السجن والزمن.. كيف يمر كل هذا الفراغ؟

"إذا لم يَطرح عليّ أحد هذا السؤال، فإني أعرف ما الزمان، ولكن بمجرد ما يُطرح عليّ السؤال وأفكر في الإجابة عنه أشعر بأنني لا أعرف الجواب".

(القديس أوغسطين في حديثه عن الزمن)(1)

في معرض حديث الفلاسفة عن الزمن وتعريفه، تناول القديس أوغسطين الزمن على اعتباره شعورا داخليا من الصعب شرحه أو التعبير عنه من خلال كلمات أو وصفه من خلال شيء مادي/ملموس، وهو ما استطرد في شرحه د. الطيب بوعزة قائلا: "الزمان إما ذو كينونة واقعية خارجة عن الذات، أو نتاج الذات. المؤكد أن الإنسان يدركه ويستخدم مؤشرات وأدوات لقياسه"(2).

 

إذن -كما يقول أوغسطين- من الصعب تحديد تعريف لمفهوم الزمن، وفي المقابل فنحن نعمل على تبسيط هذا المعنى المجرد من خلال فهمنا لـ "الوقت" الذي يمكن قياسه من خلال الاعتماد على عدد من المؤشرات المحيطة بنا، فالعلاقة بين الزمن والوقت هي علاقة الجزء بالكل، فالزمن هو مجموع الوقت والخبرات والمشاعر والأحداث التي يختبرها الإنسان.

 

وهنا يثار تساؤل في حالة "السجين": "كيف يشغل السجين وقته داخل محبسه وكيف يمكنه قياسه؟"، أو "كيف يمر كل هذا الفراغ؟"، وبالتالي كيف يتشكّل "زمن السجن" ليصبح بعد ذلك إحدى المحطات المهمة في حياة السجين.

 

 

"أرسل لي أحد الأصدقاء المقربين إلى قلبي خطابا يتساءل فيه عن كيف أتصرف في "الملل". قال إن أدبيات السجون التي قرأها تحدثت عن التعذيب وأشياء أخرى، ولكنها لم تساعده في تخيل اليوم المعتاد، وكيف يمكن للشخص التصرف في كل هذا الوقت الفائض"(3).

(سجينة سابقة في سجن القناطر/نساء)

يمر الوقت داخل السجن ثقيلا، فالانعزال عن العالم الخارجي، عن الحياة خارج أسوار السجن، عن الأصدقاء والأهل، والمكوث داخل هذا المكان المغلق، يُساهم في ثقل الزمن وتوقف التفكير، فبحسب عبد الرحمن، سجين سابق في سجن طرة، يقول: "الزمن في السجن ليس هو الزمن الذي اعتدناه خارجه، فهو يمضي ثقيلا كالكابوس، وهو لا يُحسب بالأيام والأسابيع، إنما بالساعة والدقيقة والثانية، لأننا بنعيش بالدور جوا السجن، النفس بيكون بالدور جوا زنزانة 2 في 3 متر وفيها 60 بني آدم".

 

على الجانب الآخر، قد يحدّ من ثقل الزمن -حسب المقابلات التي أجراها "ميدان" مع معتقلين سابقين- قدرتهم على ملء يومهم بأنشطة تهون عليهم ثقل الوقت داخل السجن، حيث يحاول السجناء طوال الوقت قتل الملل وملء أوقاتهم بأي أنشطة، كالقراءة والدخول في مناقشات مع من معهم في الزنزانة نفسها، كذلك يحد من ثقل الزمن داخل السجن اعتياد السجين على الروتين اليومي داخل السجن، والذي على الرغم من بساطته فإنه يساهم بقدر ما في ملء الفراغ الناتج عن الاحتجاز، وهو ما توضّحه مروة، سجينة سابقة في سجون دمنهور وبورسعيد، في مقابلة خاصة لـ "ميدان":

"كنا بنصحى بنعمل الفطار، نعمل أي حاجة، بنكتب جوابات، نستنى الزيارة، اليوم كان بيعدي بس مش عارفة إزاي، وأنا جوا كان فيه أيام بتعدي وأيام ما بتعديش، وأنا برا برضه كان كده بس الفرق إن وأنت برا ممكن تسلي وقتك بالتكنولوجيا، تخرجي مع صحابك، هو ده الفرق"(4).

لكن هذا الشعور بالثقل يتعاظم في حق بعض السجناء ممن يمرون بظروف احتجاز أصعب، كهؤلاء الذين تجاوزت مدة حبسهم الاحتياطي سنة أو أكثر، أو كحال البعض من المحبوسين انفراديا لفترات طويلة.

 

  • 1- الحبس الاحتياطي

"السجن ما بيموّتش، بس الوحدة بتموّت، أنا محتاج دعمكم عشان ما موتش. في السنتين اللي فاتوا أنا حاولت أقاوم كل اللي بيحصلي لوحدي عشان أخرج لكم نفس الشخص اللي تعرفوه، بس مبقتش قادر خلاص. مفهوم المقاومة في السجن. إنك بتقاوم نفسك وبتحافظ عليها وإنسانيتك من الآثار السلبية من اللي بتشوفوا وبتعيشوا كل يوم، وأبسطها إنك تتجنن أو تموت بالبطيء، لكونك مرمي في أوضه بقالك سنتين ومنسي ومش عارف هتخرج منها امتى؟ أو ازاي؟ و النتيجة إني لسه في السجن وكل 45 يوم بنزل عند قاضي وبتكون نفس النتيجة -تجديد 45 يوم- من غير حتى ما يبص لي أو يبص لورق القضية اللي كل اللي فيها مشيوا من 6 شهور"(5).

 

كانت هذه هي الرسالة الأخيرة لشادي حبش، وهو سجين سابق في سجن طرة تحقيق القاهرة للمحبوسين احتياطيا، والذي توفي في الثاني من شهر مايو/أيار من العام الجاري داخل زنزانته في سجن طرة تحقيق، على الرغم من تخطيه المدة القانونية للحبس الاحتياطي.

 

عادة ما يساهم الحبس الاحتياطي في تعميق الشعور بثقل الزمن والملل الذي لا ينتهي، أو الذي لا تعرف نهاية محددة له، خاصة مع تمديد فترات الحبس الاحتياطي التي أصبحت إحدى السمات الرئيسية في تعامل منظومة العدالة الجنائية مع المتهمين، كانعكاس للقرار رقم 83 لسنة 2013 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية والذي سمح بعدم التقيد بمدة للحبس الاحتياطي في الجرائم التي تكون عقوبتها الإعدام أو المؤبد(6)، وبالتالي أصبح الآلاف من المحتجزين قيد الحبس الاحتياطي -المحكوم عليهم بالمؤبد والإعدام- لحين الفصل في الحكم من قِبل محكمة النقض. كما تخطى العديد من المحتجزين مدة الحبس القانونية (عامين) دون إخلاء سبيلهم، ولا يعرفون هل هناك خلاص من هذا الوضع أم لا؟

 

فعلى أقل تقدير يعلم السجناء المحكوم عليهم متى الخروج من هذه الغرفة، ومن هذا المكان المغلق المظلم، يوجد محرك لمرور الوقت، وانتظار موعد انتهاء العقوبة، ولكن يُحرم المحبوسون احتياطيا حتى من حساب الأيام، فلا يوجد موعد محدد لخروجهم، وهو ما رواه سجين سابق في سجن طرة عن رفيقه داخل الزنزانة:

"إسلام يقبع الآن في السجن منتظرا انتهاء محاكمته مثل الكثيرين ممن تضيع سنوات عمرهم في انتظار انتهاء محاكمتهم، موعد جلسته بعد أيام، يفارقه النوم هو مستيقظ ويترقب هذا اليوم خائفا، إذ ربما يكون هو آخر يوم له في هذا الجحيم، وربما يمتد الجحيم طويلا"(7).

  • 2- الحبس الانفرادي

"الزنزانة المتكدسة أفضل من الحبس الانفرادي"(8).

(م.ح، طبيبة نفسية)

شعور الوحشة داخل السجن قد يقل أو يمكن التحكم به -على أقل تقدير- في حال وجود مَن يؤنس الوحدة، مع وجود رفقاء في الزنزانة يمكن مشاركتهم الطعام والشراب، والحديث عن حيوات كل منهم فيما قبل السجن، التشارك في أنشطة يومية تقتل الوقت والحنين إلى الخارج، يروي الكاتب والمفكر السوري "ياسين الحاج صالح" عن تجربته داخل سجون النظام السوري، وتعامله مع الزمن آنذاك في كتابه "بالخلاص يا شباب": "نعيش داخل السجن بفضل قدرتنا على نسيان أننا سجناء، ونقدر على النسيان إذا أُتيحت لنا وسائل إنساء فعالة"(9). لكن ماذا لو انتفت أبسط الحقوق وأبسط طرق السجناء في التحايل على الوقت؟ ماذا لو بقي السجين وحيدا داخل غرفة مظلمة لا يوجد بها الحد الأدنى من متطلبات الحياة؟ لا يوجد شباك -قد يكون مغلقا بأسلاك حديدية مضاعفة-، وقد يُمنع مَن يُعاقب بالحبس الانفرادي بالتبعية من الخروج سواء للزيارة أو للتريّض، وهو ما يعني عدم التعرُّض لأي مؤثرات خارجية، كيف يمر الوقت في هذه الحالة؟ إذ يواجه السجناء صعوبة في حال تعرضهم للحبس الانفرادي في كيفية تمضية الوقت، وهو ما رواه سجين سابق في يومياته داخل السجن، المنشورة بموقع "مدى مصر": "تمنيت أن يشاركني أحد هذه الغرفة، حتى أستطيع قضاء هذا الوقت العصيب…"(10).

 

"أنا دخلت السجن وأنا عندي 26 سنة وخرجت عندي 30 سنة، أنا حسيت إني ضيعت وقت قبل السجن، لكن ما حستش إن السجن هو اللي كان أزمة لوحده، بس كان عندي أزمة بعد ما خرجت بفترة كده إنه بقى عندي تلاتين سنة وضيعت العشرينيات كلها ما كانش عندي بوصلة، مش عارف أنا رايح فين ولا جاي منين، كنت حاسس بالضياع"(11).

(مقابلة "ميدان" مع "محمود"، سجين سابق في سجن برج العرب)

كيف يمكن اعتبار الوقت ثقيلا ومهدرا في الوقت ذاته، حيث يوجد فائض من الوقت للقيام بالعديد من الأمور، ولكنه مقيد؟ هذه هي المفارقة الأهم فيما يتعلق بالزمن داخل السجن، والتي تُعمِّق من معاناة السجناء وهم داخل السجن، ويمتد أثرها حتى بعد خروجهم منه، إذ يجد السجين نفسه بعد خروجه وكأنه في سباق مع الزمن لتحصيل كل ما فاته وهو بالداخل -حيث الزمن متجمد- سواء في دراسة، أو تخطيط لمستقبل غير محدد المعالم بعد، أو إدراك لكل الأخبار والأحداث والمناسبات التي لم يعاصرها.

 

والزمن المهدر في الداخل مُتمثِّل في السنوات التي يقضيها السجين خاصة في الداخل دون المرور بتجارب واختبارات من شأنها أن تُكوِّن شخصيته وأفكاره عن نفسه والمجتمع والدور أو الحلم الذي يسعى لأجله، مما يؤخر أو "يجمد" مستقبله، خاصة في حالة الأصغر سنا، كما تؤخر سنوات السجن سير السجناء إلى المستقبل، خاصة على الصعيد العملي، إذ يقتطع السجن من سنوات عمرهم في سبيل اللا شيء، تضيع في الداخل فرصهم في استكمال مسيرتهم المهنية، أو الدراسية، ففي مقابلة أجراها "ميدان" مع مروة، سجينة سابقة في كلٍّ من سجنَيْ دمنهور وبورسعيد/نساء، روت لنا:

 

"لما دخلت أول مرة كان عندي 22 سنة وخرجت كان عندي 26 سنة، وكنت بعمل دبلومة في الكلية بتاعتي، طبعا معرفتش أكملها علشان لما اتمسكت في القضية دي قالوا لي لأ أنت مش هتكملي في الكلية، فلما خرجت قدمت على ماجستير في جامعة تانية، برضه لما عرفوا إني اتقبض عليا تاني رفضوا، بس ما اتفصلتش، أنا لما خرجت المرة التانية معرفتش أكمل فيه، بس قدمت بعد كده في ماجستير في معهد خاص مش حكومي"(12).

 

 

"فقدت الإحساس بالزمن بكل ما تحمل الكلمة من معنى"(13).

(سجينة سابقة في سجن القناطر/نساء)

يفتقد السجين فكرة مزامنة الأحداث والمناسبات، والأخبار السعيدة منها والحزين أيضا، خاصة في حالة السجون التي تنتفي بها أي وسيلة للأخبار، سواء الحصول على الجرائد، أو استلام خطابات، فضلا عن الحالة الأكثر تطرفا بمنع الزيارات التي تصل في بعض السجون وعدد من القضايا إلى سنوات طويلة، والمنع المطلق في وقتنا الحالي بالتزامن مع انتشار فيروس كورونا المستجد. يُستثنى ممّا تقدَّم بعض السجون التي يسير فيها اليوم على روتين محدد يستطيع من خلاله السجين المزامنة كما هو الحال في سجن بورسعيد، فبحسب إحدى السجينات السابقات به والتي أجرى "ميدان" معاها مقابلة، قالت: "كان فيه حاجة اسمها "تمام"، لازم يصحونا الصبح علشان ينضفوا العنبر، الساعة 7 ونص 8، كنا اتعودنا على كده"(14).

 

"الزيارة قبل أن تكون حقا للسجين وأهله فهي مناسبة لتنظيم جريان الزمن وضبط تدفقه، إنها مثل العيد تمنح مناعة ضد الفجأة والصدمة"(15).

(ياسين الحاج صالح، بالخلاص يا شباب)

الزيارات هي منفذ السجناء إلى العالم الخارجي، فيما وراء أسوار السجن وبواباته التي تغلق عليه وتمنع عنه جريان الزمن، إذ إنها تُمثِّل عتبة(16) liminal spaces" " بين عالمين؛ عالم السجين، والعالم خارج السجن، فكيف إذا مُنعت الزيارات عن السجناء، كيف يمكن مرور الوقت، كيف سيكون شعورهم بالوقت، ثم الزمن؟ مع كونها عزاءهم في الداخل وحافزا لسرعة مرور الأيام والشيء الوحيد الممكن انتظاره في الداخل، بحسب سجين سابق في سجن طرة تحقيق:

"تخيُّل الحياة خارج السجن كان عزائي اليومي، لهذا كنت أنتظر موعد الزيارة بفارغ الصبر"(17).

وعلى الرغم من أهمية الزيارات فإن عددا من القضايا يمنع أو يغلق عددا من السجون على مَن بها، وهو إجراء مُتَّبع من قِبل قطاع مصلحة السجون منذ عقود، بداية من عهد مبارك وقد يكون من قبل ذلك، وهي السياسة المستمرة حتى يومنا هذا، وبحسب مقابلة "ميدان" مع محاميين اثنين من المدافعين عن حقوق الإنسان -رفضا ذكر اسميهما-، يوجد على أقل تقدير ما يزيد على 19 قضية ممنوعة من الزيارات.

 

وإلى جانب إغلاق السجون في الوقت الحالي على مَن فيها، لا تستقبل السجون كافة أية زيارات منذ الثامن من مارس/آذار الماضي، وذلك ضمن الإجراءات الاحترازية الخاصة بمواجهة فيروس كورونا المستجد.

 

ويُنظِّم قانون السجون منع الزيارات وفقا للمادة 42 من قانون تنظيم السجون التي تنص على: "يجوز أن تُمنع الزيارة منعا مطلقا أو مقيدا بالنسبة إلى الظروف في أوقات معينة وذلك لأسباب صحية أو متعلقة بالأمن"، وبالتالي تقنّن منع الزيارات من خلال نص قانون غامض لا يوضّح على وجه التحديد وبشكل مفصل الحالات التي يجب فيها منع الزيارات، مما يُعطي إدارة السجن صلاحيات تقديرية واسعة في اختيار السجناء الممنوعين من الزيارة وفقا لقرارات أمنية/سياسية بحتة بقرارات من مساعد وزير الداخلية لقطاع السجون، مما يساهم في عزلة السجين بشكل أكثر عمقا، على الرغم من أهميتها الشديدة في خلق توازن نفسي للسجين، وتُذكِّره بالحياة خارج أسوار السجن، وهو ما ذكره ياسين الحاج صالح في كتابه "الزيارة تخلخل ركود الحياة في السجن، تحافظ على شيء من نضارتها، على شيء من هواء الحرية"(18).

 

"كانت بعض خطابات أصدقائي التي تصلني هنا بمنزلة قُبلة الحياة التي تجعلني قادرا على التغلب على هذه الأيام وعلى محو مرارتها. كلما قرأتها كنت أتذكر اللحظات التي عشناها معا، لحظات الفرح ولحظات الألم، وتمنيت كثيرا أن تعود هذه الأيام. وكنت أنتظر موعد الجلسة حتى تتسنى لي رؤية أهلي وأصدقائي الذين كنت أنسى ما أنا فيه عندما أراهم. كانت الفرحة تغمرني كلما وجدتهم بانتظاري ويفعلون كل ما بوسعهم لرؤيتي"(5).

(سجين سابق في سجن طرة تحقيق)

تعتبر الخطابات من الوسائل المساعدة للسجناء لمعرفة الأخبار خارج السجن، خاصة مَن لا يستطيع زيارة السجين، وعلى الرغم من تنظيم "المادة 38 من قانون السجون"(20) لحق السجناء في تلقي الخطابات بشكل دوري، فإنه في الأغلب تُمنع تلك الخطابات من الوصول إلى السجناء، وقد يصل الأمر إلى معاقبة السجين المتلقي لرسالة بالإيداع في التأديب.

 

وفي مقابلة خاصة تروي شقيقة أيمن، سجين في سجن الأبعادية "دمنهور العمومي": "مرة عشان بنته كانت كاتبة له ورقة بابا حبيبي، وبنته ساعتها كانت في تالته ابتدائي، كانت كاتبة له بابا حبيبي انت وحشتني، وابنه كان لسه في KG1 كان عايز يقوله إنه بقى بيعرف يكتب، لقوا الورقة دي وسط الزيارة ودي كانت مصيبة كبيرة، ودوه التأديب وقعد 15يوم في التأديب، وخدوا أختي حققوا معاها لحد بالليل وكانوا هيعملوا لها محضر في اليوم ده"(21).

 

 

"الأهم بالنسبة لي هو الحرمان من الكلمة المكتوبة، فلا يسمح لي بدخول الكتب والمجلات، بعد مرور شهرين وعشرة أيام أكرر فيها شكواي وتُوجِّه أسرتي بلاغات وشكاوى، يتبيّن لي أن الأمر يتخطى المنع لأسباب أمنية، وإنما يكشف عن رهاب أو كراهية الدولة للكلمة المكتوبة… حين أطالب بحقي في القراءة والكتابة لا أطالب برفاهية، بل أطالب بأن أتمكن من العيش في هذا العصر وهذا القرن، وأن يُسمح لي بأن أحافظ على قدرتي على أن أساهم وفق مقدرتي في استمرار مشروع نهضة الدولة المصرية المتعثر".

(علاء عبد الفتاح، سجين في سجن طرة شديد الحراسة (2))

إلى جانب الحرمان من الخطابات التي قد تكون وسيلة السجناء في الاطمئنان على أصدقائهم ومعرفة أخبارهم، تكتمل عزلتهم عن العالم الخارجي في حال منع الحصول على الجرائد أو إدخال الكتب، وبالتالي تنتفي أي وسيلة للتعرف حتى على ما يدور من أحداث وأخبار في العالم.

 

وعلى الرغم من نص المادة 15 من اللائحة الداخلية لقانون تنظيم السجون للمحكوم عليهم (عدا المنصوص عليهم في المادة 30 من القانون، والمحبوسين احتياطيا) أن يستحضروا على نفقتهم الخاصة ما يشاؤون من الكتب والصحف والمجلات، فإنه عادة ما تتعمّد إدارات السجون منع دخول الجرائد داخل السجون، مما يُشعر السجين بالنفي القسري، فهو لا يعلم ما يحدث خارج أسوار السجن من أخبار وأحداث، يعتبر خارج الزمن، كما يحسب على القانون تجاهله لفئة المحبوسين احتياطيا التي تُمثِّل عددا كبيرا من السجون، مما يؤكد ما قاله ياسين الحاج صالح عن السجن كونه مكانا "لا يدخل ولا يخرج منه الزمن"(22).

 

 

"هو عدو الشمس، مشكلته إنه ما يخليكش تشوف الشمس، الشبابيك بتطل على حيطة على بُعد متر إلا ربع، بيمنع عنك الشمس، وتجديد الهوا"(23).

(هذا ما ذكره ناصر، سجين سابق في سجن برج العرب، في مقابلة خاصة عن الضوء والشمس داخل الزنزانة)

يمتد شعور السجين بالعزلة عن الحياة خارج أسوار السجن ليس فقط على مستوى انقطاع أخبار ذويه، أو أخبار العالم من حوله، وإنما يمتد إلى مستوى فقدان الشعور بتعاقب الليل والنهار. يحدث ذلك داخل زنازين بعض السجون المصرية، خاصة الزنازين الخاصة بالحبس الانفرادي، إذ إنها مُصمَّمة بشكل لا يسمح بدخول أشعة الشمس أو الضوء الطبيعي، أو بقرار إداري من خلال إغلاق شبابيك الزنازين، مما ينفي عن السجين شعوره بالوقت -الزمن-، فلا يعرف الليل من النهار، وكأنه في متاهة زمن، ووفقا لمقابلة خاصة مع طبيبة نفسية: "الساعة البيولوجية بتتأثر، إن بشوف الصبح، والضهر، وبالليل، وبناء على كده فيه ناس نشيطة الصبح أكتر، والعكس صحيح، البلاد اللي مش بتطلع فيها شمس الناس بتكون أميل للاكتئاب"(24)، فإلى جانب تأثيره النفسي على السجناء، هو يساهم في عزلتهم الزمانية، إلى جانب عزلتهم المكانية داخل الزنزانة.

 

لا يقع السجناء على الدوام في موقع الضحية، وبعبارة أخرى؛ الوقت داخل السجن لا يسير باتجاه واحد، فمن ناحية إدارات السجون -وبغرض التنكيل بالسجناء- نجد إهدار وقت السجناء والمبالغة في التحكم به، لكن على الناحية الأخرى يحاول بعض السجناء استغلال الوقت خلال فترة السجن، سواء بمواصلة الدراسة، أو بمحاولة النقاش مع السجناء الآخرين، أو القراءة إذا تسنّت تلك الفرصة، أو حتى بمجرد التفكير في مستقبله وما يطمح للسعي إليه فور خروجه من السجن وانتهاء فترة الاحتجاز، لكن للوصول إلى مرحلة تنفيذ تلك الخطوات الصعبة والطموحة يلجأ البعض للعلاج النفسي لمحاولة تجاوز آثار هذه التجربة كما يوضح "ممدوح"، سجين سابق في سجن الفيوم العمومي:

 

"بعد ما خرجت من السجن خدت بالي قد إيه الموضوع كان متعب نفسيا، إنك تقعد 24 ساعة مع حوالي 20 شخص متكدسين في زنزانة، الحركة محدودة ومش عارف تعمل أي حاجة لفترة طويلة بدون خصوصية، أول ما بتخرج بتبقي مش حابب تتعامل مع الناس أصلا، المكان المقفول ده بيعود الناس إن ده بيتها خلاص، فبتبقى في رهبة من الناس والشوارع والحركة لأنه اتعود على نظام مرتبط بوقت معين وحركة محدودة، لما خرجت لجأت للنديم للتشخيص والدعم النفسي والعلاجي، لأن كانت في حاجات معينة معرفتش أتخلص منها بعد السجن زي صوت فتح الأبواب اللي كان بيميز بداية اليوم، فاتعودت عليه كثيمة مكررة في بداية كل يوم، وحتى من كتر ما بشوف حديد في الأبواب والشبابيك والأسوار بحس إن ليه مردود نفسي"(25).

___________________________________________________-

المصادر

  1. د. الطيب بوعزة، "الزمان من منظور فلسفي"، مجلة الأدبية، فبراير 2004.
  2. المرجع السابق.
  3. يارا سلام، فقدت الإحساس بالزمن بكل ما تحمله الكلمة، مدى مصر.
  4. مقابلة شخصية، إبريل/ نيسان 2020، القاهرة، مصر.
  5. رسالة منشورة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" بعد وفاة شادي حبش.
  6. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، "تعديلات قانون الإجراءات الجنائية تثير القلق بشأن تحول الحبس الاحتياطي إلى حبس مطلق"، سبتمبر 2013.
  7. محمد فهمي، يوميات السجن – الحياة العادية للمسجون العادي (1)، مدى مصر.
  8. مقابلة شخصية، يونيو/حزيران 2017، القاهرة، مصر.
  9. ياسين الحاج صالح.
  10. مرجع سابق
  11. مقابلة شخصية، إبريل/نيسان 2020، القاهرة، مصر.
  12. مقابلة شخصية، إبريل/نيسان 2020، القاهرة، مصر.
  13. يارا سلام، مرجع سبق ذكره.
  14. مقابلة شخصية، إبريل/نيسان 2020، القاهرة، مصر.
  15. ياسين الحاج صالح، مرجع سبق ذكره.
  16. Moran, Dominique. 2013. Carceral Geography and the Spatialities of Prison Visiting, Available at: Visitation, Recidivism, and Hyper incarceration. Environment and Planning D: Society and Space. Volume 31. pages 174 – 190
  17. محمد فهمي، مرجع سبق ذكره.
  18. ياسين الحاج صالح، مرجع سبق ذكره.
  19. محمد فهمي، مرجع سبق ذكره.
  20. "يكون لكل محكوم عليه الحق في التراسل والاتصال التليفوني بمقابل مادي، ولذويه أن يزوروه مرتين شهريا تحت رقابة وإشراف إدارة السجن"، مادة 38 من قانون تنظيم السجون.
  21. مقابلة شخصية، فبراير/شباط 2019، القاهرة، مصر.
  22. ياسين الحاج صالح، مرجع سبق ذكره.
  23. مقابلة شخصية، مارس/آذار 2017، الإسكندرية، مصر.
  24. مقابلة شخصية، يونيو/حزيران 2017، القاهرة، مصر.
  25. مقابلة شخصية، مارس/آذار 2017، القاهرة، مصر.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة