أساطير نهاية الزمان.. كيف رأت الثقافات القديمة أحداث نهاية العالم؟

لكل بداية نهاية، لذلك منذ بداية العالم والبشر يفكرون في نهايته بشكل مختلف تبعا لكل ثقافة أو ديانة ومعتقد؛ البعض فكر في الخلود كطريقة للاستمرار في الحياة، مثل جلجامش في ملحمته، الذي لم يستطع تقبل محدودية الوجود البشري، وفي واحدة من القصص الأسترالية القديمة، يُحكى أن إله القمر "باهلو" ترك السماء تمطر حتى غرقت الأرض، عقابا لرجل واحد (1)، ويبدو جوهر القصة متماشيا مع فكرة العقاب الذي يحل على الشعوب أو البشر نتيجة أفعال فئة منهم.

 

مع اجتياح فيروس كورونا للعالم بالكامل، ظهرت بقوة أفكار ونظريات المؤامرة، والنظام العالمي الجديد، وأصبحت جملة نهاية العالم أكثر تداولا من ذي قبل خاصة مع الانهيارات الصحية والمجتمعية، وضعف شبكة الإنترنت العالمية نتيجة الضغط الهائل عليها، ومع أخبار اصطدام نيازك وكواكب بعيدة بالأرض. دعمت كل هذه الأفكار فكرة اقتراب نهاية العالم لدى العديد من البشر، خاصة هؤلاء الذين يخشون الموت فرادى، تماما كما حدث عندما اجتاح العالم وباء الطاعون، اعتقد الناس في القرون الوسطى وقتها أن الطاعون هو نهاية العالم، وأن ما يحدث من موت هو بداية مرحلة الحساب الإلهي للبشر.

 

تأتي نهاية العالم في الثقافات المختلفة بسيناريوهات متعددة، سواء الانتقام من البشر، أو دفع ثمن خطايا سابقة، أو عندما تنهض الشياطين والأرواح الشريرة لتلتهم العالم بالكامل، أو عند وقوع كوارث طبيعية تُنهي العالم بالكامل. هنا نحكي حكايات قديمة عن أساطير نهاية الزمان.

 

تتماسّ هذه الأسطورة مع الأفكار الإسلامية والمسيحية عن نهاية العالم بشكل ما، خاصة عند الحديث عن مُخلّص يجتمع حوله البشر ليعود السلام إلى الأرض من جديد، قبل أن ينتهي الكون بالكامل. يُحكى أن مايتريا موجود في السماء، ينتظر ولادته من جديد، يعود اسمه إلى كلمة "ميترا" وهي تعني الصديق، والصداقة واحدة من الفضائل البوذية والتي تُماثل المحبة في المسيحية. في هذه القصة لن تأتي نهاية العالم بكارثة، ولكنها ستأتي بالإشراق، فتتسع شبه القارة الهندية لكل البشر، وتتلاشى الأمراض والحروب، وتصل أعمار البشر إلى 500 عام. (2)

 

سيشهد ذلك الزمان نهاية الأنانية، ويعيش البشر حياة أقرب لحياة الرهبان، ويعظ مايتريا لمدة ستين ألف عام، ثم يغادر الأرض ليصل إلى النيرفانا، ويترك البشر يحققون النيرفانا ويتحررون من العذاب والألم ويعيشون مع بوذا للأبد. بعكس تلك الأسطورة النورانية تأتي أسطورة راجناروك "النرويج، إيسلندا" (3)، وذُكِر في القصائد النوردية القديمة عنه أنه "سيتقاتل الإخوة ويقتلون بعضهم بعضا، ويدنس الأطفال، ويصبح العالم أكثر قسوة. تنتشر الذئاب والزواحف وتموج الرياح دون رحمة".

 

تضع الأسطورة النوردية "الإسكندنافية" سلسلة من العلامات التي تسبق نهاية العالم والزمان؛ وهي شتاء بارد طويل لا ينتهي، يظهر من بعده ثعبان ضخم يلف الكرة الأرضية بالكامل، حينها تغدو الشمس سوداء، وتنطفئ نجوم السماء، وتحتدم النيران ويعلو اللهب حتى يصل للسماء ويصطدم بقبة الملكوت. بعد ذلك تتقاتل الآلهة ويطلق التنين النار ليدمر باقي الحياة على كوكب الأرض. "من قصائد إيدا التي تصف الأسطورة". (4)

 

لا ينتهي الأمر عند تلك النهاية الكارثية الحزينة في الأسطورة، لكن يظهر العالم من جديد بعد أن تنحسر البحار ليخرج من الأعماق رجل وامرأة يأكلون من ندى الصباح ويُعيدان تعمير الأرض من جديد بالجنس البشري. ربما تُمثِّل هذه الأسطورة استعارة الطبيعة الدورية التي تظهر في دورات الليل والنهار والمواسم الأربعة والحياة والموت، وتُمثِّل أملا مستمرا للذين يخشون النهايات.

 

تُمثِّل تلك النبوءة المجيء الثاني للمسيح حين يحارب الدجال بعد أن يموت كل الأنقياء على الأرض. تترسخ تلك المعركة في وعي البشر من عقائد وثقافات مختلفة دينية وعِرقية لما يعتقدون أنه نهاية حتمية للعالم. ذُكرت المعركة في الكتاب المقدس بوصفها المعركة النهائية بين الحكومات البشرية، وبين الإله بعد أن ترفض الحكومات الخضوع لسلطانه، لذلك ستطوي هرمجدون الصفحة الاخيرة في تاريخ الحكم البشري. (5)

 

وردت معركة هرمجدون في الكتاب المقدس بسفر الرؤيا (16:16) حيث يقود المسيح يسوع جيشا من الملائكة وينتصر على أعداء الله في معركة تمثل شعوب الأرض بالكامل، وتصطف فيها كل الأمم للمواجهة الأخيرة. لن تنتهي البشرية بنهاية المعركة، بل هي نهاية عالم الشر، ونهاية كل مقاومة لأوامر الله، ولا توضح النبوءة ماذا سيحدث بعدما ينتهي الشر، وهل سيعاود الظهور مجددا، أم سيبقى العالم في سلام أبدي؟

 

 

تعتقد قبائل الأزتيك بوجود أربعة عوالم دُمِّرت بالفعل، ونعيش حاليا في العالم الخامس وهو العالم الأخير قبل الفناء الكامل. في بداية كل عصر يخلق العالم ويعمر بالناس إلى أن يبلغ نهايته بعد أن يجتاحه الشر.(6) عالمنا الحالي أيضا سينتهي وينتهي معه الوجود عن طريق أفعى ضخمة تقذف من جوفها سيولا من السماء. تقول الأسطورة ستتدفق الفيضانات من الشمس والقمر، والربة العجوز تراقب العالم وهو ينتهي بتنورتها التي تزينها رموز الموت، وعلى رأسها تاج من الثعابين الحية الملتوية. سيتوقف الماء لوهلة، ثم يخرج الإله الأسود وعلى رأسه بومة تصرخ في غضب، ليهلك الجميع وينتهي أمر الكون بالكامل. مثلما أهلك الإله الأسود الكون يفعل الإله الشمس في الأسطورة الأفريقية "شمس يأكل أبناءه". (7)

 

في البدء كان الشمس والقمر زوجا وزوجة، يعيشان مع أطفالهما النجوم، يأكلون النار ليواصلون إشعاعهم بالضوء على سطح الأرض. في أحد الأيام أحبت الزوجة "قمر" شابا شديد الوسامة وهربت معه، عندها غضب الزوج الشمس وهربت النجوم الصغيرة من غضبه، لكنه كان يطاردهم ويلتهمهم، فابتعدوا عنه وتناثروا في الفضاء الفسيح فلم يتمكّن من الوصول إليهم بالكامل.

 

كل يوم يستمر "شمس" في مطاردة زوجته وأطفاله عبر السماء، ومن وقت لآخر يلتهم نجما جديدا فينطفئ النجم، أما الأم "قمر" فتحاول جمع أطفالها بالقرب منها كل يوم. ستستمر المطاردة لزمن طويل قبل أن تبلغ نهايتها عندما يناصر البشر الشر، ويسيطر "شمس" على الكون ويحبس زوجته "قمر" في خندق عميق بمركز الأرض، ويحبس النجوم معها ويلتهم العالم بالكامل وتنتهي الحياة بظلام لا ينتهي.

 

"أنا أؤمن إيمانا تاما بمجيء المسيح، وعلى الرغم من أنه قد يتأخر، فإنني أنتظر مجيئه كل يوم".

(الحاخام موسى بن ميمون في مبادئه الإيمانية الثلاثة عشرة)(8) (9)

الحاخام موسى بن ميمون (مواقع التواصل)

تقول الديانة اليهودية إنه عندما ينتهي العالم فسيُعيد الله اليهود إلى إسرائيل، ثم يظهر المسيح ليساعد البشر إلى الانتقال إلى عصر مليء بالسلام والتنوير. سيكون المسيح المخلص من نسل الملك داوود ويحكم شعب إسرائيل. سوف يدرك الجميع أن إلههم هو الإله الحقيقي الذي سيعيد كل أرواح الموتى إلى أجسادهم، ويعيد إحياءهم مجددا، وينتهي العالم بعودة الجميع إلى جنة عدن. وتبدو هذه النهاية من أقل النهايات ترويعا وأكثرها شاعرية بالمقارنة مع النهايات الكارثية والمؤلمة حول العالم.

 

قبل أن تخشى البشرية من اصطدامات الكواكب أو الإبادة النووية، والكوارث الكونية وانتشار الأوبئة، كان الفنانون يستشرفون ما سيحدث لاحقا، منذ عصر النهضة وما قبله وهم يحاولون تحذير البشرية من النهايات المحتملة نتيجة خطايا البشر وفسادهم، ومن أشهر لوحات توقع النهاية لوحة "حديقة المسرات الأرضية 1515" للفنان الهولندي هيرونيموس بوش. (10)

 

يعتبر بوش من أهم فناني عصر النهضة في أوروبا الشمالية، وقد تناول في لوحاته هواجسه وأفكاره فيما يخص بداية الكون وحاضره ومستقبله أو نهايته. صوّر بوش في الجزء الأول من ثلاثيته آدم وحواء بداخل جنة عدن قبل أن يسوء الأمر بهم ويخرجون من الجنة. في التتابع نفسه تصور اللوحة الثانية فساد البشر في الأرض في مشاهد سريالية يختلط فيها البشر بالحيوانات والطيور في شكل مسوخ. أما اللوحة الأخيرة من ثلاثية بوش فتتنبأ بمستقبل المفسدين من البشر داخل الجحيم، ليظهر المشهد بألوان داكنة، وبشر عرايا معذبين يتناثرون في أرجاء الجحيم.

في سلسلة من خمس لوحات للفنان الأميركي توماس كول يحكي كول بشكل بصري بداية البشرية وتطورها وانهيارها، معززا وجهة نظره بأن التطور هو الخطوة الأولى في طريق دمار البشرية. (11)

 

في اللوحة الأولى "البرية" يظهر العالم كغابة وحشية كبيرة، طبيعة بكر كما خلقها الله دون أي تدخل، جبل صخري كبير تحيط به الغيوم، عندما كانت سلطة الإنسان على الطبيعة منعدمة تماما. تُمثِّل اللوحة الصورة المثالية لحرية الفرد الوحيد الذي يتحدى العالم بمفرده، يهيم في الأرض دون عوائق أو حدود أينما ذهب.

في اللوحة الثانية يبدو أن الإنسان قد روّض القليل من وحشية الطبيعة، وبدأ في ممارسة سلطته البشرية عليها. يتناثر في اللوحة القليل من البشر، مع قطعان صغيرة من الحيوانات، وقوارب وبيوت خشبية صغيرة. في منتصف اللوحة ينتصب معبد وحيد مبني من ألواح حجرية بيضاء، ليظهر أن الإنسان بدأ في طقوس عبادة الإله أيًّا كان.

في اللوحة الثالثة "اكتمال الإمبراطورية" تظهر قوة الحضارة وزخارفها ومعمارها في مشهد كامل تلاشت فيه الطبيعة واندمجت بالكامل داخل الحياة الحضرية. يظهر في اللوحة ميناء ملاحي ترسو السفن على رصيفه، ومعابد وقصور مصنوعة من الرخام المصقول، دون أي أثر للغابة القديمة والحياة البرية، وبالرغم من الألوان المضيئة المشرقة للوحة فإنها تكشف عن صراعات طبقية تُشكِّل أساس الإمبراطورية الجديدة.

في اللوحة الرابعة "التدمير" تظهر الحضارة في مرحلة الانحدار، فالحضارات مثل البشر لا يمكن أن تهرب من دورة الحياة. يظهر في تلك اللوحة التجليات المختلفة للموت، حيث تسود المذابح في الشوارع، ويحل الدمار محل القصور والمعابد التي كانت ترتفع إلى أعلى القمم. لا تُظهِر اللوحة سببا معين للموت والدمار، ويترك كول مخيلة المتلقي تفكر في أسباب الدمار المختلفة، لكن تظهر في الأفق دوامات اللهب والدخان وآثار تدمير الحضارة القديمة.

في اللوحة الخامسة "الخراب" تظهر نهاية الحضارة البشرية، وبدأت الطبيعة في الظهور من جديد، مع تراجع وجود البشر ومعالم الحياة الإنسانية. تطغى على اللوحة النباتات والأرض والبحر والغيوم الرمادية الكئيبة، وتراجعت سلطة البشر على الطبيعة من جديد، ليظهر الخراب بشكل مسالم بالرغم من كونه كئيبا ووحشيا، ويجعلنا نفكر أنه ربما تظهر حضارات جديدة على أنقاض الإمبراطوريات القديمة.

_______________________________________________________________________________

المصادر

  1. كتاب ومن بعدنا الطوفان "حكايات نهاية البشرية"، مينيكه شيبر
  2. المرجع السابق نفسه
  3. 11 Ancient Apocalyptic Myths
  4. Poems of the Elder Edda
  5. What is the battle of Armageddon?
  6. كتاب ومن بعدنا الطوفان "حكايات نهاية البشرية"، مينيكه شيبر، دار صفصافة
  7. كتاب ومن بعدنا الطوفان "حكايات نهاية البشرية" مينيكه شيبر، دار صفصافة
  8. 11 Ancient Apocalyptic Myths
  9. موسى بن ميمون: تجديد اليهودية من رحم النسق الإسلامي
  10. The hay
  11. ART AS IDEAS: THOMAS COLE’S THE COURSE OF EMPIRE

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة