لم تعد الأرباح تكفي.. نجاح مؤسسات الإعلام يقاس بالاتجاه لا النتائج

قد تحقق مؤسسة إعلامية نموا في الإيرادات والاشتراكات والإعلانات، ثم تعاقبها الأسواق لأنها تتوقع تباطؤا في المستقبل، بينما تكافئ شركة أخرى تتخلص من نشاط تقليدي وتتجه بقوة نحو الذكاء الاصطناعي.
وبين الحالتين، تظهر إشارة واضحة إلى التحول الذي تشهده صناعة الأخبار: النجاح لم يعد يُقاس فقط بما حققته المؤسسة في الربع الأخير، بل بالاتجاه الذي اختارته للسنوات المقبلة.
ويقدم إيرل جيه ويلكنسون، المدير التنفيذي والرئيس التنفيذي للرابطة الدولية لوسائل الإعلام الإخبارية "إنما"، هذه القراءة في مقال بعنوان الأسبوع الذي جرى فيه تقييم صناعة الأخبار على الاتجاه لا النتائج.
ويرى ويلكنسون أن 3 جهات باتت تقيم صناعة الإعلام في آن واحد: الأسواق التي تصدر حكمها كل ربع سنة، والمنصات التي تفعل ذلك يوميا، والقراء الذين يصدرون حكما طويل الأجل. لكنّ تقييم الجمهور، في رأيه، هو الوحيد الذي تتراكم عوائده بمرور الوقت.

نيويورك تايمز تفوز بالأرقام وتخسر في السوق
يستشهد الكاتب بنتائج نيويورك تايمز، التي سجلت ربع سنة كان يمكن لأي ناشر تقريبا الاحتفال به: ارتفعت الإيرادات 11.2% إلى 762.5 مليون دولار، وأضافت الشركة 280 ألف مشترك رقمي صاف، وارتفعت إيرادات الإعلانات الرقمية 20.7%.
ومع ذلك، هبط السهم بنحو 9% قبل افتتاح السوق، بعدما توقعت الإدارة نموا في إيرادات الاشتراكات الرقمية خلال الربع الثالث يتراوح بين 9 و11%.
وفي اليوم نفسه، حققت طومسون رويترز نموا في الإيرادات بنسبة 9%، ورفعت توقعاتها السنوية، وروجت لإستراتيجيتها في الذكاء الاصطناعي للأسواق المهنية، ثم باعت حصة أغلبية في نشاطها العالمي للطباعة إلى "كيه كيه آر" مقابل نحو 500 مليون دولار، فقوبلت الخطوة بصورة إيجابية من السوق.
أما أكسل شبرينغر فعينت كريستيان بيسلر رئيسا دائما لبزنس إنسايدر، مع خطة تقوم على 4 قطاعات اشتراك، و10 ملايين مشترك في يوتيوب، وتطبيق للبث وقناة تلفزيونية مجانية مدعومة بالإعلانات، من دون الاعتماد على حركة الزيارات القادمة إلى الموقع.
وبالنسبة إلى ويلكنسون، تجمع الحالات الثلاث رسالة واحدة: رأس المال بدأ يقيّم المؤسسات الإخبارية بحسب الوجهة التي تتجه إليها، وليس فقط أرباحها الحالية.

أفريقيا تقدم دروس التحول
ويرى الكاتب أن تجارب المؤسسات الأفريقية تقدم نماذج عملية لهذا الاتجاه، وأبرز ما يجمع بينها ليس الحجم، بل الانضباط.
فمجموعة نيشن ميديا الكينية خفضت عدد القصص اليومية إلى نحو النصف، لكنها حققت زيارات أعلى وتحويلا أفضل إلى الاشتراكات، مع تقليل الإرهاق داخل غرفة الأخبار، وتغير السؤال من هل يمكننا تغطية هذه القصة؟ إلى هل ينبغي لنا تغطيتها أصلا؟
وفي أوغندا، دمجت فيجن غروب العمل عبر 5 منصات في مسار إنتاج موحد قائم على أولوية النشر الرقمي، بينما نما تطبيقها "فيدي" من ألفي مستخدم إلى 10 ملايين عملية تنزيل ونحو 5 ملايين مستخدم نشط.
أما ديلي مافريك الجنوب أفريقية، فبَنت خلال 9 سنوات نموذجا للعضوية يدر اليوم نحو نصف إيرادات المؤسسة، من دون إقامة جدار دفع أمام المحتوى.
وفي نيجيريا، أدخلت صحيفة بنش الذكاء الاصطناعي إلى عمليات التدقيق واقتراح العناوين وضبط الأسلوب، لكنها منعته من كتابة الأخبار وأبقت القرار النهائي للإنسان. ويلخص محررها أويتونجي أبيوي فلسفتها بالقول إن غرفة الأخبار الفائزة لن تكون التي تستخدم أكبر قدر من الذكاء الاصطناعي، بل التي تستخدمه بأكبر قدر من المسؤولية.

النموذج التجاري يذهب إلى الجمهور
لكنّ التحول لا يقتصر على غرفة الأخبار، فويلكنسون يرى أن المؤسسات اعتادت محاولة سحب الجمهور إلى مواقعها، بينما الاتجاه الجديد هو إرسال المنتج، وحتى علاقة الاشتراك نفسها، إلى المكان الذي يوجد فيه المستخدم.
ويطرح المقال، على سبيل المثال، احتمال دخول مشترك في فايننشال تايمز إلى محتواه المدفوع من داخل شات جي بي تي، أو تلقي مشترك في صحيفة محلية محتوى خاصا عبر واتساب.
وفي الوقت نفسه، تتجه مؤسسات أخرى إلى إنتاج منتجات انتقالية تراعي الصيغة التي جاء منها الجمهور. فإذا كان المستخدم معتادا على الفيديو الرأسي، فلا ينبغي دفعه مباشرة إلى صفحة تقليدية مزدحمة بالنصوص والإعلانات.
ويشير الكاتب إلى أن 27% من الأشخاص عالميا يحصلون على الأخبار من صناع المحتوى أسبوعيا، بينما تنجح هذه الفئة أحيانا في تلبية احتياجات المستخدم بصورة أفضل من غرف الأخبار، لأن المؤسسات التقليدية ما زالت تكافئ كثافة الإنتاج أكثر مما تكافئ بناء الولاء.

المنصات تكتب القواعد
المشكلة أن المؤسسات الصحفية لا تتحكم وحدها في قواعد هذا الانتقال، فغوغل بدأت، وفق المقال، تضمين قوائم كاملة من أبرز الأخبار داخل ملخصات الذكاء الاصطناعي، لكنّ الناشرين الذين يستخدمون أدوات لمنع محتواهم من الدخول في بعض ميزات الذكاء الاصطناعي قد يفقدون أهلية الظهور فيها.
وفي الوقت نفسه، تتطور البنية الإعلانية حول شات جي بي تي، بينما تظهر شركات تعد العلامات التجارية بتحسين ظهورها داخل إجابات روبوتات الذكاء الاصطناعي ومحركات البحث الجديدة.
ويحذّر ويلكنسون من أن قواعد طبقة التوزيع الجديدة يجري وضعها من جانب المنصات والشركات التقنية والمحاكم والحكومات، بينما يظل صوت الناشرين أقل حضورا، وهو ما يجعل بناء معايير مشتركة للمصادقة والوصول إلى المحتوى المدفوع قضية ملحة.

الجمهور هو الاستثمار الأطول
في المقابل، تكشف أرقام فايننشال تايمز لماذا يظل الجمهور الرهان الأكثر قيمة، فالمشتركون الذين يكتبون تعليقات أكثر تفاعلا بأربع مرات من غيرهم، والمشتركون الشهريون الذين يعلقون يتمتعون بمعدل احتفاظ أعلى بنسبة 24%، بينما تزيد احتمالات تحول المشترك التجريبي الذي يشارك في التعليقات إلى عميل مدفوع بنسبة 76%.
ويلخص ويلكنسون الدرس في أن القراء هم الجهة الوحيدة التي تدفع مرتين: مرة بالانتباه، ومرة بالمال، ثم يدفع المعلنون مرة ثالثة للوصول إلى هذه العلاقة.
وهكذا، فإن معركة الإعلام المقبلة لن يحسمها عدد المواد المنشورة أو حجم الزيارات وحده، بل قدرة المؤسسة على بناء عادات وولاء وثقة، ونقل منتجاتها ونموذجها التجاري إلى حيث يوجد الجمهور.
الأسواق تقيّم الاتجاه، والمنصات تفرض شروط الوصول، لكنّ الجمهور، بحسب ويلكنسون، هو الاختبار الوحيد الذي يمكن لعائده أن يتراكم عاما بعد عام.