عقدة اليمن المؤلمة.. لماذا لن تتدخل مصر في ليبيا؟

"قبيل الغروب، اجتزنا بوابة صنعاء، وعلمنا أننا ذاهبون إلى كلية الطيران للمبيت، فاستبشرنا خيرا ومنّينا أنفسنا بليلة نوم ناعمة. غادرنا السيّارات ومضينا نحو الكلّيّة دون أن نتبيّن المبنى من الخارج لغلبة الظلام على الدّنيا. ولكنّنا وجدنا أنفسنا في مكان هو أشبه ما يكون بالإصطبل… نمنا ليلتنا على الأرض بكامل ملابسنا. وفي الصباح صدرتْ أوامر أن نُنشئ معسكرا حول مطار صنعاء، فانهمكنا في العمل. ولم يكن بين أيدينا من الطعام إلّا القليل ومن الماء إلا النادر. وندرة الماء أزعجتنا بصفة خاصّة… ترامى أمامنا طريق صخريّ يتنقّل بين جبال عاتية. إني أغوص في المجاهل. أصبح الماضي بعيدا جدا. تُرى هل علمت أمي بأمري؟ وهل علمت به خطيبتي؟ إنّهما أعزّ ما يشدّني إلى عالمي القديم. أمّا العالم الصّخري المكفهرّ المترامي أمامي فلا أدري شيئا عمّا يخبّئ لي من أقدار الغيب".

(نجيب محفوظ)

في مجموعته القصصية "تحت المظلة"، كتب نجيب محفوظ قصة تُحاكي التناقضات والصراعات الفكرية التي كانت تلفّ المشهد المصري آنذاك، فأبطال القصة، الأديب والجندي، وجدا نفسيهما دون إرادة منهما في وضع لا يُريدانِه. الجندي يتساءل: "لماذا نحارب في تلك الجبال؟"، والأديب يقول: "لماذا لا ننفعل لأرض الوطن؟"، لكن شخصية الضابط بدَت هي الوحيدة التي تمتلك المعلومة الواضحة.

 

كتبَ نجيب تلك القصة واختار لها عنوان "ثلاثة أيام في اليمن" بعد أن طُلب منه ومن بعض الكُتّاب والمثقفين القيام بزيارة تفقُّدية ومؤازرة القوات المصرية التي كانت تقاتل القوّات الملكيّة المدعومة من المملكة العربيّة السعوديّة، لحماية الجمهوريّة اليمنيّة التي قامت في ٢٦ سبتمبر/أيلول ١٩٦٢. فكانت نيّات النظام المصري واضحة منذ البداية، وتحديدا منذ هبطت أول كتيبة صاعقة مصرية على الأراضي اليمنية في 5 أكتوبر/تشرين الأول، بينما لم يكن المشهد واضحا للجندي، حيث يتحدث نجيب على لسانه قائلا: "اجتاحني شعور بالغربة والحيرة. لم أودّع خطيبتي ولم أودّع أمّي. منذ عام كنتُ موظّفا، مجرّد موظّف على مكتب. وبفضل شبابي وصحّتي أحببت وخطبت ثمّ جُنّدت. ها هو القطار يحملنا إلى الميدان. سنهبط من الطيّارات إلى ميدان حرب حقيقية"، ثم يتساءل: "أهي أرض عدوّة أم صديقة؟".

السياق التاريخي الذي صوّرته رواية محفوظ يشبه السياق الحالي، فالمناوشات العسكرية والسياسية بين أنقرة والقاهرة، والتلويح بحرب على الأراضي الليبية، مع الاستنفار الإعلامي المصري المكثف حول صواب القرارات السياسية للنظام بالتدخل العسكري في ليبيا، يُعيد حيرة الجندي المصري المتسائل أهي أرض عدوة أم صديقة؟ وتظل إجابة السؤال مِلكا للضابط وحده، كما كانت من قبل في حرب اليمن، ويظل المَثَلُ القديم لطَرَفَة بن العَبد "ما أشبه الليلة بالبارحة" وصفا لحجم الأخطاء التي ارتُكبت بالأمس.

 

أما اليوم، ونحن نعيش تحت وطأة الأنظمة الاستبدادية التي لا جديد معها ولا تجديد، فإن الشعوب تعيش على قول "ما أشبه الغد بالبارحة". فهل الطريق إلى اليمن لا يختلف عن الطريق إلى ليبيا؟ وهل ستكون الخسائر متشابهة رغم اختلاف السياقات الجغرافية والتاريخية والسياسية؟، تدفعنا تلك الأسئلة إلى العودة للتاريخ ربما نفهم كيف يُعيد التاريخ نفسه أو كما قال ابن خلدون في مقدمته: "الماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء".

 

"أنتم يا رجال الجيش، يا مَن قمتم في 23 يوليو لتخلِّصوا الشعب من آلامه وتُحقِّقوا له آماله.. ستوقفون الرجعية في مكانها.. طالما تألَّم الشعب، وطالما همس الشعب، وطالما صرخ الشعب، وطالما تاه هذا الشعب بين المبادئ المختلفة وبين الأهداف المختلفة.. طالما خدعوا هذا الشعب في الماضي.. وآمن أن المبادئ ستنتصر، طالما لم يُغرِّروا بكم كما يريدون أن يُغرِّروا بالشعب".

(جمال عبد الناصر)

"الطريق للجحيم مفروش بالنيّات الحسنة"، تصف مقولة الشاعر الإيطالي "دانتي" تلك قراءة الباحث شريف يونس لفترة حكم جمال عبد الناصر في كتابيه "الزحف المقدس" و"نداء الشعب"، حيث يذهب يونس إلى أن نيّات الضباط الأحرار منذ البداية كانت السعي لتأسيس دولة حديثة قوية، حيث ظهر تنظيم الضباط الأحرار كقوة وحراك إصلاحي، إذ لم يتضمّن بيانهم الأول سوى شكوى من الفساد الذي طال الجيش، وتسبّب في هزيمة حرب 48، ثم أعلنوا بعد ذلك عن ستة أهداف إصلاحية لا تندرج تحت برنامج إصلاحي بعينه لكنها تدور حول فساد النظام السياسي بمصر، كالقضاء على الاستعمار وأعوانه، والقضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم، وإقامة جيش وطني قوي، وعدالة اجتماعية وحياة ديمقراطية سليمة، إلا أن هذه الأهداف أو الوعود، في الحقيقة، ثبت أنها فضفاضة وغير واقعية. (1)

ففي 23 يناير/كانون الثاني سنة 1953، أنشأ مجلس قيادة الثورة "هيئة التحرير" لتكون الأداة السياسية المدنية والنموذج الحزبي الذي يتماشى مع أفكار مجلس قيادة الثورة، وبعد قرار حل الأحزاب السياسية القديمة في 16 يناير/كانون الثاني 1953، وأثناء تشكيل "هيئة التحرير" خطب الرئيس محمد نجيب قائلا: "باسم الشعب"، وهو ما كان عاكسا لفكر مجلس قيادة الثورة الإصلاحي حينها، كما يصف الباحث "شريف يونس"، فالسلطة حينها لم تكن قائمة على تمجيد الجيش كسُلطة عليا، فالأيديولوجية السائدة حينها لم تكن تمجيد الحكم العسكري بقدر ما أظهرت مجلس قيادة الثورة كنظام عسكري إصلاحي مُكلَّف من الشعب، بل ويتحدث باسمه، وأنه أكبر من أن يندمج مع طرف سياسي، أو ينضوي تحت لواء آخر، وبالتالي، وكما يشرح شريف يونس، فقد "قدّموا حريتهم فى الحكم وانفرادهم بالسلطة على أنها حريةُ الشعب ككل".

 

ففي حين كان النظام يتخلّى عن أي أحزاب أخرى يمكن أن تشاركه السلطة أو أي أيديولوجيات قديمة يسارية أو إسلامية، كان النظام يؤسس لأيديولوجيته الخاصة، فاستبعد النظام الأحزاب والتنظيمات التي كانت موجودة بالساحة السياسية المصرية مثل حزب الوفد وتنظيم "حدتو" الشيوعي الماركسي، كما ابتعد عن القوى المدنية الأخرى مثل جماعة الإخوان المسلمين وحزب مصر الفتاة، منفردا بالسلطة. وبالتالي وقع الصدام بين القوى المتنازعة على السلطة (بين الأحزاب وبين النظام، و بين أجنحة النظام نفسه)، مما مهّد الطريق إلى حدوث أزمة داخل النظام السياسي الوليد سُمّيت بـ "أزمة مارس" بسبب المعارضة التي قادها محمد نجيب والسنهوري باشا، مطالبين الجيش بالعودة إلى ثكناته وتطبيق الديمقراطية، إلا أن عبد الناصر ومَن معه استطاع أن يزيح محمد نجيب ويتولّى منصب الرئاسة ثم يُطيح بجماعة الإخوان المسلمين عام 54 بعد حادثة المنشية الشهيرة والتي اتَّهم فيها جمال عبد الناصر تنظيم الإخوان بمحاولة اغتياله. (2)

اتّجه نظام يوليو بعد عام 53 إلى "اختزال الشعب" كما يصفه شريف يونس، فبدأ النظام في فرض سيطرته من خلال إغلاق المجال العام، بعد حل الأحزاب السياسية والسيطرة على النقابات المهنية والعمالية، خاصة بعد مظاهرات كفر الدوار في عام 52، وضمان عدم تكرار تلك الحركات الاحتجاجية عن طريق الأحكام المغلظة بالحبس والإعدام التي صدرت من محكمة الثورة. بجانب استخدام كل وسائل القمع والتخويف لفرض قوة النظام، كما سيطر مجلس قيادة الثورة على وسائل الإعلام، فعيّن "صلاح سالم" وزير الإرشاد القومي (الإعلام)، بالإضافة إلى وضع رجال الأمن داخل المؤسسات الصحفية للسيطرة على المواد المنشورة وضبطها بما يناسب النظام السياسي الجديد.

 

وبعد أن أمسك النظام أعصاب الدولة، وفرض هيمنته، أبرم النظام عقدا اجتماعيا مع الشعب، من جانب السلطة يتكفّل النظام من جانبه بتوزيع عادل للثروة والموارد العامة وزيادة نصيب الفئات السكانية الفقيرة ومحدودة الدخل والسماح لها عبر التعليم المجاني المكفول للجميع وعبر التوظيف بالترقي الاجتماعي، ومن جانب المجتمع تتكفّل هذه الفئات السكانية والتي تُشكِّل الأغلبيات العددية الوجود كظهير مجتمعي وسياسي للنظام، مع التنازل عن بعض الحقوق السياسية والحريات الشخصية.

ظهرت الحاجة بعد اختزال الشعب في النظام إلى اختزال آخر للحياة السياسية، فكانت أولى الخطوات هي إنشاء "هيئة التحرير" لتكون منبرا للنظام والشعب، ثم بعد إقرار دستور عام 56، تحوّلت "هيئة التحرير" إلى "الاتحاد القومي" الذي يصفه جمال عبد الناصر قائلا: "إن الاتحاد القومي ليس حزبا، وإنما هو وطن بأكمله داخل إطار واحد". فظهرت شعارات سياسية مثل "الزحف المقدس" كصيغة تُحوِّل الشعب إلى حشد مُوحَّد يسير نحو هدف واحد هو "انتصار الإرادة" باعتباره شعارَ مرحلة عبد الناصر الجديدة، وللمفارقة، حمل الشعار الاسم ذاته الذي اختاره النظام النازي سابقا للفيلم الدعائي الضخم الذي أنتجه هتلر لدعم معنويات الشعب الألماني في أثناء الحرب العالمية الثانية.

 

وفي ظل اختزال الشعب لصالح مجلس قيادة الثورة، أعفى مجلس قيادة الثورة أنفسهم من الرجوع إلى الأدوات الديمقراطية كالانتخابات لمعرفة حجم الرضا والتأييد الشعبي لحكمهم، ولتنحصر إرادة الشعب في إرادة الضباط، وأصبحت كل القرارات تؤخذ "باسم الشعب"، ما دعا الكاتبَ إحسان عبد القدوس لوصفهم بـ "الجمعية السرية التي تحكم مصر". (3)

كان طرح النظام مبدأ حكم الشعب كوصاية عليه ليس عن طريق تفويض أتاح لهم تمثيل الشعب، ولا باعتبارهم منتخبين، ولا عن طريق تأييد شعبي، لكن بسبب التوجس من أن الشعب قد يُغرَّر به من بقايا النظام الملكي والمستفيدين منه أو تنظيمات إسلامية أو شيوعية، فيستميلون الشعب لهم ويرفضون حكم الضباط الأحرار. وفي الوقت ذاته لم يحاول النظام استعادة الثقة المفقودة، لكنه أكّد أنه يعتبر نفسه والمؤيدين له أصدق تمثيل للشعب، فعبّر عن ذلك في خطابه للحشود المؤيدة قائلا: "لن تكون هناك ديكتاتورية إلا ديكتاتورية الشعب". (4)

 

ورغم التأييد الشعبي الكبير لحكم جمال عبد الناصر والولاء السياسي الذي حظي به النظام حينذاك فإن البداية الحقيقية للدولة الجديدة كانت في 26 يوليو/تموز 1956، حين أمّم عبد الناصر قناة السويس من أجل تمويل بناء السد العالي، مُعلِنا أن الأميركيين والبريطانيين رفضوا تمويل السد، لذا فالمصريون قادرون على تمويله من خلال حقهم الطبيعي في السيادة على القناة.

"يجب أن نحرص على ألّا ينال الإنجليز والفرنسيون نصرا رخيصا، يجب ألّا نفرط في شرفنا وكرامتنا"، بتلك الكلمات خطب عبد الناصر في الجامع الأزهر بعد استلام البلاد إنذار بريطانيا، الشرف والكرامة كلمتان كانتا المِفتاح لإشعال حماسة الجماهير في وقت يحتاج فيه النظام إلى تلك الحماسة، فكتب مصطفى أمين مقالا جاء فيه: "لم يَعُد أحد يتكلم عن سياسةِ الحكمةِ والرويةِ و"نصف الرغيف خيرٌ من لا شيء"… لأن الشرف لا يحتمل أنصاف الحلول، فالمرأة نصف الشريفة هي امرأة فاسدة!". (5)

 

 

"تطور التاريخ في منطقتنا تطورا حتميا.. ومسؤولية الجمهورية العربية المتحدة عن مساندة هذا التطور وحمايته هي أيضا مسؤولية حتمية.. وكما أن أحدا لا يستطيع أن ينكر حتمية التاريخ، فإن أحدا لا يستطيع أن يُعفي الجمهورية العربية من مسؤولياتها".

(إحسان عبد القدوس)

يقول زيجمونت باومان، عالم الاجتماع البولندي: "لما كانت الأمم الصاعدة تحتاج إلى سلطة دولة حتى تشعر بالأمن، فكانت الدولة الناشئة تحتاج إلى الحماسة الوطنية حتى تشعر بالقوة، فكانت الأمة بحاجة إلى دولة، والدولة بحاجة إلى أمة حتى يُكتب لها البقاء، وكانت الدولة والأمة بحاجة إلى أعضاء مُستعدِّين للتضحية بحياتهم في سبيل ذلك البقاء، فكان لا بد من أن يكون عصر بناء الدولة هو عصر الحماسة الوطنية". (6)

 

وهذا ما أكّده السياسي البريطاني هارولد أنتوني في كتابه "ناصر"، حيث كان العدوان الثلاثي هو مَن جعل عبد الناصر -أخيرا وبشكل كامل- رئيسا لمصر. فبعد أن خرجت دولة الضباط من اختباراتها المتتالية -المعارضة في 53، العدوان الثلاثي في 56- ليس بانتصارات على الصعيد العسكري أو السياسي بل بالدعم الشعبي، ساهم العدوان الخارجي الناجم عن سياسات النظام في تأكيد مزاعم النظام حول الأخطار والأعداء المتربصين. (7)

وبعد أن فشلت القوات البريطانية والفرنسية في غزو مصر وإسقاط نظام عبد الناصر، خلع عبد الناصر عباءة البطل المصري وارتدى عباءة بطل التحرر القومي المعادي للاحتلال فوق أي أرض وتحت كل سماء. ظهر ذلك منذ اللحظة الأولى التي وافق فيها على اتحاد مصر وسوريا، ثم الموافقة على عرض ولي عهد المملكة اليمنية في تأسيس اتحاد فدرالي بين مصر وسوريا واليمن، ثم دعم القوميين اللبنانيين في مطالبهم في الاتحاد مع الجمهورية، في ظل قوة المعارضين للاتحاد مع الجمهورية. واستمر دعم عبد الناصر للنظام العراقي الذي أتى بعد الانقلاب على النظام الملكي، وارتفعت الأصوات المنادية بالاتحاد مع الجمهورية العربية، لكن العراق بقيت مستقلة لكنها موالية لعبد الناصر، كما دعم عبد الناصر الجزائر في ثورته على المحتل الفرنسي. (8)

 

جعلت سياسات عبد الناصر الخارجية منه بطلا قوميا عربيا على المستوى الشعبي، غير أن بعض الدول الأخرى كانت تخشى من المد القومي، كحالة المملكة العربية السعودية المسيطرة على أغلب شبه الجزيرة العربية وممالك الخليج مع ظهور موالين لعبد الناصر في الأسرة الحاكمه لآل سعود، ثم تحوَّل الأمر إلى العداء المباشر في عام 1962 بعد الانقلاب الذي قاده عبد الله السلال على آخر ملوك المملكة اليمنية الأمير محمد البدر، فاليمن يُعَدُّ مسألة أمن قومي سعودي، ولا يمكن بأي حال من الأحوال وصولُ القوميين إلى العمق الإستراتيجي للمملكة، فذلك يعني أن زوال حكمها مسألة وقت. (9)

بدأت السعودية في دعم الأمير محمد بعد أن هرب إليها، كما دعمت بعضَ القبائل اليمنية الموالية للأمير بالمال والسلاح، فلجأ الثوار المنتصرون إلى مصر، فدعمت مصر الثوار في البداية بالأسلحة، لكن في ظل التفوق في حجم الإنفاق بين مصر والسعودية كان الطرف الملكي يُحرز تقدما ملحوظا، فلجأ عبد الناصر إلى استخدام قوته العسكرية، فأرسل في البداية كتيبة صاعقة لحماية السلال، ثم 5000 جندي في نهاية 1963، حتى وصلت القوات المصرية الموجودة في اليمن إلى 55 ألف جندي في نهاية عام 1965. واستمرت الإمدادات المصرية لليمن، سواء كانت بشرية أو عسكرية أو مادية، ما أكّده الصحفي "دانا آدمز شميدت" في كتابه "اليمن.. الحرب المجهولة" أن النظام في مصر أخذ على عاتقه إسقاط الملكية في اليمن مهما كلّف الأمر. والحقيقة أن الأمر كان مُكلِّفا للغاية، فخسرت مصر أكثر من 15 ألفا من أبنائها، وخسائر اقتصادية تُقدَّر بنحو نصف مليون دولار في اليوم الواحد. (10) على الرغم من الخسائر المادية والبشرية في اليمن، أرسل عبد الناصر -كذلك- عددا ضخما من الآليات والأسلحة للرئيس الجزائري بن بلة لدعمه في حربه مع المملكة المغربية. لكن مصر المُستنزَفة اقتصاديا وعسكريا وبشريا لم يكن يفصلها سوى شهور على نكسة 67.

 

كانت الأفكار التي صدّرها النظام المصري للجنود الراحلين إلى اليمن لا تختلف عن شعار الشرف والكرامة، بل زاد عليها الواجب المُلقَى على عاتق الشعب المصري في إيصال الشرف والكرامة للأمة العربية كلها، ما عبَّر عنه محمود مبروك في كتابه "يوميات ضابط في حرب اليمن" قائلا: "إن طبيعة خدمتي ومبرر وجودي على هذه الأرض أن أكون مقاتلا ضمن جيش هبّ لنجدة ثورة تعرّضت لتحالف رجعي لإعادة الزمن، واستمرار حفظ شعب كامل في ثلاجة التاريخ، بل ومنع حركة التاريخ ذاتها". (11)

 

يبدو تأثير سيطرة النظام على الإعلام واضحا في الأفكار التي يُردِّدها أنصار تلك المرحلة، فيظهر التشابه بين كتابات محمود الضابط السابق في اليمن والكاتب الصحفي إحسان عبد القدوس الذي غيَّر موقفه منذ عام 53 الذي كتب فيه أن تنظيم الضباط الأحرار جماعة سرية تحكم مصر إلى كاتب ومُنظِّر للنظام لا نعرف إن كان خوفا أو إيمانا بالنظام بعد العدوان الثلاثي، فكتب في عام 1962 قائلا: "هي مسؤولة عن التاريخ -يقصد الجمهورية العربية-، ومقياس علاقة الجمهورية العربية بالحكومات هو مدى تمثيل هذه الحكومات لشعوبها.. فكلما اقتربت حكومة من شعبها، اقتربت من خط الجمهورية العربية وحملت معها المسؤولية نفسها.. ثم إن الجمهورية العربية لا تُمثِّل حكومة فحسب.. إنها تُمثِّل ثورة.. تُمثِّل تطورا تاريخيا حتميا يشمل المنطقة كلها"، وهي الأفكار ذاتها التي حملها الضابط معه نحو الجبهة في اليمن ورفعت أسهم الصبر لدى المجتمع المصري. (12)

لكن في النهاية، اكتفى جمال عبد الناصر بأن يقول: "إن الحرب في اليمن كانت سوء تقدير"، لكن هذا الحكم وذلك التقييم لم يصدر من عبد الناصر إلا بعد أن استهلكت الحرب قدرات مصر الاقتصادية والعسكرية التي انعكست على الشارع وحالته، فخرج عبد الناصر في خطابه الشهير في بورسعيد يُعلن عن رفع أسعار السلع والبضائع من أجل تمويل المجهود الحربي في اليمن، ثم إعادة بناء الجيش مرة أخرى، لكن هذه المرة من أجل استرداد أرض مصرية لم ينجح عبد الناصر قط في تحريرها. (13)

 

"تعالوا بينا نرجع للخلف.. أرجو منكم كلكم يا مصريين تاخدوا كلامي بجدية. في سنة 1960 كان في غطاء ذهبي للجنيه المصري، البلد دي مكنتش مديونة بجنيه، لكن كل ده راح في حرب اليمن، انتهى كل الغطاء الذهبي اللي كان موجود".

(عبد الفتاح السيسي)

منذ أن تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم، عقب انقلاب عسكري أطاح بأول رئيس مدني منتخب عقب ثورة 25 يناير، كانت سياسات النظام أشبه باستنساخ لسياسات حكم عبد الناصر، فاستُخدمت القبضة الأمنية للقضاء على المعارضين إما بالزج في السجون وإما بالاختفاء والقتل، كما سيطر على وسائل الإعلام كافة عن طريق تأسيس شركات مملوكة لجهاز المخابرات، لضمان بقاء صوت النظام صوتا أوحد يسمعه الناس، فبعد أن كرّر شكواه علنا من الصحافة التي تتصيّد الأخطاء للحكومة، حوَّل السيسي وسائل الإعلام إلى بوق في يد الأجهزة الأمنية، وجعلها تأخذ الأخبار عن طريق رسائل هاتفية.

 

وبعد استنزاف الاقتصاد المصري في مشاريع ضخمة ليس لها جدوى اقتصادية مثل مشروع تفريعة قناة السويس الذي استهلك مخزون النقد الأجنبي من الخزينة المصرية، وكما أكّد السيسي في لقاء تلفزيوني له أن المشاريع لم تكن لتُنجَز إذا كان مخططا لها. وضعت تلك السياسات الاقتصادية والأمنية والسياسية المتخبّطة الشعب في حالة من الغليان، وبدأت تخرج الأصوات المُندِّدة بحكم النظام من قلب الشارع المصري خاصة في أحداث 20 سبتمبر/أيلول الماضي، لكن النظام لم يحاول السيطرة على حالة الغضب تلك عن طريق مشاريع إصلاحية، واكتفى رأس النظام بالتقليل من شأن تلك الأصوات مؤكدا أنها صراع بين فئة صغيرة في مقابل "شعب كامل". فظلّت تلك النظرة المختزلة للشعب التي ساهم الإعلام الموالي للنظام في تشكيلها، لكن الحقيقة أن تلك النظرة ليست قابعة إلا في فِكْر النظام فقط.

 

في مصر، وفي ظل الاحتراب القائم في ليبيا ما بين اللواء حفتر المدعوم من السعودية والإمارات ومصر وبين الحكومة الشرعية المدعومة من تركيا، ومع استمرار النزاع، انتقلت حِدّة المناوشات من أطراف النزاع الليبيين إلى الحلفاء، فبعد تصديق البرلمان التركي على طلب الرئيس في إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، خرج الرئيس المصري مُحذِّرا الدولة التركية من إرسال قوات عسكرية لمنطقة أمن قومي مصري، وفورا بدأ الاستعراض العسكري البحري المصري، وخرج نظيره التركي معلنا البدء في إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا.

كل هذا جعل السؤال يُطرح مرة أخرى لكن بشكل آخر، حيث تحوَّل السؤال الذي طرحه نجيب محفوظ على لسان إحدى شخصياته الروائية عندما قال: "أهي أرض عدوة أم صديقة" إلى سؤال: "مَن يريد أن يموت في أرض ليست أرضه، ودون هدف يسعى له، بل يموت من أجل أطماع السعودية والإمارات؟".

 

لكن في ظل إصرار الدولة المصرية على خوض مناوشات تصعيدات حربية، والانغماس أكثر في الأزمة الليبية ودعم أحد الأطراف على حساب الآخر، فإن ذلك يتناقض مع حديث الرئيس السيسي عن حرب اليمن وما فعلته بالبلاد، فقبل حرب اليمن على حدِّ تعبيره: "كانت البلاد غير مَدينة، بل وتمتلك رصيدا من الغطاء الذهبي، وكل هذا اختفى تاركا البلاد مَدينة منهارة"، بينما في ظل الحالة الاقتصادية التي يعيشها الشعب منذ 2014 من التقشُّف والعجز وارتفاع الأسعار والتعويم والبطالة، ما جعل الرئيسَ السيسي يخرج ليقول في حديث إنه "لا يقدر أن يعطي أحدا"، فالسؤال هنا في ظل حرب ليبيا التي يريد السيسي خوضها بالجيش المصري التي تشبه حرب اليمن مع اختلاف السياقات، لكن النتيجة ربما ستكون متشابهة في الخسائر؛ هل الاقتصاد المصري يتحمّل حربا بتلك التكلفة؟ أو هل يستطيع الشعب تحمُّلها؟

 

تُشير الوقائع ومؤشرات الاقتصاد والديون الخارجية لمصر إلى أن الإجابة هي لا، إذن فالممولان المحتملان لتلك الحرب المحتملة هما السعودية والإمارات، وهنا يُطرَح سؤال آخر لا توجد له إجابة هنا، وهو: هل تحوَّل الجيش المصري إلى جيش مرتزق لحكام الإمارات والسعودية؟ ربما نجد إجابة عند جمال حمدان الجغرافي المصري الشهير عندما قال:

"إن آفة مصر اثنتان: الطغاة في الداخل والغزاة من الخارج، الديكتاتورية في الداخل والاستعمار من الخارج، هاتان هما نقطتا الضعف الأساسيتان في شخصية مصر، وهما قد تبدوان للوهلة الأولى شيئين منفصلين، ولكن الحقيقة أن العلاقة بينهما مباشرة هي علاقة السبب والنتيجة، فنحن كشعب نخضع لحكامنا الطغاة، وحكامنا يركعون بسهولة للغزاة".

_______________________________________________________________________________

المصادر

  1. شريف يونس، الزحف المقدس.
  2. شريف يونس، نداء الشعب.
  3. شريف يونس، المصدر السابق.
  4. شريف يونس، الزحف المقدس.
  5. زيجمونت باومان، الحياة السائلة.
  6. شريف يونس، الزحف المقدس.
  7. هارولد أنتوني، ناصر.
  8. سعيد أبو الريش، ناصر آخر عربي.
  9. سعيد أبو الريش، المصدر السابق.
  10. دانا آدمز شميدت، اليمن.. الحرب المجهولة.
  11. محمود مبروك، مذكرات ضابط في حرب اليمن.
  12. شريف يونس، نداء الشعب.
  13. المصدر السابق.

حول هذه القصة

تعزَّز نهج استخدام الطائرات المسيرة بليبيا بشكل ملحوظ خلال المعارك الأخيرة، مع تدفُّق الطائرات من الرعاة الإقليميين لطرفَيْ النزاع، مما جعل ليبيا تستحق وصف "السماء الأكثر ازدحاما بالدرونز بالعالم" بجدارة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة