ما بعد الثورة المضادة.. هل انتهى الإسلام السياسي؟

يشترك عبد الفتاح السيسي مع ولي عهد الإمارات محمد بن زايد في هوس من نوع خاص، رغم أن كل واحد منهما قادم من عالم مختلف تماما عن الآخر. ابن زايد ابن سلالة حاكمة، يحكم بشرعية تقليدية عددا من الإمارات المُطلِّة على ساحل الخليج العربي، والسيسي ابن مؤسسة عسكرية حديثة أسّسها جمال عبد الناصر بوصفها نقيضا سلطويا لأنظمة الحكم التقليدية الملكية والسلالية، لكنّ الاثنين يجمعهما مسار قادر على إذابة أي خلاف، ويجعلهما أحد أقوى الحلفاء السياسيين في المشرق العربي خلال السنوات الأخيرة، ألا هو حلم القضاء على ما يُعرف بـ "الإسلام السياسي".

 

يفهم عبد الفتاح السيسي الإسلام السياسي بشكل محدد جدا، فهو كما يبدو عنده محصور في جماعة الإخوان المسلمين، والتنظيمات المسلحة في سيناء، وقد أعلن بشكل صريح وقت ترشُّحه للرئاسة أنه ما دام في السُّلطة فلن يكون هناك أي وجود للإخوان المسلمين في مصر. أما ابن زايد فيفهم الإسلام السياسي بطريقة أوسع، ففي الوقت الذي اكتفى فيه السيسي بقمع تنظيم الإخوان المسلمين في الداخل المصري، يقود ابن زايد حملة عالمية لتقويض أي فعالية سياسية إسلامية في الشرق أو الغرب، ولا يحصر عداوته مع جماعة الإخوان المسلمين فقط، إذ يتعامل حاكم إمارة أبو ظبي مع خصمه الإسلام السياسي بوصفه ظاهرة عالمية أوسع من الإخوان.

 

هذا الهوس لدى كلٍّ من عبد الفتاح السيسي ومحمد بن زايد بالقضاء على الإسلام السياسي شكَّل أساس العلاقة بينهما كما ذكرنا، وقادهما معا لقيادة أشرس حملة قمعية أمنية ضد الإسلاميين عرفها المشرق العربي منذ مذابح حافظ الأسد في ثمانينيات القرن الماضي. أمام كل هذا العداء والهوس المَرَضي الذي يُكِنُّه الاثنان للإسلام السياسي بالتوازي مع التراجع الضخم الذي حلّ بجماعة الإخوان المسلمين، يُلِح سؤال: هل من الممكن فعلا استئصال "الإسلام السياسي" بغير رجعة، أم من الممكن استمراره بوصفه ظاهرة سياسية واجتماعية وثقافية، حتى بعد انتهاء دور جماعة الإخوان؟

 

إن كانوا لا يتفقون مع الاتجاه بالتأكيد، فإن غالبية الباحثين المهتمين بدراسة الإسلام السياسي وفهمه يتفقون مع فهم ابن زايد لهذا التيار إن صح القول، أي باعتباره ظاهرة أوسع بكثير من التنظيمات التي تتحدث باسمه، كالإخوان المسلمين مثلا، حيث يرى "أوليفييه روا" و"نوح فيلدمان" و"آصف بيات" الإسلام السياسي باعتباره تعبيرا عن واستجابة لوضعية تاريخية معينة في عالم جديد وجدت المجتمعات المسلمة نفسها داخله مع انهيار السلطنة العثمانية عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث تَشَكَّل عالم جديد ومختلف جذريا عن كل ما عاشه العالم الإسلامي لقرون عديدة مضت، عالم عُمِّمَت فيه نُظم قانونية وسياسية واقتصادية على أغلب البلدان العربية والإسلامية، شَكَّلت في مضمونها وهويتها قطيعة تاريخية مع التاريخ الإسلامي الممتد منذ قرون الإسلام الأولى.

 

داخل هذا العالم الجديد، نبتت العوامل المُنتِجة والمُرسِّخة للإسلام السياسي كونه ظاهرة ذات أبعاد سياسية وثقافية واجتماعية، وهي المعادلة التي ينطلق منها نوح فيلدمان(3)، حيث كان دخول المجتمعات الإسلامية لهذا العالم الحديث ينطوي على خلل بنيوي، وهو تغوُّل السُّلطة التنفيذية والإدارية والعسكرية والأمنية على سُلطة القانون والمؤسسات التشريعية والقضائية، ما يعنيه فيلدمان تحديدا ليس مجرد تواطؤ المؤسسات القانونية والتشريعية مع السُّلطة التنفيذية، ولكن ضعف المرجعية القانونية المستقلة عن السُّلطة والضابطة لها من خارجها، الأمر الذي أدّى إلى أن تكون السُّلطة هي المُنتِجة للقانون وهي المُنفِّذة له في خلل دستوري وسياسي فادح، هنا تحديدا يرى فيلدمان أزمة الحداثة العربية، وهنا أيضا سبب المشروعية المتجددة التي تحظى بها حركات الإسلام السياسي.

 

رفع الإسلاميون شعار تطبيق الشريعة في وجه استبداد السُّلطة التنفيذية في كل بلد، ونادوا بعودة الدين بوصفه مرجعية حاكمة للمجال السياسي، هكذا يرى نوح فيلدمان اقتران خطاب الشريعة بالعدالة في بواكير المخيلة الإسلامية الحديثة، اقتران وثيق عزّز حضوره وارتباطه استبداد السُّلطة التنفيذية الحديثة الدائم، وهيمنتها على تأويل القانون الوضعي وتفسيره وتطبيقه طوال الوقت، وكأن القانون عبارة عن ورقة بيضاء تكتب فيها السُّلطة ما تشاء وقتما تشاء، بينما تظهر الشريعة والمرجعية الإسلامية بوصفها فكرة قانونية-أخلاقية خارج سيطرة السُّلطة والنُّخَب الحاكمة، وهي مرتبطة في الوعي الإسلامي بكونها العنصر الجوهري الذي صنع مجد الدولة الإسلامية القديمة، حيث يصف فيلدمان الإسلام السياسي بعبارة دالة بأنه "حنين إلى العدالة القانونية الإسلامية القديمة؛ لكنه حنين يتطلع إلى الأمام أيضا"(3).

هذه هي الفكرة التي اعتمدها فيلدمان بوصفها الشرط الموضوعي التاريخي لظاهرة الإسلام السياسي في المجتمعات العربية، وبالعودة إلى هوس السيسي وبن زايد نجد أنهما في ذروة سعيهما المحموم للقضاء عليه واستبعاده يُوفِّران الشروط التاريخية نفسها التي أنتجته في السابق وحفظت له استمرارية وفعالية سياسية استمرت لعقود، من إهدار لفكرة حكم القانون والعدالة، وتحطيم التوازن الدستوري الضعيف أساسا بين السُّلطات التنفيذية والقانونية، في سياق الحملة القمعية الشرسة التي يتزعّمانها.

 

قد يقضي السيسي وابن زايد على الإخوان في مصر، وعلى الإسلاميين في سوريا، ويحاصرون النهضة في تونس، والإخوان في الأردن، قد ينتهي تنظيم الإخوان للأبد، لكن ما لا يُدركه ابن زايد والسيسي وفريقهما أن الإسلام السياسي ليس نتاج مؤامرة قام بها بعض سيئي النية الذين يمكن استئصالهم والقضاء عليهم، الإسلام السياسي هو الرد التاريخي للمجتمعات الإسلامية على اللا عقلانية والاستبداد وغياب المرجعية القانونية التي اتّسمت بها الحداثة العربية طوال القرن الماضي كله، وما دامت تلك السمات التي يُمثِّلها ويدافع عنها حلف السيسي وبن زايد مستمرة، فسيبقى الإسلام السياسي مُرشَّحا للظهور بأشكال تنظيمية وخطابية أخرى، وهنا تكمن المفارقة ربما.

 

لا ينفرد نوح فيلدمان وحده بهذا التحليل والفهم للإسلام السياسي في المشرق العربي وفي تركيا، حيث يذهب الباحث الفرنسي والمتخصص في دراسة الإسلام السياسي وفهمه "أوليفييه روا" إلى دعم تحليل نوح فيلدمان وتفصيله، حين يُدلِّل على تجاوز حركات الإسلام السياسي للكثير من مقولاتها المؤسسة، كمقولات الحاكمية، والجاهلية والسيادة الإسلامية، والمفاصلة، وتخلّيها عن إنتاج سياسة قطع مع الأنظمة القائمة، واندماجها المُتدرِّج في المجتمع المدني العربي.

 

يُسمّي أوليفييه روا(4) هذا التجاوز "بالانزياح الأيديولوجي"، حيث يعدّه الحدث الذي أظهر جوهر الإسلام السياسي وحقيقته بوصفه حركة إصلاح قانوني وسياسي للدولة العربية الحديثة، هذا الانزياح حدث بعد تخلّيها ضمنا أو علانية عن أدبيات الإسلام السياسي الكلاسيكية، ككتب سيد قطب والمودودي، وبعض رسائل المؤسس حسن البنا، وما مَثَّلته تلك الأدبيات الكلاسيكية من قطيعة ثورية مع الأنظمة القائمة، وسعيهم لتحقيق تسوية دستورية مع الدولة الوطنية، ويسير روا جنبا إلى جنب مع نوح فيلدمان في اعتبار الإسلام السياسي حركة نقدية إصلاحية للحداثة العربية وتغوُّل السُّلطة التنفيذية فيها، ما يدعم فكرة فيلدمان أن الإسلام السياسي رد فعل من قلب المجتمع المدني في المشرق العربي على الدولتية العربية الضاربة بتعبير نزيه الأيوبي، أو استبداد السُّلطة التنفيذية بتعبير فيلدمان نفسه.

 

ويسير الأكاديمي الإيراني "آصف بيات" في كتابه "الأوجه المتغيرة للإسلام السياسي" مع أوليفييه روا ونوح فيلدمان في اعتباره الإسلام السياسي "حالة" وليس "مشروعا"، فهو حالة تُمثِّل "محاولة لدمج التديُّن والحقوق، والإيمان والحريات، والشريعة والدستور والقانون ، فهي محاولة لتحويل وقلب المبادئ والسمات الأساسية للتحديث السُّلطوي العربي رأسا على عقب بواسطة التأكيد على الحقوق بدلا من الواجبات، وعلى التعددية بدلا من الصوت الفردي السّلطوي، وعلى المستقبل بدلا من الماضي"، في إطار سعي عام يهدف لمناهضة الاستبداد السياسي، وإقامة نظام دستوري ديمقراطي مَدني يصون الحقوق والحريات(3).

كتاب "الأوجه المتغيرة للإسلام السياسي" لـ "آصف بيات"

يتفق كل هؤلاء في أن الإسلام السياسي ليس فكرة أيديولوجية ثابتة لتنظيم أو جماعة بعينها، ولا مجرد مشروع حزبي للوصول إلى السُّلطة، كل هذا وأكثر هو مجرد تجلّيات لظاهرة تاريخية أكبر وأوسع مصطلح الإسلام السياسي هو عنوانها، ربما يكون تحالف بن زايد والسيسي قد نجح في هزيمة الإسلاميين في مصر وسوريا، لكن ما يغيب عن قادة الثورة المضادة أن الإسلام السياسي ظاهرة لها شروط موضوعية مُنتِجة لها، وهي شرط استمرارها، تلك الشروط الموضوعية هي تحديدا ما يُعيد إنتاجه تحالف السيسي وبن زايد في مشروعهما.

—————————————————————————————————–

المصادر

  1. محمد بن زايد والهوس بالقضاء على الإسلام السياسي، موقع الإمارات ليكس
  2. سقوط الدولة الإسلامية ونهوضها، نوح فيلدمان، الشبكة العربية للأبحاث والنشر
  3. "توابع الفشل".. هل يتخلى الإسلام السياسي عن دولة الشريعة؟، شريف مراد، موقع ميدان
  4. تجربة الإسلام السياسي، أوليفيه روا، ترجمة مروة نصير، دار الساقي
المصدر : الجزيرة + وكالات

حول هذه القصة

عقد موقع “ميدان” مقابلة مطوّلة مع الدكتور أسامة أبو ارشيد حول تزايد الاستقطاب الداخلي بالولايات المتحدة وتأثيره على العرب والمسلمين ومدى التغيّر المرتقب لحضور الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن للحكم.

10/12/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة