وهم المكانة الاجتماعية.. لماذا نشتري أشياء لا نحتاجها لإبهار أشخاص لا نحبهم؟

يدق جرس الساعة السادسة من مساء الثاني من مارس/آذار، في أحد طوابق مبنى فاخر يقع في حضن أرقى شوارع المدينة. يفتح مدير شركة ناشئة شباك مكتبه فيداعب نسيم ربيعي شعره المصفف بعناية، يستنشق نفسا عميقا، يستشعر الإحساس بالفخر والرضا، ثم يعود إلى مكتبه يتفقد حسابه البنكي، بعد خصم نفقاته، يتبقى من دخله مبلغ محترم يضاف إلى مدخراته، يراجع الأرقام في الشاشة مرة أخيرة، يلتقط معطفه ويخرج مسرعا ليبدأ السهرة من أولها مع رفاقه.

 

على مدار اليوم والأيام التالية، تختفي مشاعر النشوة والفخر وتحل مكانهما شيئا فشيئا مشاعر أعمق، رغبة ملحة في تأكيد نجاحه ورفعته الطبقية، يريد أن يعرف كل أقرانه أنه صار أعلى مكانة وأحق بلفت الانتباه، يريد أن يعرف ذلك مَن هم أقل منه مالا وعددا، النادل في المطعم والبائع في الكشك والسكرتيرة في المكتب وغيرهم ممن لم يؤتوا مثل ماله وجاهه. لم تعد الساعة الفاخرة التي اشتراها من شهرين كافية لإشباع رغبته، ولا هاتفه الذكي الذي يحمله في يديه في مكان مرئي، ولا حتى سيارته طراز السنة الماضية، فيسارع لوضع خطة إنفاق جديدة تليق بمكانته ورغبته في استعراض مكانته.

 

ما إن يبدأ مسعاه لتحقيق هذه الرغبات حتى تلتقط خوارزميات مواقع الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي رائحته كضحية جديدة تواقة للاستهلاك، فتبدأ باستهدافه بقدر هائل من الإعلانات الموجهة ومنشورات المؤثرين التي تعرض عليه سلعا وخدمات لا تخاطب حاجات أساسية بل رغبته في المكانة والحصرية والتميز والتفوق على أقرانه، وإشباع غطرسته ونرجسيته وتسكين حسده وتطلّعه إلى الآخرين.

لا يقتصر هذا الأمر على السلع، بل يمتد إلى الخدمات والهوايات والاهتمامات، فنجد زوجته تصر على تحمّل نفقات باهظة وإرهاق طفلتها بمقابلات مزعجة لتحصل على فرصة للدراسة في مدرسة من مدارس النخبة المكلفة، والتي قد لا تختلف جودة التعليم المقدمة فيها عن مؤسسات أقل كلفة، لأن صديقتها لا تكف عن نشر صور ابنها في باحة المدرسة واختلاق المواقف التي تُظهِر مدى تميز الفئة التي ترتاد هذه المدرسة.

 

يلتقط المخرج الكوري بونغ جون هذه النزعة في فيلمه "الطفيلي" (Parasite) عبر تصويره لاهتمام العائلة الغنية في الفيلم بالفن وسعيها لاقتناء الأعمال الفنية، يقول: "تريد هذه العائلة أن تقول "نحن لدينا المال، لكننا راقون أيضا. لسنا متفاخرين ولسنا محدثي نعمة". لهذا يعيشون في بيت صممه معماري مشهور. يريدون القول "إننا نعرف الفن، ولدينا ذوق فني". ويريدون التشديد في كل لحظة على أنهم ليسوا أغنياء مبتذلين. ما يريدونه حقا، وهذا شيء يقوله السيد بارك صراحة في الفيلم، هو أن يرسموا خطا يحيط بعالم الرقي ولا يريدون أن يتجاوزه أحد".(1)

الاستهلاك وقلق السعي إلى المكانة

"نحن نشتري أشياء لا نحتاج إليها، لنبهر أشخاصا لا نحبهم"

(تايلر دردن، فيلم نادي القتال)

كتب عالم الاقتصاد والاجتماع الأميركي النرويجي تورستين فيبلن في كتابه الشهير "نظرية الطبقة المترفة" أن الاستهلاك التفاخري ظل على مدار التاريخ البشري سلوكا ملازما لأصحاب المال والسلطة يحاولون من خلاله رسم خط فاصل بينهم وبين الطبقات الأدنى، وحتى بينهم وبين أقرانهم. يعني مصطلح الاستهلاك التفاخري الذي صاغه فيبلن شراء سلع وخدمات باهظة الثمن لاستعراض الثروة والنفوذ وليس لتلبية حاجات حقيقية. ينهج المستهلكون المتباهون هذا السلوك للحصول على مكانة اجتماعية أعلى، بغض النظر عن إن كان استهلاكهم هذا يوفر لهم جودة أفضل أم لا. يستشري هذا السلوك في عموم الطبقات وبين بعضها بعضا، ونتيجة لذلك ينشأ مجتمع يتسم بهدر الكثير من المال والوقت.(2)

يستخدم الاستهلاك وسيلة للحصول على المكانة والتدليل عليها. ومن رحم الاستهلاك التفاخري ولد الإهدار التفاخري. فمعظم صناعة الإعلانات والدعاية المعاصرة تسعى لخلق مجتمع "مهووس بالامتلاك" قائم على مفاهيم التباهي والمنافسة على التفاخر والتميز.

 

ينبع الاستهلاك التفاخري من سعي عميق ومتجذر لدى الإنسان على مر تاريخه، كمثل سعيه لتلبية حاجاته الأساسية من الأكل واللباس والسكن، وهو السعي للمكانة الاجتماعية، يحلل آلان دو بوتون هذا الدافع في كتابه "قلق السعي إلى المكانة" تحليلا عميقا، فيرجعه إلى خمسة أسباب؛ أولها هو الافتقاد للحب. يقول آدم سميث في كتابه "نظرية المشاعر الأخلاقية" إن سبب كل سعي إنساني وجشعه وتطلعه للثروة والسلطة والمكانة هي "الرغبة في أن نكون محط أنظار الآخرين وموضع عنايتهم، وأن نرى بعين الرضا والاستحسان، فالرجل الثري يعتز بثرواته لأنه يشعر أنها تجلب إليه استحسان العالم وحبهم وتجر إليه الإعجاب، وعلى النقيض يخجل الفقير من فقره لأنه يضعه بعيدا عن أنظار الناس".

أما السبب الثاني فهو الغطرسة التي يلقاها الإنسان ما إن يتخطى مرحلة الطفولة وما فيها من حب غير مشروط يلقاه من أبويه والمحيطين به. يصطدم الإنسان في مراحل نضجه وشبابه بغطرسة الآخرين وسلطتهم ومكانتهم، لا يسعه إلا العيش على انتباه المتغطرسين، هذا الانتباه والرعاية التي لا يلقاها إلا بشروط غير ميسرة، على حد قول دو بوتون.

 

أما السبب الثالث فهو التطلع والحسد أو ما يُعرف بضغط الأقران، فعلى الرغم من الإنجازات والفوائض المادية والمعيشية الهائلة التي حققها الإنسان في العصر الحديث فإنه يعيش دائما في قلق مستمر وإحساس بسوء الحظ والتطلع إلى الآخرين الأكثر منه مكانه وثروة، فلم يعد يكفي أن تتمتع بسقف فوق رأسك وتنعم بقوت يومك، بل صار لزاما عليك تحقيق الإنجازات ومراكمة الثروة واللهاث دائما بحثا عن المزيد والمزيد حتى لا تتخلف عن أقرانك ولا ينزلوا عينهم من عليك.

 

يكمن السبب الرابع في التصور الحديث عن الكفاءة والجدارة، فقد ساد الاعتقاد في العصر الحديث بأن النجاح والثراء ناتجان عن كفاءة الشخص وجدارته، وبذلك يصبح الفقر والإخفاق دليلين على انعدام الكفاءة والجدارة. أما السبب الخامس فهو اعتماد مكانة المرء على عدد من الأسباب الخارجية التي لا يد له فيها، على خلاف أزمنة ماضية كانت المكانة الاجتماعية فيها أكثر ثباتا، فما كان على النبيل سوى أن يولد نبيلا ولم يكن بوسع الفلاح سوى أن يكون فلاحا.

 

لأجل هذه الأسباب الخمسة، يرى آلان دو بوتون أن الإنسان الحديث مدفوع دائما بقلق السعي إلى المكانة، وهو بهذا مدفوع دائما ليس فقط لتحقيق الأسباب المادية لهذه المكانة، بل والتظاهر بها والبرهنة عليها واستعراضها عبر الاستهلاك التفاخري.(3)

الاستهلاك ودائرة الفقر المفرغة

استخدم فيبلن مصطلح الاستهلاك التفاخري لوصف الطبقات العليا التي نشأت في القرن التاسع عشر بسبب الثورة الصناعية الثانية. لكن مع تحسن الظروف المعيشية ومعايير الحياة وظهور الطبقة الوسطى خلال القرن العشرين، استشرت هذه الظاهرة بين كثير من الأسر والأفراد، الذين أصبح استهلاكهم ميالا ليكون ذا طبيعة استعراضية بدلا من تحقيق منافع عملية وحاجيات أساسية.

 

ويرى عالم الاقتصاد بول نيستروم في نظريته عن الاستهلاك في القرنين العشرين والحادي والعشرين أن التغيرات في أنماط الحياة التي أعقبت الثورات الصناعية ولّدت هذا النمط الذي تُحفّزه النزعة الاستهلاكية بشكل عام والرغبة في الإشباع الفوري للملذات.

 

ورغم أن مصطلح الاستهلاك التفاخري استُخدم أولا لوصف سلوك الطبقة المترفة، فإن الدراسة التي أعدّها علماء الاقتصاد كيروين تشارلز وإريك هارست ونيكولاي روسانوفا تُظهِر أن هذا السلوك أكثر استشراء في الطبقات الاجتماعية الفقيرة وفي الاقتصادات الناشئة. ففي حالة هذه الطبقات يُستخدم هذا النمط من الاستهلاك في إخفاء فقر الشخص أو انتمائه لطبقة متوسطة. ولعل أبرز مثال على ذلك هي المجوهرات كبيرة الحجم التي تلقى رواجا لدى الطبقات منخفضة الدخل، أو السعي المحموم لاقتناء الملابس من علامات تجارية غالية كدليل على الرفعة والمكانة.(4)

بحسب دراسة أُجريت سنة 2010، يلعب الاستهلاك التفاخري دورا كبيرا في تكريس فقر الطبقات الدنيا، عبر مساهمة هذا النمط من الاستهلاك فيما يسميه العلماء بفخ الفقر، أو الفقر الذي يعيد إنتاج نفسه. وفقا للدراسة، تنفق الأسر الفقيرة جزءا كبيرا من دخلها على سلع لا تساعدها في تخطي فقرها أو تحقيق معدلات ادخار أعلى. يرى مؤلفو الدراسة أن السبب في ذلك هو ميل هؤلاء الأفراد لإخفاء فقرهم عبر الاستهلاك التفاخري أو السلع الاستعراضية التي تخفي مستوى دخل الفرد الحقيقي. (5)

 

ولقياس هذا النمط من الاستهلاك يستخدم علماء الاقتصاد مصطلح "سلع فيبلن" للإشارة إلى السلع التي تخالف قانون العرض والطلب الأساسي. بعبارة أخرى هي السلع التي يزيد الطلب عليها كلما زاد سعرها، وهو أمر يخالف الحس العام والسلوك الشرائي المنطقي. في العقد الأخير من القرن العشرين، وبسبب تنامي فجوة الدخل والثروة بين الطبقات الغنية والفقيرة أصبحت أسواق سلع فيبلن أو أسواق السلع الفاخرة أحد المحركات الأساسية للاقتصاد. وقد شهدت هذه الأسواق نموا هائلا في السنوات الأخيرة. (6)

 

بحسب إحصائيات موقع استاتيستا، بلغ حجم اقتصاد السلع الفاخرة حول العالم في عام 2019 1.7 تريليون دولار بمعدل نمو قارب الـ 30% عن عام 2018 الذي بلغ حجم سوق السلع الفاخرة فيه 1.2 تريليون دولار. وفي مقدمة أسواق السلع الفاخرة حل قطاع السيارات الفاخرة بقيمة إجمالية بلغت ما يقارب 550 مليار دولار.(7) وبحسب دراسة نشرها موقع بين دايجست عام 2018 جاء هذا النمو في أسواق السلع الفاخرة وخصوصا السلع الشخصية بسبب زيادة الشرائح المستهلكة الأصغر سنا وانتشار التسوق عبر الإنترنت وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي.

منصات الاستعراض الاجتماعي

في عام 2015 أعدّ الباحثان الأميركيان ديفيد تيلور وديفيد ستروتور دراسة عن دور شبكات التواصل الاجتماعي وفيسبوك تحديدا في زيادة حِدّة الاستهلاك التفاخري لدى روادها. تمنح هذه الشبكات الناس القدرة على عرض أنفسهم في أفضل صورة عبر تعديل الصور وتنميق الكلمات التي يُعبّرون بها عن أنفسهم.

 

تتم هذه العملية بحسب ما جاء في الدراسة عبر عرض مجموعة من سلع فيبلن التي تعمل بمنزلة وسيط للتعبير عن السعادة والرفاهية. يتعاظم بفضل هذا النوع من التفاعل الاجتماعي مركّبان نفسيان سلبيان هما الحسد والنرجسية. الأول ينطوي على نظرة سلبية للذات يستشعر فيه المرء بؤسا دائما لافتقاره لما هو بحوزة آخرين. أما الثاني فينطوي على نظرة سلبية للآخرين يولي فيه المرء أولوية دائمة لإشباع رغباته الشخصية بغض النظر عن الآخرين. وللتعامل مع هاتين الحالتين النفسيتين يجد المرء نفسه مدفوعا للترويج للذات والبرهنة على مكانتها عبر أنماط مختلفة من الاستهلاك التفاخري، والاستعراض، واستهلاك الذات، وتحقيق صورة وهمية بالمكانة بدلا من تحقيق هذه المكانة بأسبابها المادية الواقعية.(8)

________________________________________________________________________________

المصادر

  1. Parasite Director Bong Joon-ho on the Art of Class Warfare
  2. كتاب نظرية الطبقة المترفة، تورستين فيبلن
  3. كتاب قلق السعي إلى المكانة، آلان دو بوتون
  4. What is Conspicuous Consumption
  5. Saving Rates and Poverty: The Role of Conspicuous Consumption and Human Capital
  6. Conspicuous Consumption and Peer Effects among the Poor: Evidence From a Field Experiment∗
  7. Luxury Goods
  8. Does Facebook usage lead to conspicuous consumption? The role of envy, narcissism and self-promotion

حول هذه القصة

لفهم الآثار السلبية التي يُخلِّفها الوضع الحالي الناتج عن جائحة كورونا على الصحة النفسية للأشخاص بمجتمعاتهم، ولمعرفة كيفية التعامل معها، أجرى “ميدان” مقابلة مع د.مروة حمدان للإجابة عن تلك التساؤلات.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة