أكثر من تصويرك وأنت تحصل على مساعدة؟ هل هناك ما يمكن أن يؤلم شخصا أكثر من تصويره وجعله يتحدث في مقطع فيديو شارحا للآخرين حالته ومدى احتياجه؟ هل من الإنسانية بأي درجة توثيق لحظة للأبد بينما يتمنى صاحبها لو تُمحى من حياته وذاكرته؟! بديلا عن كل هذا نُحاول معرفة تفاصيل الحالة ومدى استحقاقها للمُساعدة ثم نقوم بنشر هذه التفاصيل أنا وصديقاتي على أوسع نطاق نستطيع أن نصل إليه، في النهاية هي أرزاق، والرزق المُقدّر سيصل لصاحبه ولن يستطيع أحد منعه أبدا".

 

"كرامة الإنسان، معنى مش كل الناس مُستوعباه حتى لو تشدقت به، تصوير المرضى والفقراء كي نستدر عطف المُتصدق هو فعل مُهين لكرامة المرضى والفقراء، إعلانات الشحاتة اللي بتخلي الناس اللي بتتفرج تتشحتف وتعيط فيُصابوا بشعور وهمي أنهم طيبين ويتبرعوا بشوية فلوس فيحسوا إحساس وهمي أنهم ناس عظيمة، حاجة مُنحطة ومُهينة وعيب على المُعلنين والمُتبرعين.

من كان منكم صادقا في رغبته في دعم الحياة وتخفيف آلام الناس يتبرع لما يشوف إعلان فيه دعوة بسيطة غير مصحوبة بصور مُهينة للبشر ويتبرع وهو ساكت، شكرا لتفهمكم".

الكلمات السابقة كتبتها المُخرجة السينمائية المصرية وكاتبة السيناريو هالة جلال على صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

وهو ما تؤيده بشدة الباحثة الاجتماعية نسرين. م، اسم مُستعار، قائلة: "استخدام المرضى والفقراء في الإعلانات وتصويرهم شيء مؤذٍ ووسيلة بالغة السوء، بعض الإعلانات تُظهِرهم بشكل مُحترم للتحدث عن تجربتهم وبطولتهم في مواجهة المرض والمساعدة التي حصلوا عليها من الجهة محل الإعلان، قد يكون هذا أخف وطأة من زيادة جُرعات التسول والمُتاجرة بكرامة الناس وإهانتهم للحصول على التبرعات، يُمكننا أن ننظر للأمر من جانب مُختلف، لولا احتياج هذا الشخص أكان سيوافق على رغبتك في تصويره؟ لو كان الاحتياج لك وحده هو ما دفعه للموافقة على رغبتك فهذا شيء غير إنساني لأنه قائم على استغلال حاجة شخص في ضيق، هذا الضيق قد لا يكون شيئا سهلا أو عابرا، هو شيء ثقيل ومؤلم بحجم مرض عضال".

 

تؤكد نسرين أن المُتبرعين بحاجة إلى توعية كما المُعلنين، فيكفي أن تكون مثل هذه الإعلانات توعوية تسرد معلومات وتشرح نشاط الجهة محل التبرع وما تُقدمه وعدد الأشخاص الذين يلجؤون إليها وصعوبة المرض على مَن يُعانون منه، ولنترك للمُتبرع أن يتحرك بدافع من إنسانيته ورغبته في المُساعدة دون هذا القدر من الابتزاز الفج للمشاعر، الذي يصل إلى حد الإيلام والأذى للمُشاهد.

 

 

في شهر رمضان الماضي، بثّت القنوات التلفزيونية إعلانا لجمع التبرعات لتأسيس مُستشفى الحروق بمصر، فكرة الإعلان قائمة على قصّ قصص حقيقية للمشاهدين تَعرَّض أصحابها لحوادث حريق ولم يجدوا مكانا متخصصا يُقدّم لهم العلاج، خلال الإعلان تُقدَّم القصص بأصوات مؤدّين يستخدمون نبرة صوت حزينة ومتألمة، أما الصورة فقد استخدم القائمون على الإعلان الرسوم المُتحركة لإيصال فكرتهم!

"هذا الإعلان كابوس حقيقي، لا أصدق كم القسوة التي يُعرّضوننا لها لكي نتبرع"، هكذا عبّرت سامية. ع المرأة الأربعينية عن موقفها من الإعلان، وتُضيف قائلة لـ "ميدان": "كُلما عُرض الإعلان ولا أجد جهاز التحكم إلى جواري لأتمكن من تحويل القناة سريعا، وأتورّط في سماع كل هذا الألم، يتملّكني الحنق على أصحاب هذه الفكرة القاسية".

 

ليست سامية وحدها التي تبنّت موقفا سلبيا من هذا الإعلان، فهناك عشرات الأشخاص على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تبنّوا الموقف نفسه، فيقول أحدهم: "أضع الريموت إلى جواري لا لشيء سوى كتم صوت التلفاز بمُجرد عرض إعلان مستشفى الحروق"، بينما تقول أخرى: "لقد سألتني طفلتي وهي تبكي بعد مُشاهدة الإعلان لماذا يفعل الله بنا هذا؟ كان سؤالها بسبب شدّة الألم الذي عرّضها الإعلان له، وظللت أشرح لطفلتي التي لم تتجاوز الثامنة من عُمرها بعد أن الله رحيم وأن هذه الحوادث نتيجة أخطاء بشرية"، وتُضيف ثالثة: "كوابيس ودموع وصراخ، هذا هو رد فعل أطفالنا على إعلان مستشفى الحروق، وما زاد الأمر سوءا أنه معروض بطريقة الرسوم المتحركة مما جعله يجذب انتباههم أكثر"، ويُعبر آخر عن موقفه من الإعلان قائلا: "إعلانات مستشفى الحروق من أكثر الصور الفجة للابتزاز العاطفي، تماما كمُتسول يبرز أطرافه المبتورة أمام عينيك ليُثير عطفك وشفقتك".

بينما تؤكد أخرى أن إعلان مستشفى الحروق تخطى كل القيم والمبادئ ومعاني الرحمة، وتحوّل من ابتزاز المشاعر لتسول التبرعات إلى منحى أخطر كثيرا، ألا وهو إرهاب المشاعر ودهس القيم الأسرية وممارسة الإرهاب المعنوي على أفراد الأسرة لا سيما الأطفال، هل تدرك المستشفى كمّ الألم النفسي الذي سبّبته للأطفال بتصوير هذه البشاعة؟ هل تُدرك عدد الأطفال المُرتعبين الذين يلوذون بأحضان أمهاتهم عند بداية الإعلان؟".

 

على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي يُعلق الطبيب النفسي دكتور محمد طه على إعلان مُستشفى الحروق قائلا: "ابتزاز رخيص للمشاعر، استغلال بشع للتعاطف، انتوا كده مش بتدعوا الناس للتبرع، انتوا كده بتحسسوهم بالذنب.. وبلوم النفس.. وبالعجز.. عاوزين تلموا تبرعات عن طريق إحساس الناس بالذنب؟

محدش فكر إن الإعلان ده نفسه بيعمل صدمة نفسية للي بيشوفه؟ والله العظيم إحدى زميلاتي كلمتني امبارح، شافت الإعلان بالصدفة، قالتلي: أنا سكت وتنحت فجأة.. وحسيت إني اتدفنت بالحيا.. هما بيعملوا فينا كده ليه؟ دي طبيبة نفسية متعودة تسمع وتشوف آلام الناس وصدماتهم. الناس العادية والأطفال يعملوا إيه بقى؟ هو السادة المعلنين بيستمتعوا بإيلامنا نفسيا مثلا؟ بيتبسطوا لما نتوجع؟ بينشكحوا لما نغلي من جوانا؟!".


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة