الاقتصاد الأميركي بخير.. رغم الفشل في ملف كورونا!

تناولت الصحافية الأميركية أني لوري في تحليل اقتصادي نشرته مجلة "الأتلانتيك" دلائل الأداء الجيد للاقتصاد الأميركي مقارنة بالاقتصادات الأخرى المنافسة في كلٍّ من ألمانيا واليابان وكندا والمملكة المتحدة، وترى لوري أن هذا الأداء الجيد لا علاقة له بتعامل الولايات المتحدة تعاملا مميزا أو لافتا مع جائحة كورونا، ولكنه عائد لأسباب أخرى تستعرضها خلال التحليل.

 


إليك هذه الحقيقة المذهلة التي لا تحظى بالكثير من التقدير: الاقتصاد الأميركي أدّى أداء أفضل بكثير من أداء اقتصادات معظم الدول المنافسة خلال هذا العام المُروِّع. هذه الحقيقة ليست نتاج استجابة قطاع الصحة العامة في الولايات المتحدة بشكل أفضل من استجابة تلك الدول المنافسة، إذ إن الولايات المتحدة لم ترفع قيود الإغلاق بسرعة، ولم يعد الاستهلاك مستعرا مثل ذي قبل. في الواقع، إن الكثير من هذه الدول المنافسة كانت لديها نتائج أفضل بصورة لافتة، يمكن قياسها من خلال معدلات حالات الإصابة بـ "كوفيد-19" والشفاء منه والوفاة بسببه. كما أن هذه النتائج لم تكن أيضا نتاج حفاظ الولايات المتحدة على وظائف أكثر، إذ إن معدل البطالة لديها أعلى بكثير من معدلات البطالة في اليابان أو ألمانيا أو المملكة المتحدة.

 

يتوقّع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الأميركي بنسبة 4.4% في 2020، في مقابل انكماش الاقتصاد في كلٍّ من اليابان بنسبة 5.3%، وفي ألمانيا بنسبة 6%، وفي كندا بنسبة 7.1%، وفي كلٍّ من المملكة المتحدة وفرنسا بنسبة تصل إلى نحو 10%.

دخلت الولايات المتحدة في الكساد الناتج من الجائحة ببعض المنافع الهيكلية، بما فيها اقتصاد متنوع بصورة كبيرة. فالدول المعتمدة على صناعة واحدة متضررة بشدة -إسبانيا مثلا تعتمد على السياحة-، وتتعثّر بغض النظر عن كيفية استجابة قطاعها الصحي أو اقتصادها الكلي. كما أنه من حُسن حظ الولايات المتحدة أنها لا تعتمد في نموها على الصادرات، وبذلك فالانهيار العالمي للتجارة في خضم الجائحة أثّر سلبيا في البلدان الأخرى أكثر بكثير من الولايات المتحدة.

 

تُشير بيانات البنك الدولي إلى أن مبيعات الخارج تُقدَّر بـ 12% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة مقارنة بـ 18% في اليابان، و32% في كندا، و47% في ألمانيا.

إحدى المنافع الهيكلية الأخرى هي أن واشنطن تطبع احتياطي العُملة للعالم، ما يعني أنها تميل إلى ابتلاع تدفقات رأس المال العالمية في أوقات سيطرة حالة اللا يقين، كأوقات جائحة عالمية مثلا. يرفع ذلك من قيمة الأصول الأميركية ويُخفِّض تكاليف الاقتراض الأميركي. يُشير مارك زاندي، أحد المحللين في شركة "موديز"، إلى أن سوق العمل الأميركية تُعتبر أكثر مرونة من نظيرها في تلك الدول الأخرى.

 

أدّت الولايات المتحدة بشكل أفضل ليس شكلا فقط، وإنما عمليا أيضا في محاربة التدهور الاقتصادي الناتج عن الجائحة، إذ كان لديها سياسة نقدية هي الأفضل من نوعها: في ربيع العام الحالي هدَّأ الاحتياطي الفيدرالي، وهي المؤسسة التكنوقراطية النافذة في البلاد، سوق المال بمجموعة متنوعة من البرامج الخاصة، بينما خفَّضت معدلات الفائدة إلى الصفر، وأغرقت السوق بالنقد.

 

ومع ذلك تميّزت الولايات المتحدة بسياستها النقدية، على الأقل في وقت سابق من العام الحالي، فهي تُتيح شبكات حماية أقل وأبخل وأعقد وبشروط أكثر من كثير من الاقتصادات المتقدمة، أي بلغة الاقتصاد عوامل تثبيت تلقائية أقل سخاء. لكن عندما ضربت الجائحة البلاد، ناقش النواب الديمقراطيون سلسلة هائلة من المثبتات المؤقتة ذات الفعالية العالية مع النواب الجمهوريين الذين كانوا مستعدين لما هو أكثر من ذلك، منهم وزير الخزانة ستيفن مونتشين. قدّم الكونغرس في قانون "كيرز" البالغ قيمته 2.2 تريليون دولار قروضا مُعفاة للمشروعات الصغيرة، ومنح معظم الأميركيين راتبا بـ 1200 دولار، وضمّ عاملين في الاقتصاد التشاركي إلى نظام التأمين ضد البطالة، بالإضافة إلى منح زيادة 600 دولار أسبوعيا فوق مرتبات البطالة.

وزير الخزانة الأميركي "ستيفن مونتشين"

قال لي جريجوري داكو، وهو عالم اقتصاد في شركة "أوكسفورد إكونوميكس" العالمية للتنبؤ الاقتصادي: "لم نشهد من قبل مثل هذا الكم السريع والهائل من التحفيز الذي يُقِرُّه الكونغرس، وإذا ما قارنته بما حدث في الأزمة المالية العالمية -التي عجَّلت بالكساد الكبير في 2007- فإن حِزَم التحفيز استغرقت ثلاثة أضعاف المدة لإصدارها وكانت نصف الحجم الحالي". واقعيا، الولايات المتحدة قدّمت دعما ماليا يساوي تقريبا 12% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب بيانات شركة "موديز" التي تُشير إلى أن هذه النسبة هي أكثر من الثلث من الدعم الألماني وضِعْفا الدعم البريطاني. وبخلاف أستراليا فإنه لا توجد دولة كبيرة وغنية فعلت أكثر من ذلك لدعم اقتصادها.

 

آتت الاستثمارات أُكُلها، إذ رفعت الولايات المتحدة دخل ملايين الأُسر محدودة الدخل خلال الربيع والصيف، ورفعت كمَّ الأموال التي تدخل جيوب الأميركيين في العموم. ومعنى ذلك أنه في حين دخل الاقتصاد في انكماش حادٍّ وقاسٍ، بسبب الإغلاق العام وتعثُّر التجارة وتخييم الخوف على الأجواء، فإنه عاد في حالة أفضل من اقتصادات كثيرة أخرى منافسة. ومن حيث الإنتاج فإن الاقتصاد الألماني والكندي والفرنسي أسوأ، وفي بعض الحالات أسوأ بكثير.

 

ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة ليست السراج المنير الذي يهدي العالم للخروج من الموت والدمار والخراب في عام 2020. فبعض الدول المنافسة كان أداؤها من ناحية الاقتصاد الكلي أفضل، تلك الدول التي عملت على استجابة قطاع الصحة العامة بإتقان، واستطاعت إضافة كمٍّ معقول من التحفيز الضروري. فقد استطاعت كلٌّ من أستراليا وكوريا الجنوبية وتايوان الحفاظ على حياة الكثيرين ووظائفهم، بالإضافة إلى معدل إنتاج جيد.

علاوة على ذلك فإن واشنطن دعمت الإنتاج دون أن تدعم التوظيف، وهو أمر سيئ بالنسبة إلى 10 ملايين أميركي حصلوا على وظائف قبل عام واحد، لكنهم فقدوها حاليا. ساعد برنامج حماية الراتب الذي خرج من رحم قانون "كيرز" الكثير من الشركات الصغيرة لتُبقي على موظفيها في الأيام الأولى من الجائحة، لكنّ الكثير من الشركات الصغيرة تتداعى الآن، إذ تدمّر قطاع الفنادق، وتُسرِّح الولايات والحكومات المحلية العاملين فيها. اختارت بعض الدول الأخرى أن تدعم مباشرة التوظيف وتدفع للشركات لتُبقي على عُمّالها غالبا برواتب أقل.

 

إن حجم الناتج المحلي الإجمالي الكبير المتماسك لأميركا يُخفي وراءه عدم المساواة القاسية في الكساد. يُعتَبر العاملون الأصغر سِنًّا وذوو الأجور المنخفضة هم الأكثر تأثُّرا، ما يعني أن أقل الناس قدرة على تحمُّل المعاناة المالية مطلوب منهم تحمُّل أغلبية هذه المعاناة، خصوصا منذ توقُّف الزيادة الفيدرالية الأولية للتأمين ضد البطالة. إن قرار الكثير من الولايات بعدم فتح المدارس الحكومية بسبب تعليمات الاختلاط الشخصي أضرّت بأولياء الأمور أيضا، خصوصا النساء اللاتي اضطرت مئات الآلاف منهن للخروج من القوى العاملة للإشراف على التعليم الإلكتروني الذي يتلقاه أطفالهن. وأشارت ميشيل هولدر، وهي عالمة اقتصاد في كلية جون جاي للعدالة الجنائية في جامعة مدينة نيويورك، إلى أن الكساد ضخَّم من الفوارق العِرقية العميقة، بخسارة جزء كبير من العمال السود واللاتينيين وظائفهم، وخروج الكثير منهم من القوى العاملة بالكامل.

مسيرة نظمتها مجموعات مجتمعية ومنظمات عمالية تدعو ولاية نيويورك إلى تطبيق ضريبة جديدة على المليارديرات للمساعدة في استكمال الدخل المفقود من قبل الأشخاص غير القادرين على الحصول على إعانات البطالة

قد لا يستمر نجاح الناتج المحلي الإجمالي النسبي للولايات المتحدة وقتا أطول من ذلك، فالبلاد تواجه ليس فقط تعافيا بطيئا وإنما احتمالية أن تنقلب دفة الأمور. كما سينتهي الإيقاف المؤقت لطلبات إخلاء العقارات وتأجيل استحقاق القروض الدراسية في 31 ديسمبر/كانون الأول الجاري. دخل الاحتياطي الفيدرالي في خلاف علني مع وزارة الخزانة، التي تحاول إنهاء تمويل بعض برامج الدعم الخاص الفيدرالية واستعادة تمويل بعضها. كما تتضاءل الفوائد المالية لإعانات الـ 1200 دولار، والـ 600 دولار الإضافية على إعانات البطالة، بالإضافة إلى انخفاض استخدام بطاقات الائتمان والسحب الآلي، كما انخفضت حجوزات المطاعم، وارتفعت معدلات تسريح العاملين، ووصلت طلبات التأمين ضد البطالة إلى أكثر من مليون طلب أسبوعيا.

 

وازداد الموقف خطورة بازدياد حِدَّة الجائحة، إذ قال لي داكو: "نحن في مرحلة مُخيفة ومتسارعة للفيروس، ما يعني معدلات أعلى من الحالات التي تتطلب الدخول للمستشفى، ومعدلات وفيات أعلى، والمزيد من القيود على الأنشطة، والمزيد من الخوف، وبالتالي انخفاض إنفاق المستهلكين، وانخفاض الاستثمار، وتباطؤ في النشاط الاقتصادي"، إذ تتضاءل أي منافع حصلت عليها الولايات المتحدة.

 

ما زالت الولايات المتحدة تكسب سباق التعافي العالمي، على الأقل من حيث الناتج المحلي الإجمالي. لكن الكونغرس يبدو غير مبالٍ بتكرار النجاح الذي حقّقه خلال الربيع. يتفاوض الجمهوريون على حِزَم تحفيز قاصرة، بينما يتمسك الديمقراطيون بحِزَم تحفيز أكبر قد لا تتحقق أبدا. وحتى التوزيع واسع الانتشار للقاح في 2021 لن يجعل كل العمال يعودون إلى وظائفهم دفعة واحدة.

__________________________________________________________

هذا التقرير مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

بات من المؤكد أن آثار كورونا المستجد ستتجاوز التوقعات والآثار المعتادة لحالة مرضية عابرة، فالأمر يتعلّق بتعقيدات تتصل بالنظام الاقتصادي والاجتماعي السائد عالميا.. فكيف يمكن أن يُغيّر الفيروس نظرتنا للاقتصاد؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة