ما بعد "كوفيد-19".. جائحة غذائية قد تحصد أرواح ربع مليون إنسان يوميا من الجوع

حتّى اللحظة، لا تزال التبعات الاقتصادية لجائحة "كوفيد-19" هي الأكثر تداولا، لكن ديفيد بيسلي، المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالميّ، يُسلِّط الضوء على جوانب أخرى في هذا المقال من مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، فيما يُسمّيه "جائحة غذائية" لا تقل فتكا وتدميرا عن فيروس كورونا المستجد، إذ من المتوقّع للجائحة أن تحصد أرواح 300.000 شخص يوميا حتى ثلاثة أشهر قادمة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد المنتجات الغذائية من الخارج، والدول التي تُمزِّقها الحرب مثل سوريا واليمن.

 

لقد أثقل فيروس كورونا المستجد كاهل الأنظمة الصحية وهزّ أركان الاقتصادات حول العالم. وحاليا، من المُتوقَّع له إشعال فتيل أزمة غذائية عالمية أيضا، بعد عقود من التقدم في معركة الإنسانية ضد الفقر والجوع، وفقدان الوظائف، وتعطّل سلاسل الإمداد، واضطرابات اقتصادية أخرى تسبّبت بها جائحة تُهدِّد بدفع ملايين من الناس نحو انعدام الأمن الغذائي، أي نحو المجاعة التامّة. يجب على المؤسسات الدولية ودولها الأعضاء التحرك بشكل حاسم منعا لهذه العاقبة، وإلا حلَّ عهد فوضوي مكلف من الجوع والفقر المتصاعدين.

 

في إبريل/نيسان، كنت قد حذّرت مجلس الأمن في الأمم المتحدة من "جائحة غذائية"، فتأثيرات الأزمة الاقتصادية المصاحبة للفيروس ستكون واضحة في كل مكان تقريبا. ومع أن الدول ستضع -ولها الحق في ذلك- مصالح شعوبها أولا، فإنَّ عالما لا تجمعه الغاية المشتركة هو عالم يستدعي كثيرا من المشكلات. وغايتنا المشتركة ينبغي أن تكون هزيمة هذا الفيروس، ومنعه من التسبب بجائحة غذائية، وأن نرُاكِم على المكتسبات التي أُحرِزَت ضد الفقر والجوع خلال معظم السنوات الثلاثين الأخيرة.

لقد حل الوباء في لحظة حرجة؛ حيث كانت سنوات من النجاح بمواجهة الفقر والجوع قد بدأت بالتباطؤ، وفي بعض الحالات، بالانتكاس وقت انتشار الفيروس. ففي الثلاثين عاما الأخيرة، تراجعت معدلات الفقر المدقع إلى أكثر من النصف، أي من نحو مليارَيْ شخص عام 1990 حتى 700 مليون عام 2015، بفضل النمو الذي تقوده شركات القطاع الخاص وشبكات الأمان الاجتماعي المقوّاة من بين عوامل أخرى، وتراجع الجوع بنسبة 25% في الفترة نفسها تقريبا. لكن في السنوات الأربعة الأخيرة، كان عدد الأشخاص الذين يواجهون الجوع المزمن، أي الأشخاص الذين يذهبون إلى أَسِرّتهم جياعا كل ليلة، قد ارتفع من 796 مليون نسمة إلى 821 مليونا، وكذلك ارتفع عدد مَن يعانون الجوع الحاد، أي أولئك الذين يجدون أنفسهم جياعا فجأة بعد تناول ما يسد الرمق، بنسبة 70% خلال السنوات الأربعة الماضية، أي من 80 مليون شخص إلى 135 مليونا. ويعاني نحو مليار إنسان إما من الجوع المزمن أو الجوع الحاد حاليا.

 

إن أكبر عامل يقود هذا التصاعد الأخير هو الصراع، إذ يعيش 60% من الأشخاص الجياع حول العالم في بلدان تُمزِّقها الحرب. من بين هذه الأماكن سوريا واليمن، ولم تتوقف سنوات الحرب عند مفاقمةِ الجوع، لكنها وضعت العراقيل أمام تقدُّم الأجيال القادمة أيضا. وقد لعب التغيير المناخي كذلك دورا كبيرا في الدفع بجماعات سكانية معيّنة إلى هاوية الجوع، لا سيما في بلدان مثل أفغانستان وجمهورية الكونغو الشعبية، حيث تزاوج التردّي المناخي بالصراعات الدائرة مفاقما حالة انعدام الأمن الغذائي.

 

مع تزاوج جائحة "كوفيد-19" بهذه الأزمات الموجود سلفا، تُشير تقديراتنا إلى أن عدد الأشخاص الذين سيعانون الجوع الحاد قد يبلغ نحو الضعف بحلول نهاية العام الحاليّ، أي إنه سيطول 265 مليون شخص، في حين سيعاني 300 مليون شخص آخرين نقص العناصر الغذائية، حيث ستفتقرُ أغذيتُهم إلى الفيتامينات والمعادن التي تبقيهم أصحاء، وفق تقدير أجراه "التحالف العالمي لتحسين التغذية". كما أن الفيروس يغذّي الجوع عبر تعطيل الاقتصادات العالمية والمحلية على حدٍّ سواء، وأكبر الأضرار ستكون من نصيب البلدان متدنّية الدخل والتي تمتلك أدوات أقلّ للتعامل مع الانهيار الناجم عن الجائحة.

عمال يعدون مواد غذائية للمستفيدين في مركز توزيع أغذية يدعمه برنامج الغذاء العالمي في صنعاء، اليمن(رويترز)

لكن الدول التي كانت تتمتع باقتصادات ديناميكية آخذة بالنمو قبل التفشي بدأت تعاني من الآثار السلبية أيضا. ومن البلدان التي تلقّت الضربة الأقسى تلك التي تعتمد على صادرات المواد الخام، ومنها نيجيريا، وجنوب السودان، وزامبيا، وبلدان تعتمد على السياحة مثل غامبيا والأردن، وأخرى مثل هاييتي والنيبال، حيث تُشكِّل التحويلات المالية التي تَرِدُ إلى البلاد من العمال المهاجرين نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي. بينما أدّت الإغلاقات المحلية في هذه البلدان إلى تقليص مداخيل العديد من العاملين في هذه القطاعات، وزيادة مدة هذه الإغلاقات ستُلحق مزيدا من الضرر لا سيما إن لم تترافق مع توسعة شبكات الأمان الاجتماعي.

 

ويتوقّع صندوق النقد الدولي أن يتراجع النمو العالمي بنسبة 2.8% مقارنة بـ 0.01% خلال الأزمة المالية التي وقعت عام 2009. إنَّ تقلُّصا ضخما من هذا النوع في الاقتصاد العالمي سيُلحق الأضرار بالفقراء حول العالم. ويُشير المعهد العالمي لجامعة الأمم المتحدة لبحوث اقتصاديات التنمية إلى أن تراجعا بنسبة 5% في الناتج المحلي الإجمالي عالميا سيضع 85 مليون شخص في مواجهة الفقر المدقع (الذي يُحدَّد بالعيش بأقل من 1.90 دولار أميركي يوميا)، مما سيؤدي بشكل حتمي إلى مزيد من انعدام الأمن الغذائي والجوع، أما انخفاض بنسبة 10% فسينتج عنه مواجهة 180 مليون شخص للفقر المدقع.

 

والمجاعات إجمالا لا تأتي من نقص الغذاء، بل من ارتفاع الأسعار المتضخم أو انهيار سلاسل الإمداد مما يجعل من المستحيل إيصال الغذاء إلى جماعات سكانية معينة. وقد عرقلت الجائحة سلاسل إمداد الغذاء وسلع أخرى مهمة بين البلدان وداخلها على حدٍّ سواء. وحتى خلال الحرب العالمية الثانية، كانت سلاسل الإمداد لا تتوقف، أما حاليا، فمن الصعب نقل منتجات بلد لآخر. وقد يكون لهذا وقع مدمر على أفريقيا جنوب الصحراء، التي تستورد 40 مليون طن من الحبوب سنويا من حول العالم لكي تسد فجوة ضعف إنتاج الغذاء محليا.

على المدى القصير، سينصبّ قلق الجهات الإنسانية بصورة أكبر على إيصال الغذاء لأولئك الذين يواجهون خطر الجوع. وفي عشرة بلدان، من بينها سوريا واليمن وجمهورية الكونغو الديمقراطية، يعيش أكثر من مليون مواطن في كل بلد من هذه البلدان على شفير المجاعة سلفا. أما على المدى البعيد، فقد تؤدي الجائحة إلى مجاعة في 35 بلدا، بما فيها أفغانستان، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وهاييتي.

 

يتلقّى نحو 100 مليون شخص المساعدة سلفا من برنامج الغذاء العالمي، ويعتمد نحو 30 مليون شخص من هؤلاء على الولايات المتحدة لكي يظلوا على قيد الحياة. بدون هذا الدعم، يخشى المحللون في برنامج الغذاء العالمي من أن 300.000 شخص حول العالم سيموتون جوعا بشكل يومي حتى ثلاثة أشهر قادمة، وغالبا ما سيحدث ذلك في البلدان التي تُمزِّقها الحرب.

 

وكما هو الحال في الصراع، فالأزماتُ الغذائية تُولِّد انعدام الاستقرار، حيث يتسرّب اللاجئون عبر الحدود، وفي بعض الحالات، يحوّل هذا الأمر المناطقَ الهشة سلفا إلى بؤر صراع محتملة. وتُشير أبحاثنا إلى أن كل زيادة بنسبة 1% من معدلات الجوع داخل بلد معين تترافق مع زيادة بنسبة 2% في فرص الهجرة خارج ذلك البلد.

 

لم يشهد العالم أزمة عالمية بهذا الحجم منذ الحرب العالمية الثانية، فحياة عشرات الملايين من الناس في خطر محدق، حيث تُهدِّد الجائحة بإلغاء عقود من التقدُّم الذي انتشل ملايين الناس من براثن الفقر المدقع. يمكن للبلدان المتقدمة، التي تَمكّن العديد منها من توفير تريليونات الدولارات من حزم التحفيز المالي لإنقاذ اقتصاداتها، القيام بالمزيد. لكن الدعم ينبغي أن يأتي من أماكن تتجاوز المتبرعين المعتادين للمنظمات الدولية، وينبغي لمؤسسات الإقراض المالي الدولية، على سبيل المثال، العمل مع الدول النامية لتقوية شبكات الصحة والتعليم وسواها من شبكات الأمان الاجتماعي أثناء وبعد انتهاء هذه الأزمة. ففي هذه البلدان النامية الملايين من مشغلي الأعمال التجارية الكادحين، مثل مُلّاك الفنادق الصغيرة، وملاك المحال التجارية، والمرشدين السياحيين، وسائقي سيارات الأجرة، الذين فقدوا مصادر رزقهم بالكامل والقدرة على إعالة عائلاتهم.

سائقي سيارات الأجرة للدراجات النارية ، الذين يرتدون أقنعة واقية ، والذين تأثروا بتدابير الحكومة ضد انتشار فيروس (COVID-19)، ينتظرون وجبات مجانية يوزعها متطوعون في مدرسة في بانكوك، تايلاند(رويترز)

بمقدور الحكومات في هذه البلدان، ببعض المساعدة، ضخّ الحزم المالية بهدف مساعدة العائلات خلال هذه الأزمة. وعلى سبيل المثال، يعمل برنامج الغذاء العالمي مع الحكومة الانتقالية في السودان على المساعدة في تمكين برنامج الدعم العائلي لحماية الأفراد من الانزلاق إلى براثن الفقر.

 

إن التصدي للجائحة الغذائية والمساعدة في استئصال الفقر والجوع لن يتطلب الاستثمار العام في الحماية الاجتماعية فحسب، ولكنه سيستلزمُ أيضا تحرُّكا أكبر من الأعمال التجارية الخاصة من خلال الاستثمارات المباشرة وعقد الشراكات بين القطاعين العام والخاص في قطاعات مثل الزراعة. وتُفيد دراسة مشتركة بين برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة والصندوق الدولي التابع للأمم المتحدة للتنمية الزراعية بأن استثمارات إضافية بقيمة 265 مليار دولار سنويا، أي ما يُشكِّل 0.3% من الدخل العالمي المتوقع، ستكون كفيلة بالقضاء على الفقر والجوع بحلول عام 2030. قد يبدو ذلك المبلغ ضخما جدا، لكنه في متناول الدول الغنية، والمؤسسات، والأفراد.

 

إن إمكانية الجوع الهائل الذي يمكن أن تُسبِّبه جائحة "كوفيد-19" مؤرّقة، بل مُثيرة للذعر، لكنني أحافظ على تفاؤلي رغم ذلك. عادة ما أناشد زعماء العالم لدعم مهمة برنامج الغذاء العالمي، وعادة ما وجدت آذانا مصغية. على سبيل المثال، فقد ارتفعت مساهمات الولايات المتحدة من أقل من مليارَيْ دولار أميركي حتى أكثر من 3 مليارات دولار سنويا خلال السنوات الثلاث الماضية. هذا السخاء، وسخاء دافعي الضرائب والمتبرعين الذين يدعمون القضايا الإنسانية، مطلوب بشدة، فالمكاسب التي حقّقناها ضد الفقر والجوع في العقود الماضية أكبر من أن نستسلم الآن.

—————————————————————————————————–

هذا التقرير مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

نحن لا نعرف بعد إن كان الهيدروكسيكلوروكين مفيدا أم لا بعلاج الحالات المتقدمة من "كوفيد-19″، لكن المشكلة أن إجابة هذا السؤال تأخرت كثيرا بسبب بلبلة سياسية حول الأمر وضعت باحثي العالم أجمع بمنطقة الشك.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة