أثر مارلون براندو.. الأغنية الباقية للنجم الجامح

في زمن الحرب العالمية الثانية، ووسط قلق عارم من القنبلة النووية، طلبت ستيلا آدلر أستاذة فن التمثيل والدراما من طلاب ورشتها والذين كان من بينهم مارلون براندو أن يتخيلوا أنفسهم دجاجات أصابها الذعر جراء انفجار قنبلة نووية، دبّ الصخب في قاعة الدرس، راح بعض الطلبة يجرون هنا وهناك يرفرفون بأيديهم كالدجاج، بينما جلس براندو ساكنا في مكانه، سألته ستيلا عما يفعله، أجابها: "أنا أضع بيضة، ما الذي يعرفه الدجاج عن القنابل على أي حال!".

 

"كان عبقريا منذ البداية، لم يكن هناك شيء إنساني غريب عنه"، هكذا تكلمت "ستيلا آدلر"، وضعت يدها على كتفه وقالت له: "لا تقلق أيها الفتى، أنا أراك الآن، ومنذ هذه اللحظة سيراك العالم كله". ربما لهذا صار براندو مُمثّلا، لأن التمثيل كان أول شيء يفعله ويجلب له شيئا من المديح، هو الذي كان والده يُردِّد عليه طيلة سنواته السابقة أنه لن يفعل أبدا شيئا جيدا في حياته.

مارلون براندو

في عام 2001، وقبل ثلاثة أعوام تقريبا من وفاته، أقام براندو ورشة لفن الأداء التمثيلي تحت عنوان "أن تكذب لتعيش" (lying for a living) استمرت لعشرة أيام، حضر خلالها نحو عشرين طالبا ومجموعة من أبرز النجوم؛ روبين ويليامز، وشون بين، ونيك نولت، ودين هاري ستانتون، ومايكل جاكسون. ظهر براندو في اليوم الأول مرتديا شعرا مستعارا، ثوبا أسود ووشاحا برتقاليا، صاح فيهم بصوت امرأة ذات لكنة إنجليزية: "أنا غاضب، أنا غاضب"، ثم جلس على كرسي عتيق أشبه بالعرش وشرع في طلاء شفتيه وسط ضحك الحاضرين، "الآن وقد جعلت من نفسي أحمقَ، يمكننا أن نبدأ، لأنه إذا لم تكن لديك الإرادة أن تفعل ذلك، فلن تستطيع أن تكون مُمثّلا. مزقوا الأكفان الملفوفة حول أجسادكم، وانظروا جيدا إلى ما في داخلها، لأنكم إذا عجزتم عن ذلك فلن تصبحوا ممثلين.

 

التمثيل ليس فنا معاصرا، إنه أقدم مهنة في تاريخ البشر، نقضي جميعا حياتنا في الكذب واصطناع الأدوار، طيلة حياتي وأنا أحترف الكذب، مثلي في ذلك مثل كل البشر، كل ما يميزني أنني أتقن فن الكذب بطريقة ممتازة". (1)

 

بين الحكايتين عمر كامل، كان خلاله براندو الملك والمهرج، الممثل الذي غيّر فن الأداء التمثيلي إلى الأبد، وكان بمنزلة أب روحي لأجيال من الممثلين في أميركا وحول العالم، وهو أيضا الذي لم يترك مناسبة لم يزدرِ فيها فن التمثيل، كان التمثيل في أفضل تصريحاته مجرد استثمار مربح. كان شعاره في مرحلة ما من حياته "عمل أقل ومال أكثر"، إرثه السينمائي وأثره العظيم قائم فقط على عدة أدوار سينمائية عظيمة في بداية مسيرته، تحديدا في النصف الأول من الخمسينيات وانبعاثة قصيرة في بداية السبعينيات.

 

بداية من منتصف الخمسينيات وبعد أوسكاره الأول عن دوره في "رصيف الميناء" (on the waterfront) بات من الصعب التعامل معه في مواقع التصوير، وصار شيئا فشيئا كابوس المخرجين والمنتجين. بدأ يُظهِر عداء واضحا تجاه المخرجين معتبرا إياهم مجموعة من الحمقى، بعد فيلمه "تمرد على السفينة بونتي" (Mutiny on the Bounty) والذي كان تجربة تصوير مروعة، كلّف عناده وسلوكه الناشز خلالها المنتجين عدة ملايين إضافية على الميزانية المقررة. بدأت هوليوود بعدها بشن حرب دعائية ضده جعلت حتى المتحمسين للعمل معه يُحجمون عن ذلك. لم تحب هوليوود براندو أبدا، كان خيارا يصعب الرهان عليه حتى في بدايته الواعدة في نصف العقد الأول من الخمسينيات، كان متمردا ومشاكسا على الشاشة وخارجها، شخصية حدية ذات انفعالات متطرفة.

فيلم on the waterfront

منذ منتصف الخمسينيات وحتى بداية السبعينيات كان هناك القليل من الأداءات الجيدة والكثير من الأداءات السيئة. بعد عودته العظيمة بداية السبعينيات عبر "العراب" و"التانجو الأخير في باريس" دخل براندو الممثل العبقري في كسوف طويل لم ينتهِ إلا بوفاته، يمكننا أن نستثني فقط أداءه في تحفة كوبولا "نهاية العالم الآن" (Apocalypse Now).

 

لم يكن براندو طيلة مسيرته السينمائية يمنح نفسه كاملا للدور الذي يؤديه إلا مع المخرجين الذين يثق بهم. يحكي المخرج الأميركي سيدني لوميت عن تجربة عمله الوحيدة مع براندو في فيلم "The Fugitive Kind": "كان في البداية يمنحني أدائين؛ أحدهما صحيح من الناحية التقنية لكنه بلا روح، والآخر يضع فيه روحه، وإذا لم يكتشف المخرج ذلك كان يستمر في الأداء بالطريقة الأولى".(2) كان براندو خلال هذه المرحلة قد بدأ يشعر بالتعب من تعرية روحه عبر استدعاء ذكريات طفولته والتي ظلّت تملؤه متى استحضرها بالخزي والغضب، على الأقل لن يريق ذاته من أجل مخرج سيئ أو جمهور يتناول الفشار بينما هو يُعرّي جروحه الخاصة على الشاشة.

 

كانت مسيرته في السينما كما في الحياة محكومة بالتناقضات، عاش دائما على الحافة، ربما هذا ما أراده، كل مَن عرف براندو يُخبرنا عن قدر التعاطف الذي يملكه تجاه البشر خاصة المضطهدين منهم، ومع ذلك عامل الكثير من النساء في حياته بقسوة بالغة. لم يعِ في أغلب الوقت قدر الجراح التي يُخلِّفها فيمَن يحيطون به. كانت حياته هي الأخرى ضربا من المأساة، زيجات فاشلة، انفصالات مريرة، وعلاقات عابرة لا تُحصى، وأطفال غير شرعيين، ثم قرب النهاية تكتمل المأساة، يقتل ابنه كريستيان صديق أخته شايان، التي تنتحر بعد أن تضع مولودها من صديقها المقتول. لم تكن تقلبات حياته أقل إثارة من تقلبات مسيرته السينمائية.

 

قبل أن يبدأ في ازدراء فن التمثيل، كان براندو يجيب حين يُسأل عن حجم التأثير الذي تركه على هذا الفن بأنه فقط كان موجودا في المكان الصحيح وفي اللحظة المناسبة. جاءت الخطوة الأولى في تطور فن التمثيل مع الثلاثينيات والأربعينيات عبر الابتعاد عن الزخارف الأدائية والمبالغات المسرحية نحو أداء أكثر اختزالا. كان الطابع المميز لأداءات هذه الفترة أن أغلب النجوم يؤدون عبر البرسونا الخاصة بهم بحيث تظل دائما حاضرة عبر الشخصيات التي يؤدونها، والبرسونا هي السطح الظاهر من الذات، القناع الذي يراه الجميع، سمات شخصية تتكرر في أغلب الأداءات، بوجارت مثلا كان في غالب أفلامه الشخص العنيد، الرجولي، الجريح، الساخر حتى من نفسه، ساحر ويملك كودا محددا للشرف. لم يكن هناك سبر للذات للكشف عن الروح الحقيقية للممثل. كان نجوم هذه الفترة يبقون ذواتهم بعيدا عن الشاشة، ثم جاءت الخمسينيات وأتى براندو، ظهر على الشاشة دونما أي قناع.

 

في أميركا الخمسينيات بدأت في الظهور بوادر القلق والتمرد الذي سينفجر لاحقا في الستينيات، وكان براندو ثم من بعده جيمس دين أيقونات للقيم الجديدة لهذا الزمن، زمن ما بعد الحرب، كان براندو طليعة هذا الشباب المتمرد فقط من أجل التمرد، وخاصة في دوره الأيقوني في فيلم المخرج لازلو بينديك "The Wild One"، حيث يؤدي براندو شخصية جوني سترابلر التي أصبحت أيقونة ثقافية في خمسينيات القرن العشرين.

فيلم The Wild One

كانت هذه هي لحظة براندو، كان يُمثِّل كل ما هو جديد وقلق على نحو راديكالي، مقاربة جديدة لفن التمثيل وغير مسبوقة، لم يكن يشبه أحدا من النجوم الذين سبقوه، لم يكن يشبه كلارك جيبل، وكاري جرانت، وجيمس ستيوارت، وهمفري بوجارت. كان نجما لا يشبه غير نفسه، يزدري الكياسة والأناقة والزيف البورجوازي. لم يحاول أبدا أن يكون نجما سينمائيا هوليوديا يضع حدًّا بين ذاته وشخصياته على الشاشة والتي كانت غالبا -خاصة في بداياته- تعزف على لحن التمرد وعدم الامتثال والغضب. رفض أيضا منذ البداية محاولة تحويله إلى أسطورة، لم يكن براندو يأخذ نفسه على محمل الجد ولم يكن يسمح للآخرين أن يفعلوا ذلك.

 

أتى براندو من المسرح متشبعا بروح الحداثة في تعاليم ستانسلافسكي التي تلقّاها خلال دراسته مع ستيلا آدلر. كانت ستيلا تقول لطلابها: "اجعل كل شيء تفعله حقيقيا قدر المستطاع، حيا وواقعيا".

 

جلب براندو إلى الشاشة قدرا غير مسبوق من الواقعية والصدق، عبر أداء طبيعي نابع من الداخل، إذ كان قادرا على نحو استثنائي على استخدام مخزونه النفسي والعاطفي واستدعائه في لحظة ما لكي يواكب سلوك الشخصية في موقف درامي محدد. منذ شاهده النقاد والجمهور يؤدي دور ستانلي كوالسكي في دراما تنيسي ويليامز "عربة اسمها الرغبة" على خشبة المسرح تولّدت لديهم قناعة بأنهم يشاهدون شيئا ما جديدا تماما.

 

دفع براندو فكرة معايشة الشخصية في السينما إلى أفق جديد تماما، في فيلم "الرجال" (The Men) للمخرج فريد زينمان، وهو أول ظهور سينمائي له، وقد كان براندو يؤدي شخصية جندي عائد من الحرب مصاب بالشلل، ذهب براندو ليعيش لعدة أسابيع في مستشفى حربي مع الجنود المصابين بالشلل ليدرس عن قرب الأداء الحركي للجنود المصابين، كان منذ البداية يُعوِّل كثيرا على الجسدانية في أدائه، وفي فيلمه مع إيليا كازان "فيفا زباطة" (Viva Zapata) عن حياة الفلاح المكسيكي الثائر إيميليانو زاباتا ذهب إلى المكسيك قبل الشروع في التصوير من أجل تعلم لكنة هذه المنطقة ولغتهم الجسدية، هذا النهج الذي سيذهب به ممثلون كروبرت دي نيرو وهيث ليدجر إلى حدود قصوى.

فيلم Viva Zapata

"عليك أن تعرف موضوعك جيدا وكذلك شخصيتك، أن تفهم مخاوفها وإحباطاتها، أن تضع نفسك في حالة عقلية تناسب الشخصية، افتح قلبك لها، تعاطف معها وفي الليل فكر فيها واحلم بها".

 

في فيلم "الرجال" فهم براندو إحباط هؤلاء الرجال وإحساسهم بالخزي من فكرة عدم قدرتهم على ممارسة الجنس، وظّف هذا الفهم جيدا في بنائه للشخصية وغضبها عبر أداء طبيعي موسوم بالتناقض الوجداني حيث الرغبة العارمة في أن يعيش حياته طبيعية ضد مخاوفه المبررة من عدم إمكانية تحقيق ذلك بسبب عجزه، هذا الإحباط الذي يتحول في النهاية إلى غضب وعدوانية ظاهرية تكسو أعماقا تمور بالضعف والخزي. يصفه فريد زينمان الذي أداره في هذا الفيلم: "كان شريحة من الطبيعة، يحاكي في أدائه حركتها مرة متفجرا كبركان ومرة أخرى كجدول رقراق".

 

قبل الأداء يأتي التأويل، بمعنى تحليل الدور وامتلاك ناصية المعنى الداخلي للنص، وعبر ذلك يؤسس الممثل علاقة جدلية مع الشخصية التي يخلقها كي يجعل السلوك حقيقيا وشخصيا كما لو أنه هو.

 

ما يُضيفه هنا أيضا أنه جعل من الأداء التمثيلي قراءة ذاتية للشخصية يملأ بفهمه الخاص ثغرات النص. نجد في فهمه أيضا لشخصية العراب في تحفة كوبولا ما يمنح الشخصية طابعا مختلفا عن كل ما قدّم في أفلام العصابات والمافيا، لا يؤمن براندو بمفهوم الطبيعة الإجرامية ولا بأسطورة الخير والشر، يمكننا جميعا في ظل ظروف معينة أن نفعل ما لا نتخيله، ومن ثم أراد براندو ألا يُقدِّم رجل العصابات هنا على أنه الشخص الشرير، إنه رب عائلة محترم ومحبوب من عائلته، يملك أيضا كودا ما للأخلاق والشرف وهو ما يظهره براندو جيدا، ليس هناك أي ندم أو إحساس بالذنب في تجسيده للشخصية، لا يوجد أي صراع في داخله، هذا هو عمله فقط، وهذا هو الفارق بينه وبين شخصية مايكل/آل باتشينو والتي تبدو ممزقة طيلة الوقت بين جانبها المظلم والبريء.

 

هناك فارق أيضا بين براندو وبين غيره من ممثلي التمثيل المنهجي مثل دي نيرو مثلا أو داستين هوفمان، براندو لا يستخدم الدور ليمحو ذاتيته، إنه حاضر في الدور بطريقة لم يسبقه إليها أحد. يندمج مع الشخصية على مستوى سيكولوجي عميق بحيث تتناغم ذاتيته الخاصة مع ذاتية الشخصية التي يؤديها، حين يدخل إلى الشخصية ينشط ذاتيته الخاصة ويفتح مسام نحو عواطفه وخيالاته، يدعها تتدفق إلى السطح، بينما ممثل مثل دي نيرو تكمن بصمته الخاصة في قدرته الاستثنائية على التحول التام للشخصية بحيث لا يبقى أي أثر لذاتيته، إنها براعة الانسلاخ من الذات. هذا النهج بالطبع كان في بداياته، بعد ذلك بدأ يميل أكثر نحو التكنيك والابتعاد عن الذات في خلق الشخصية والذي يصل إلى ذروته في عراب كوبولا.

 

ما قدّمه أيضا براندو لمَن أتى بعده هو تقديمه لشخصيات لا تخجل من إظهار جانبها الأنثوي، ضعفها الخاص وتعرية جراحها. استطاع تمزيق قناع الفحولة بخلاف النماذج السابقة التي كانت تتباهى بذكوريتها، في المشهد الأيقوني من "عربة اسمها الرغبة" حيث يروح ويجيء أمام مسكنه بقميص ممزق صارخا من أجل زوجته، إنه يبكي أمامها كطفل طالبا منها ألا تتركه أبدا، هذه لحظة تغيرت فيها السينما وصورة النجم على الشاشة، كان من المستحيل مثلا أن تشاهد نجما مثل كلارك جيبل أو همفري بوجارت في مشهد كهذا.

فيلم "عربة اسمها الرغبة A Streetcar Named Desire"

نقترب أكثر من براندو في محاولة لفهم طبيعته النفسية التي جعلته على هذا القدر من التعقيد والاضطراب وجعلت سلوكياته على هذا النحو المدمر للذات (self destructive behaviour)، حتى مع ازدرائه للتمثيل واعتباره مجرد حرفة أو استثمار فإن سماحه لوزنه أن يزداد على هذا النحو يصعب فهمه إلا في هذا السياق.

 

نعود إلى سنوات التكوين الأولى والتي منها بدأ كل شيء، الجذور الأولى لكراهيته للممثل داخله وصراعاته الدائمة مع المخرجين ونمط علاقاته العاطفية، كل ذلك يمكننا أن نفهمه عبر إدراكنا أنه كان خلال طفولته ضحية لصدمات عنيفة خلّفتها علاقته بوالديه، ما جعله منغلقا على نفسه على نحو ميؤوس منه، مُتشكِّكا في نفسه وفي الآخرين.

 

عاش مارلون طفولته في حالة مستمرة من الخوف، إذ كان والده الذي كان يُدعى أيضا مارلون براندو رجلا في غاية القسوة، خلا داخله من أي حب. كان سكيرا وزير نساء، وكانت نوبات غضبه مصدر رعب لكل مَن في البيت. يصفه الابن فيما بعد: "كان دمه خليطا من التوستيرون والكحول والغضب". كان يتهم ابنه دائما بالغباء وأنه لن يفعل أي شيء جيد طيلة حياته، بينما كانت الأم/دوروثي امرأة رقيقة، محبة للطبيعة والموسيقى، كانت ممثلة في مسرح محلي، لكن مع الوقت ونتيجة إحباطاتها الكثيرة غرقت هي الأخرى في الكحول.

 

كان براندو يقضي معظم الوقت في البحث عن أمه، يذهب خلفها في البارات والحانات، يصطحبها أحيانا من قسم شرطة بعد احتجازها بتهمة التشرد. لم تكن هناك أبدا من أجله.

 

علينا أن نضع سلوكه الناشز وتقلباته المزاجية العنيفة ضمن هذا المنظور، لقد نشأ في جو من القلق والشك في الذات. هؤلاء الذين يختبرون مثل هذه الصدمات العاطفية المستمرة في سنوات التكوين يكون إحساسهم بالصدمات الجديدة غامرا ومؤلما، لذلك فإنهم يفعلون أي شيء من أجل تجنيب أنفسهم أي صدمات جديدة. من هنا يمكن فهم نمط علاقاته العاطفية، لم يستطع أبدا الاستمرار في أي علاقة ولم يكفَّ عن المحاولة من جديد كصدى لرغبته في العثور على حب الأم، يبدأ كل علاقة جديدة بمزيد من الشغف والحنان ثم يهجرها سريعا قبل أن تهجره، وكأن حياته كانت بحثا عن الحب وهربا منه.

 

كانت هناك أيضا امرأة أخرى في سنوات التكوين عمّقت من إحساسه بأنه مهجور وغير مرغوب. كان اسمها إيرمي، كانت له بمنزلة أم بديلة، كان حين يرقد إلى جوارها في طفولته يشعر بأنها ملكه وحده. كانت تقيم في بيتهم كأسرة بديلة، ذات جمال فاتن وبشرة داكنة. ذهبت لكي تتزوج لكنها لم تقل له ذلك، وعدته بالعودة وهو انتظرها طويلا لكنها لم تأتِ أبدا، بالنسبة لعقله الطفل آنذاك فإنها هجرته تماما كما فعلت أمه من قبل.

 

يمكننا أيضا خلال هذه السنوات أن نجد جذور كراهيته المضمرة للتمثيل وعدائه للمخرجين، يحكي أحد أصدقائه المقربين جورج إنجلوند، أخرج له فيلم "The Ugly American"، كانت أمه قبل العاشرة صباحا تكون في قمة سُكْرها وتستعد لتركه وحيدا في المنزل، لم يكن بالطبع يرغب في ذلك، كان يقف أمامها ويبدأ في محاكاة حيوانات المزرعة، كانت تبتسم أحيانا من أعماق سُكْرها فيبدأ هو في وصلة جديدة من تقليد الجيران وأصدقاء المدرسة، كانت تضحك لكنها كانت تتركه في النهاية، من هنا بدأ الممثل لدى مارلون والذي يرتبط لديه بجرح عميق هو خذلانه من قِبل الأم، ربما أيضا إحساس بالذنب من أنه فشل في إنقاذها. (3)

فيلم "The Ugly American"

نستطيع أيضا أن نَرُدَّ عداءه للمخرجين لكراهيته العميقة لوالده، كان يحرك هذه الكراهية صوب كل ما يُمثِّل سلطة ما، مَن يحاول أن يقول له افعل هذا ولا تفعل ذلك، ومن هنا كان المخرجون في مهب غضبه الدائم إلا القليل منهم الذين وثق فيهم مثل كازان وكوبولا وبرتولوتشي.

 

يُعَدُّ أداء براندو في فيلم "التانجو الأخير في باريس" للإيطالي برتولوتشي هو أحد أفضل أداءاته على الإطلاق، لكننا في هذا السياق نجد له قيمة إضافية، فالفيلم في أحد أبعاده بورتريه لبراندو نفسه. يقول الناقد هال هينسون: "ليس هناك ممثل استطاع أن يكشف ذاته على نحو مباشر وقوي أكثر من براندو في دور بول في التانجو الأخير".

 

حين التقى برتولوتشي ببراندو في باريس حكى له في إيجاز شديد عن حبكة فيلمه، لكنه قال له: "دعك من هذا الآن، لنتحدث عن أنفسنا، عن حياتنا وعلاقاتنا العاطفية، وعن الجنس، هذا ما سيدور حوله الفيلم"، وتحوَّل اللقاء فيما بعد إلى جلسة تحليل نفسي. اعتبر برتولوتشي بول بطل فيلمه امتدادا لبراندو، إنه بورتريه مُتخيَّل لكنه يُعزِّز معرفتنا وشعورنا تجاه ما صار إليه براندو آنذاك، حياته الخاصة، طبيعة ونمط علاقاته. نجد في الفيلم تداعياته الذاتية وإحالات إلى شخصياته السينمائية. نجح برتولوتشي في كسب ثقة براندو وفي اختراق دفاعاته وهو الرجل المهووس بالخصوصية. بعد أن شاهد براندو الفيلم قرّر أنه لن يعمل أبدا في فيلم كهذا، إذ شعر بانتهاك الجزء الأعمق من ذاته على حد تعبير برتولوتشي.(4)

 

حين تقول له جين/ماريا شنايدر: "إن عزلتك تثقل عليّ، أنت أناني/متمركز حول ذاتك"، فهذه كانت صورة براندو لدى الكثيرين. يتشابه بول وبراندو أيضا في ذلك العنف الجامح غير العقلاني والمأزق الوجودي. في أحد المشاهد تُخبره خادمة الفندق أن المحققين في قضية انتحار زوجته سألوها عنه وأخبروها: "إن مديرك غير مستقر"، لقد كان ملاكما وحين فشل في ذلك صار ثوريا في أميركا الجنوبية ثم صحفيا في اليابان، وحكوا عن رحلاته إلى تاهيتي، كل وصف من ذلك يُمثِّل شخصية لبراندو في أحد أفلامه. لكن الإضاءة الأهم في هذا البورتريه هي نمط علاقاته العاطفية، فالفيلم يبدأ بشخصية بول منتهكا بالكآبة جراء انتحار زوجته بشفرة حلاقة عشيقها، يشعر على نحو عميق بالخيانة وعدم الفهم. ثم يلتقي جين وطيلة علاقته بها يرفض بول أن يجلب أي شيء عاطفي لعلاقته معها، يفصل الجنس عن أي عاطفة، يستخدمه فقط لتشتيت حيرته وتسكين آلامه، وكأنه يحاول أن ينسى إنسانيته كي ينسى ألمه ربما، نرى ذلك مثلا في مشهد استعاضته عن الأسماء أو الكلمات بأصوات وصرخات حيوانية. كلما حاولت جين جلب شيء من الواقع إلى مخبأهما أو تحدثت بعاطفية صدّها بعنف. هذا الألم الهائل الذي سبّبه الحدث الصادم (انتحار زوجته) جعله يبتعد عن أي تواصل عاطفي خوفا من أن يصاب مرة أخرى بمثل هذا الألم.

فيلم "التانجو الأخير في باريس"

هذا تحديدا هو نمط علاقات براندو، يمكننا الآن فهم لماذا يُقيم علاقة مع فتاة من تاهيتي أو خادمة في منزله، إنه لم يرغب -ربما على نحو غير واعٍ- في علاقة عاطفية وحقيقية يكون منفتحا فيها مع الآخر، لم يرغب أن يُجرِّب من جديد مشاعر الخذلان والخيانة التي جرّبها مع أمه وإيرمي في طفولته الأولى. مشهد بول أمام تابوت زوجته ومشاعره المتناقضة تجاهها يمكن بقليل من الإزاحة أن نرى فيه براندو أمام تابوت والدته.

 

تسأله جين: "لماذا لا تعود إلى أميركا؟"، يجيبها: "لا أدري، ذكرياتها سيئة على ما أظن"، ثم يبدأ في استدعاء ذكريات حقيقية من طفولته، وكأن هذه الطفولة هي سر اغترابه. لم يخطُ براندو أبدا بعيدا عن الظلال المظلمة لطفولته القاسية.

 

جاء براندو ورحل لكنه لم يكن أبدا غير نفسه. هل كان أفضل ممثل عرفته السينما الأميركية خلال القرن الماضي، هل أهدر موهبته العظيمة، هل كان مِثل عبقري يقاتل بحماس بالغ ضد عبقريته؟ ربما، يعتمد ذلك على تقديرك لتأثيره على فن الأداء، لكن ما هو أكيد أن براندو كان أحد أكثر الممثلين في تاريخ السينما غموضا، وجموحا، وإبداعا، وتقلُّبا.

______________________________________________________–

المصادر

  1. Marlon Brando’s Real Last Tango: The Never-Told Story of His Secret A-List Acting School.
  2. فن الإخراج السينمائي، سيدني لوميت.
  3. marlon brando the agony of genius-documentary.
  4. Richard Schickel – Marlon Brando. A Life In Film (2012, New Word City).

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة