آل باتشينو.. هل يمكن أن يصبح أداء الممثل قصيدة ساحرة؟

من خلال حواراته الممتدة مع الكاتب "لورانس جروبيل" والأقرب إلى سيرته الذاتية، يعود آل باتشينو إلى لحظتين يراهما حاسمتين في قرار احترافه لفن التمثيل، يتذكّر عرضا مسرحيا لفرقة من الممثلين الجوّالين لمسرحية النورس للروسي أنطون تشيكوف شاهده في عمر الرابعة عشرة على أحد مسارح برونكس، حيث نشأ في واحد من أكثر أحيائها فقرا والذي ترك أثرا مُدهشا عليه.

 

يستعيد هذه اللحظة التي يرويها مُضيفا عليها هالة من الرومانسية، حيث في أحد مطاعم نيويورك، وعلى الرصيف الآخر من أحد المهرجانات المسرحية المخصصة لأعمال شكسبير، كان هناك سبعة أو ثمانية من الممثلين مندمجين في بروفة مسرحية، وكان الضوء يتسلّل إليهم عبر الستائر مُحوِّلا المشهد إلى ما يشبه لوحة من لوحات رينوار، قلت لصديقي: "هل تراهم؟ لا أستطيع أن أشيح بعيني عنهم. كما لو كانوا هنا منذ مئات السنين وبإمكانك أن ترى جذورهم وخلفيتهم. كنت منجذبا إليهم، كم كانوا يشبهون عائلة ما، وكان هذا شيئا طالما أردته".(1)

 

كان ألفريدو/آل نتاج زواج محطم، الابن الأوحد لسلفادور وروز باتشينو، انفصل الأب عن الأم وهو في عمر الثانية، لينتقل مع والدته ليعيش في بيت جدّيه. كانت روز امرأة هشة، عاطفية وذات حس فني واضح، يُشبِّهها آل لاحقا بنساء الكاتب المسرحي الأميركي تنيسي ويليامز، نساء جريحات يتحطمن تحت ثقل واقعهن الخشن.

آل باتشينو

وحين يعود إلى البيت مع والدته التي كانت تصطحبه معها في سن صغيرة للسينما، يجد نفسه في محاولة لتقليد أداء الممثلين الذين شاهدهم للتو. يتذكّر آل جيدا حين شاهد مع والدته فيلم بيلي وايلدر "نهاية الأسبوع المفقودة" (The Lost Weekend) حيث يؤدي "راي ميلاند" شخصية كاتب مدمن للكحول، يلتهم إدمانه حياته. دائما ما كانت روز تطلب منه إعادة تمثيل مشاهد من هذا الفيلم أمام العائلة والأصدقاء، خاصة المشهد الذي يفتش فيه راي شقته على نحو يائس بحثا عن زجاجة الخمر. ربما من سخرية القدر أن تطلب تحديدا من آل إعادة هذا المشهد مرارا، وهو الذي سيُعاني لاحقا من حقيقة إدمانه للكحول خاصة نهاية السبعينيات.

 

مُدرِّسة الدراما هي أول مَن اكتشف إمكانيات الممثل بداخله، ونصحت والدته بالاهتمام بهذا الجانب منه: "إنه يمتلك داخله نار أسلافه الصقليين". ينتمي جدّه لوالدته للجيل الأول من المهاجرين الإيطاليين الذين قدموا إلى أميركا بداية القرن العشرين، جدّه صقلي من "كورليون" تحديدا، مسقط رأس "العراب" فيتو كورليوني حسب الرواية والفيلم، الفيلم الذي سيصير تميمة حظ حفيده. حاولت مُدرِّسة الدراما بوصفها السابق أن تُعبِّر عن شيء ما عنيف ومُتفجِّر بداخل آل، سيصفه على نحو أوضح لاحقا المخرج المسرحي "أرفين براون" حين شاهده في بداياته المسرحية: "كان يمتلك بداخله عنفا هائلا لدرجة تحطيمه لذلك الخط الوهمي الذي قد يمنح المشاهد شيئا من الراحة والأمن أنّ ما يشاهده مجرد عرض مسرحي. لقد أفزعني".

في بداية عقده الثاني حاول الالتحاق بأستوديو الممثل لكنه لم ينجح في ذلك، والتحق بأستوديو آخر هو أستوديو "هربرت برجوف"، وهناك التقى بتشارلي لوتون، مَن سيصير صديقه الأقرب ومعلمه ومرشده الروحي. لم يُعلِّمه لوتون التمثيل، ولم يُدِره مخرجا في أول أعماله على المسرح فقط، لكنه عرّفه على الشعراء والكُتَّاب، حيث بدأ آل بالتهام كتبهم، شكسبير بالطبع، بريخت، تشيكوف، إبسن، دوستويفسكي، ومنحته هذه الكتب على حد تعبيره سببا للوجود، خاصة في الفترات المظلمة من حياته، مثل تلك الفترة التي توفيت فيها والدته وجدّه تباعا، يفصل بينهما عام واحد، وقد كانا الأقرب إليه في هذا العالم.

 

كانت طفولته وصباه نهبا للفقر والكآبة، وعلى المسرح وجد الكلمات، الكلمات التي لم يقلها أبدا وكان يتوق إلى قولها، كانت متنفسا عن الغضب والإحباط لشخصية خجولة ومُتحفِّظة مثله. بعد تألُّق سريع ونجاحات متتالية على خشبة المسرح، أتت السينما إليه.

 

serpico poster in saturday night fever – تحوّلت شخصية سيربيكو سريعا إلى أيقونة

المتأمل لمسيرة نجم مثل آل باتشينو، الذي يُعَدُّ بلا شك واحدا من أفضل ممثلي السينما في كل تاريخها، يراوده دائما إحساس بأن ما أنجزه كان دائما أقل من حجم موهبته وأصالتها. ربما نحن أمام نجم تعمل حساسيته التي هي سر تفرُّده ومزاجه الخاص ضد موهبته. وحدها الأفلام التي رفضها كانت كفيلة بجعل مسيرته أكثر ثراء، قائمة طويلة تضم على سبيل المثال لا الحصر "القيامة الآن" (Apocalypse Now)، "كرامر ضد كرامر" (Kramer vs. Kramer)، "أحدهم طار فوق عش الوقواق" (One Flew Over the Cuckoo’s Nest)، "أيام الجنة" (Days of Heaven)، ويُعلِّق آل باتشينو مؤخرا في أحد حواراته: "الأدوار التي رفضتها تعيش في متحف أخطائي".

 

تمتلك مسيرة آل نقطة انطلاق مثالية واستثنائية، فخلال السنوات الأولى كان يتنقل بين فيلم كبير وآخر مُجسِّدا على نحو مدهش شخصيات تحوَّلت سريعا إلى أيقونات سينمائية، مثل مايكل كورليوني في "العراب" وسيربيكو في الفيلم الذي يحمل اسم بطله. خلال عقد السبعينيات صنع آل باتشينو مجده بوصفه ممثلا سينمائيا بأداءات لا تُنسى، وبخمسة ترشيحات للأوسكار خسرها جميعا. بعدها عانت مسيرته السينمائية الكثير من التقلُّبات والإحباطات بحيث ظلّت البدايات المدهشة هي ذروة مسيرته.

 

تعتبر الثمانينيات هي العقد الأكثر إحباطا بالنسبة لآل باتشينو، أخفقت أغلب أفلامه خلال هذا العقد على المستوى الجماهيري والنقدي، من "كاتب! كاتب!" (Author! Author!)، الفيلم الذي حاول خلاله أن يبتعد عن الشخصيات القاتمة والعنيفة ليؤدي شخصيات أكثر خفة، والفيلم الملحمي "ثورة" (revolution)، وحتى أداؤه الأيقوني لشخصية توني مونتانا في فيلم برايان دي بالما "الوجه ذو الندبة" (Scarface) لم يُقدَّر نقديا واتهمه أغلب النقاد بالكاريكاتورية والمبالغة. ظل آل بعد الفشل المدوّي لفيلم "ثورة" (revolution) لأربع سنوات بعيدا تماما عن شاشة السينما.

 

في التسعينيات تغير الوضع تماما، فكانت هذه الفترة هي الأكثر نجاحا بالنسبة لآل بعد السبعينيات، إذ بدأ يستعيد شيئا من ألقه القديم، ينجح خلال عامين في حصد ثلاثة ترشيحات للأوسكار، ويُرشَّح لأوسكار أفضل ممثل مساعد عن دوره في فيلم "ديك تريسي" (Dick Tracy)، ثم خلال عام واحد ينال ترشيحين أحدهما بوصفه أفضل ممثل مساعد في فيلم "قبعة غلين روس" (Glengarry Glen Ross)، ثم أفضل ممثل رئيسي في فيلم "عطر امرأة" (Scent of a Woman) الذي يمنحه فوزه الوحيد. استمر تألُّق آل باتشينو لبقية عقد التسعينيات مُقدِّما أداءات بديعة في أفلام مثل "حرارة" (heat) الذي يشهد لقاءه الأول مع صديقه ومنافسه التقليدي روبرت دي نيرو، إذ يظهران معا لأول مرة على شاشة السينما، و"طريق كارليتو" (Carlito’s Way) تحت إدارة برايان دي بالما مجددا.

فيلم "عطر امرأة" (Scent of a Woman)

استمر آل خلال العقدين التاليين في بطولة أفلام والمشاركة في أخرى، أفلام بعضها جيد لكنها كانت بالطبع أقل في قيمتها مما أُنجِز سابقا، وأخرى كان أداؤه هو أفضل ما فيها. كان 2019 استثناء بظهوره العابر في فيلم تارانتينو "حدث ذات مرة في هوليوود" (Once Upon a Time in Hollywood)، ودوره المهم في فيلم سكورسيزي "الأيرلندي" (The Irishman)، حيث يُقدِّم شخصية "جيمي هوفا" في أداء ربما هو أفضل ما قدّمه خلال عقدين، وأول ترشيح للأوسكار منذ فوزه عام 1993.

 

تشبه بداية آل باتشينو إلى حدٍّ بعيد بداية مارلون براندو، فكلاهما لمع أولا وجذب الأنظار لموهبته الكبيرة على خشبة المسرح، غير أن براندو قطع علاقته بالمسرح نهائيا بعد دخوله عالم السينما. ظل آل مرتبطا بالمسرح بشكل وثيق حتى بعد أن صار نجما سينمائيا، وكان يشعر أن جذوره تنتمي للمسرح، يعود إليه كلما خذلته السينما أو ثقلت عليه أضواء النجومية، ويعود إليه كمَن يعود إلى بيته وربما إلى متعته الخاصة.

 

ظل المسرح شغفه الكبير، وإنجازه كونه ممثلا مسرحيا لا يقل عن إنجازه السينمائي، فآل حصل مرتين على جائزة توني، وهي أعلى تكريم مسرحي في الولايات المتحدة، إذ تُعادِل في صناعة المسرح جوائز الأوسكار للفيلم، المرة الأولى عن أدائه في مسرحية "هل يرتدي النمر ربطة عنق؟" (Does a Tiger Wear a Necktie?) عام 1969 مباشرة قبل انطلاق مسيرته السينمائية، والثانية عام 1976 في ذروة نجوميته في السينما عن مسرحية "التدريب الأساسي لبافلو هوميل" (The Basic Training of Pavlo Hummel).

مسرحية "التدريب الأساسي لبافلو هوميل" (The Basic Training of Pavlo Hummel).

لا يخفى على أحد محبة آل باتشينو لمسرح شكسبير، فهو أحد الأسباب التي جعلته يرغب في أن يكون ممثلا وأن يستمر في هذه المهنة. يحكي آل أنه أحيانا تحت وطأة مزاج معين يستمر ربما لعشر ساعات متصلة، وربما لأيام وليالٍ، يقرأ أجزاء من مسرحيات لشكسبير: "أجد ذلك نوعا من العلاج". قدّم آل على المسرح "هاملت"، "تاجر البندقية"، "يوليوس قيصر" وبالطبع "ريتشارد الثالث" مسرحيته الشكسبيرية المفضلة.

 

مشاريعه السينمائية الأكثر ذاتية واستحواذا مرتبطة بالمسرح، ففي الفترة التي تلت فيلم "ثورة" (revolution)، التي كانت أشبه بالكابوس على المستوى الشخصي والمهني، عاد خلالها للمسرح، وكانت لديه هذه الفكرة عن فيلم عن مسرحية من فصل واحد للشاعر البريطاني هيثكوت ويليامز.

 

بدأ في العمل عليها خلال هذه الفترة، وأنتج الفيلم من ماله الخاص، وقام ببطولته تحت إدارة المخرج ديفيد ويلر. انتهى التصوير نهاية الثمانينيات، لكن آل بتردُّده المعهود ظل لسنوات بعدها يُعيد المونتاج مرة بعد أخرى، ولم يُعرَض الفيلم أبدا إلا في عروض خاصة لبعض الأصدقاء، وصار الفيلم لزمن طويل أقرب لسيموفنيته الناقصة، وذلك قبل أن يضمه آل مع فيلمين آخرين هما نتاج شغفه بالمسرح، لتصدر الأفلام الثلاثة على أقراص مدمجة عام 2007 بوصفها مجموعة خاصة تحمل عنوان: "آل باتشينو: رؤية ممثل" (Pacino: An Actor’s Vision).

مجموعة خاصة تحمل عنوان: "آل باتشينو: رؤية ممثل" (Pacino: An Actor’s Vision).

الفيلمان هما "البحث عن ريتشارد" (Looking for Richard) و"القهوة الصينية" (Chinese Coffee)، أولهما من إنتاج وإخراج وبطولة آل باتشينو، وهو أقرب إلى دوكيودراما، يبحث في دور شكسبير المستمر وأهميته في الثقافة الشعبية، ولماذا لم يعد الجمهور الأميركي يُقبِل على أدب شكسبير، متنقلا بين الأكاديميين ورجال الشارع، مازجا هذه اللقاءات بمشاهد مختارة من المسرحية وبروفات العمل عليها. إنها خلاصة محبته للمسرح، ولشكسبير وفن التمثيل. ثانيهما أخرجه آل أيضا، وقام ببطولته عن مسرحية تحمل الاسم نفسه لأيرا لويس كان قدّمها من قبل على خشبة المسرح، وقدّم آل من خلاله أداء بديعا وأحد أفضل أداءاته المُتجاهَلة.

 

رغم تنوُّع أداءات آل باتشينو على شاشة السينما، فقد قدَّم خلال مسيرته الممتدة لنصف قرن طيفا واسعا من الشخصيات، تظل أفضل الأداءات التي قدّمها تتعلّق بشخصيات مُمزَّقة من الداخل بين نقيضين. في "العراب" يؤدي شخصية مايكل الابن الأصغر لواحدة من أقوى عائلات المافيا في نيويورك، ويُعبِّر مايكل منذ البداية عن انفصاله الواضح عن عائلته مخبرا حبيبته: "هذه عائلتي يا كاي وليس أنا". تدخله يد القدر في التجربة ليصير هو رأس هذه العائلة، ويصير مايكل مُمزَّقا من الداخل، غارقا في هذا التوتر المستمر بين رغبته المكسورة وحلمه الضائع، حلمه في أن يكون فردا بوجود خاص ومستقل بعيدا عن العائلة، وبين ما يفعله في الواقع كونه عرّابا، يجعله هذا مُشوَّشا وغارقا في الكآبة، وهو ما لا يليق بشخصية في مثل سلطته، لذا سنجد آل باتشينو يحافظ على وجهه مصمتا وخاليا من أي تعبير، وجه أشبه بقناع لكنك يمكن أن تلمح هذا الاضطراب في عمق عينيه بلا شك.

 

هذا ما يُفسِّر الفارق الجوهري بين مايكل والأب؛ الأب كان مؤمنا تماما بحلمه، عاش حياته دون ندم، عكس مايكل الذي انتهى به الحال عكس كل ما تمنى، مُجبرا على حياة لم يخترها. في فيلم "دوني براسكو" (Donnie Brasco) يؤدي آل باتشينو شخصية "ليفتي" أحد أعضاء المافيا الشغيلة، يحلم بالترقي داخل هذا العالم لكن دائما ما يُتَجاوَز. صمت آل في هذا الفيلم ونظراته تفور بالإحباط، وحركاته الزائدة تستجدي مظهر القوة لتُداري ضعفا متأصلا في طبيعته، ضعفا لا تُخطئه بالطبع عيون رؤساء المافيا. داخل ليفتي منقسم بين رغبته في الصعود ووضعه داخل المافيا، بين طبيعته وبين الصورة التي يفرضها على نفسه. ليفتي منجذب لعالم الحيوان، حين يزوره دوني/جوني ديب في بيته نراه منغمسا في مشهد على التلفاز يفترس فيه أسدٌ غزالا، لا شك أن ليفتي يتوحّد هنا مع الأسد، لكن المفارقة المُرَّة التي يُثبتها الواقع لاحقا أن ليفتي هو الغزال في عالم العصابات.

فيلم "دوني براسكو" (Donnie Brasco)

يُعبِّر الناقد الأميركي رون روزنباوم عن شيء من ذلك حين يقول: "إن أفضل أداءات باتشينو تدور حول تناقضات القوة. مايكل في "العراب" يصير مع نهاية الجزء الثاني الرجل الأقوى في أميركا، لكنه أيضا أسير عاجز لهذه السلطة، وسوني في "عصر يوم قائظ" (Dog Day Afternoon) إنسان مُستَلب وعاجز يصير في لحظة ما في موضع السلطة حيث يُحرِّك هو كل شيء".(2)

 

"لمدة ثمانية أسابيع كان آل باتشينو هو الشخصية التي يُجسِّدها، حتى في الليل بعد الانتهاء من التصوير تظل الشخصية ملتصقة به".

المخرج الأميركي نورمان جويسون عن فيلم "والعدل للجميع…" (…And Justice for All).(3)

يُعَدُّ آل باتشينو من روّاد "التمثيل المنهجي" (method acting) وأحد وجوهه البارزة لجيل ما بعد براندو، إلى جانب دي نيرو وداستن هوفمان. درس آل مع لي ستراسبرج في أستوديو الممثل، وكان ستراسبرج هو الرجل الذي أسهم منهجه المستوحى من مبادئ العلامة الروسي ستانسلافسكي في تثوير التمثيل في أميركا.

 

وقد كان التمثيل المنهجي ضربا من التحرُّر من أسر الأساليب التقليدية والكليشيهات المألوفة التي حكمت التمثيل السينمائي ما قبل الخمسينيات، أي قبل ظهور الثالوث المقدس: مارلون براندو، ومونتجمري كليفت، وجيمس دين. يسعى التمثيل المنهجي إلى الواقعية والصدق في الأداء، وبناء الشخصية من الداخل عبر الذاكرة العاطفية للممثل والمخيلة، ويداوم عليها الممثل للوصول إلى تكنيك خاص به يُمكِّنه من تقديم أقصى درجة من الطبيعية والصدق في أدائه. يمكننا أن نتحدث طويلا عن طبيعية الأداء لدى آل وقدرته المدهشة على معايشة شخصياته من الداخل على نحو أصيل، لكن تظل القوة المتفجرة لأداءاته هي بصمته الخاصة، حين يتصاعد الانفعال داخله ينفجر آل باتشينو على نحو يخصه وحده، يصفه المخرج سيدني لوميت الذي أداره في فيلمين قدّم خلالها آل اثنين من أفضل أداءاته هما "سيربيكو" (Serpico) و"عصر يوم قائظ" (Dog Day Afternoon): "تنبع كل انفعالات آل باتشينو من مكان ما بداخله، مكان لا أرغب أبدا بالوجود قربه لأنه يشبه الوجود قرب مركز الأرض. كل ما يأتي من هذا المكان أصيل تماما، شيء يخصه وحده".

فيلم "سيربيكو" (Serpico)

يحاول آل أن يُلائم مظهره مع الشخصيات التي يُجسِّدها، لحية هنا، شعر طويل هناك، لكن الأمر يكمن على نحو ما في الطريقة التي تُعبِّر بها عيناه عن غضب هائل حتى في أكثر لحظاته رقة وضعفا.(4)

 

أحد أهم عناصر قوة آل كونه مُمثِّلا هي قدرته على الولوج إلى قلب شخصياته وفهمها على نحو عميق، فكما تعلّم من منهج أستاذه وأبيه الروحي لي ستراسبرج: "قبل الأداء يأتي التأويل، بمعنى أن التقمص الحقيقي يبدأ فقط بعد الوصول إلى جوهر الشخصية". يفهم آل جيدا مأزق مايكل، الشخصية التي يصفها بأنها الأصعب في مسيرته، ويحاول أن يخلق من مايكل لغزا غامضا، شخصا بإمكانك أن تُحدِّق فيه دون أن تنفذ إلى حقيقته.

 

مايكل رجل سلطة عليه أن يكون مَهيبا، وعليه أن ينفي صراعه الداخلي إلى أقصى أعماقه، بحيث يظل وجهه خاليا من أي تعبير، فقط هناك شيء في عمق عينيه يوحي بصراعه الداخلي الخفي. حركته أيضا أكثر ثقلا من أي مرة أخرى ستشاهد فيه آل باتشينو، هذه المشية المتثاقلة مثلما هي جزء من قناع القوة الذي يرتديه هي تعبير عن الحِمْل المُلقى عليه، عن ثقل الروح. بشكل ما يكرر ذلك في دور "سيربيكو"، يحافظ على هدوء وحياد وجهه رغم غليان أفكاره ورأسه الذي لا يهدأ.

 

في أحد أفضل أداءات آل باتشينو، وهو سوني في فيلم "عصر يوم قائظ" (Dog Day Afternoon)، ومع بداية التصوير ورؤيته للقطات الأولى، يشعر آل باتشينو أن الشخصية قد أفلتت منه، يقضي الليلة محاولا دراسة الشخصية، ثم حين يعود في الصباح يطلب من المنتج والمخرج إعادة تصوير اللقطات الأولى التي كانت تُصوِّر وصول الشخصية إلى البنك، وقد كانت الشخصية في هذه اللقطات ترتدي نظارة شمسية. يقترح آل أن على الشخصية التي يؤديها أن تنسى النظارة وأن تدخل المصرف بدونها، لأنها ترغب على نحو غير واعٍ أن يُقبَض عليها، وهو ما كان. هذا الفهم العميق من آل لجوهر الشخصية التي يؤديها هو وسيلته لتقمُّص الشخصية ولأدائه الفذ.

فيلم "عصر يوم قائظ" (Dog Day Afternoon)

سوني محارب فيتنام الذي لا يجد عملا وثنائي الميول الجنسية يشعر أنه غير مرئي في كل علاقاته، حتى مع أقرب الناس إليه، زوجته وأمه، مع إحساس عميق بالقهر. يفهم آل جيدا أن هذه هي لحظة سوني، إنه يرغب أن يكون مرئيا كونه ممثلا يبحث عن جمهور. يتحوَّل الرصيف أمام المصرف إلى مسرحه الخاص، فرغم المأزق الذي يعيشه تأمَّل الخفة التي يتحرك بها أمام الجماهير والكاميرا، وتلك الطاقة التي تتلبّسه، مثل كومبارس صار فجأة بطل المسرحية لليلة واحدة. علينا أن نشاهده أيضا قرب النهاية وهو مستنزف جسدا وروحا بعد أن أدرك انتهاء لحظته في المشهد الذي يُملي فيه وصيته الأخيرة على إحدى الرهائن، يبلغ المدى التعبيري لآل في هذا الفيلم حده الأقصى.

 

تكمن إحدى أهم مزايا الأداء التمثيلي لآل باتشينو في الطريقة التي يتحوّل بها للشخصية التي يؤديها، ولكن لنُعبِّر عن ذلك بشكل أوضح علينا أن نضعه في مقارنة مع دي نيرو. يتحدّث المخرج الأميركي مايكل مان الذي أدارهما في فيلم "حرارة" (heat) عن الطريقة التي يتحوَّل بها كلاهما للشخصية التي يُجسِّدها:

روبرت دي نيرو وآل باتشينو

"يرى دي نيرو في تجسيد شخصية ما نوعا من البناء، إنه يعمل بدأب شديد على التفاصيل مُضيفا تفصيلة إلى جانب أخرى مُكوِّنا الشخصية التي يؤديها. آل يعمل بطريقة مختلفة من أجل استكشاف الشخصية، إنه أقرب إلى بيكاسو، يظل مُحدِّقا في قماشة الرسم البيضاء لساعات ثم في لحظة هناك تتابع من ضربات الفرشاة، لتجد جزءا من الشخصية حيًّا أمامك".(5)

دي نيرو صارم جدا في العمل على شخصياته، هناك نوع من القسوة في تحوُّله، صادم في انسلاخه عن ذاته والدخول في الشخصية التي يؤديها. يظل آل أكثر مرونة في تعامله مع شخصياته، تحوُّله ناعم وشاعري ويعتمد أكثر على دفقات الإلهام. فإذا كان دي نيرو هو المهندس فآل هو الرسام أو الشاعر.

—————————————————————————-

المصادر

  1. Al Pacino : The Authorized Biography byLawrence Grobel
  2. AL PACINO: OUT OF THE SHADOWS
  3. Al Pacino : The Authorized Biography byLawrence Grobel
  4. المصدر السابق.
  5. المصدر السابق.

حول هذه القصة

أصاب الفيلم وترا حساسا في طرحه بهذا الوقت، إذ أتى متوافقا مع ذروة معركة الانتخابات الأميركية، وتقاطع مع فيلم “الإخوة الخمسة” وبمقصد مشترك، وهو فضح فساد منظومة العدالة التي تقوم عليها المنظمة السياسية.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة