ترمب يتخلص من خصمه الإعلامي الساخر بإلقائه في القمامة

بين السخرية السياسية واستعراض القوة الرمزية، فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب موجة واسعة من الجدل بعد نشره مقطع فيديو معدلا بتقنية الذكاء الاصطناعي يظهر فيه وهو يرمي مقدم البرامج الأمريكي ستيفن كولبير داخل حاوية قمامة، قبل أن يؤدي رقصته الشهيرة على أنغام أغنية (YMCA)، وذلك بعد ساعات فقط من بث الحلقة الأخيرة لبرنامج "ذي لايت شو"، الذي يعد أحد أبرز برامج السخرية السياسية في الولايات المتحدة.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsالفيديو، الذي نشره ترمب على حسابه الرسمي في منصات مختلفة، لم يكن مجرد مادة ساخرة عابرة، بل جاء في توقيت شديد الحساسية، بعدما أنهت شبكة (CBS) عرض البرنامج الذي استمر 33 عاما، وارتبط خلال السنوات الأخيرة بانتقادات حادة ومتواصلة لترمب وسياساته.
وقد تجاوزت مشاهدات المنشور 70 مليون مشاهدة خلال وقت قصير عبري حسابي ترمب والبيت الأبيض على منصة إكس فقط، وسط انقسام واسع بين من اعتبره استعراضا سياسيا ساخرا، ومن رآه احتفاء علنيا بإسكات أحد أبرز الأصوات الإعلامية المعارضة للرئيس الأمريكي.
وتحولت نهاية برنامج كولبير إلى قضية تتجاوز حدود الترفيه التلفزيوني، بعدما ربط مراقبون قرار إلغاء البرنامج بسياق أوسع يتعلق بالعلاقة المتوترة بين إدارة ترمب والمؤسسات الإعلامية الكبرى، خصوصا بعد التسوية المالية المثيرة للجدل التي دفعتها شركة "باراماونت" لترمب، والبالغة 16 مليون دولار، لإنهاء دعوى قضائية رفعها ضد الشبكة بسبب مقابلة أجرتها مع منافسته الديمقراطية السابقة "كامالا هاريس" في برنامج "60 دقيقة".
وكان كولبير قد هاجم هذه التسوية علنا قبل إلغاء برنامجه بأيام، واصفا إياها بأنها "رشوة ضخمة"، في إشارة إلى ما اعتبره خضوعا من الشبكة لضغوط سياسية وتنظيمية، خاصة أن شركة باراماونت كانت تسعى في الوقت ذاته للحصول على موافقة حكومية لإتمام صفقة اندماج مع شركة "سكاي دانس".
ويرى منتقدو القرار أن الشبكة فضلت حماية مصالحها التجارية على حساب استقلاليتها التحريرية، في لحظة تعكس تصاعد النفوذ السياسي على المؤسسات الإعلامية الأمريكية وهو الأمر الذي تكرر مع مؤسسات عديدة في ولاية ترمب الثانية.

وفي خضم الجدل، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بردود فعل حادة من صحفيين وسياسيين وكتاب رأي، اعتبر كثير منهم أن ما حدث يمثل مؤشرا خطيرا على تداخل السلطة السياسية مع القرار الإعلامي في الولايات المتحدة.
وفي سياق التفاعل السياسي والإعلامي مع الفيديو، اعتبر السيناتور الديمقراطي كريس مورفي أن ما جرى يعكس تحولا خطيرا في العلاقة بين السلطة والإعلام داخل الولايات المتحدة، وكتب عبر حسابه على منصة إكس: نحن نعيش الآن في بلد يستخدم فيه الرئيس سلطته لفرض الرقابة على الشخصيات الإعلامية التي تنتقده ثم يتباهى بذلك علنا، ورأى مورفي أن سلوك ترمب يمثل تصعيدا غير مسبوق ضد الإعلام المعارض.
كما هاجم الصحفي البريطاني مهدي حسن نشر الفيديو عبر حسابات رسمية مرتبطة بالرئاسة الأمريكية، قائلا: هذا حساب حكومي رسمي في دولة ديمقراطية، هكذا تبدو الأوربانية، في إشارة إلى نموذج رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان المتهم بتقييد الإعلام.
وأضاف حسن أن الرئيس يتباهى عبر فيديو بالذكاء الاصطناعي بأنه أجبر كوميديا سخر منه على الخروج من الشاشة وإلقائه في القمامة، معتبرا أن المشهد يعكس انحدارا خطيرا في الخطاب السياسي الأمريكي.
كما انضم الكاتب والصحفي المحافظ جاي نوردلينغر إلى المنتقدين للرواية الرسمية المتعلقة بإلغاء برنامج كولبير، متسائلا عن التناقض بين نفي وجود تدخل حكومي واحتفاء شخصيات رسمية بالقرار.
وكتب عبر منصة إكس: أسمع من كثير من الجمهوريين أن الحكومة لا علاقة لها بإلغاء برنامج كولبير، حسنا جيد، مجرد عمل تجاري عادي. لكن رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية يتباهى بالإلغاء، والبيت الأبيض ينشر هذا الفيديو.. ماذا يفترض بنا أن نفهم؟
ووصف الناشط وصانع المحتوى الأمريكي دين ويذرز ما يحدث بأنه كابوس ديستوبي، منتقدا احتفاء الرئيس الأمريكي بإلغاء برامج تلفزيونية لا تعجبه وتحويل الأمر إلى مادة ساخرة على منصات التواصل الاجتماعي. وكتب عبر منصة إكس: قبل عشر سنوات فقط، كان مجرد التفكير في حدوث هذا سيُعتبر أمرا معاديا لأمريكا دون جدلا.
الكاتبة والناشطة الأمريكية إيمي فاندر بول سخرت من انشغال ترمب بالفيديو، وكتبت عبر منصة إكس: ترمب لم يحضر حتى زفاف ابنه لأنه كان مشغولا بتوجيه شخص ما لصناعة فيديو سيئ بالذكاء الاصطناعي يظهر فيه وهو يعتدي على ستيفن كولبير، فقط لأن كولبير كان يتصدر الترند طوال اليوم.
ورأت فاندر بول أن سلوك ترمب في هذه الحالة يعكس هوسا متزايدا بالانتقام الرمزي من منتقديه الإعلاميين.
أما وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي فهاجم الفيديو بلهجة أكثر حدة، معتبرا أن رئيس الولايات المتحدة يستخدم الذكاء الاصطناعي للتشفي من إسكات كوميدي، وأضاف ساخرا: هؤلاء هم دعاة الحرية الكاملة.
وتعكس تصريحات بوينتي اتساع التفاعل الدولي مع الواقعة، خصوصا في الأوساط الأوروبية التي تنظر بقلق إلى تصاعد الخطاب العدائي ضد الإعلام في الولايات المتحدة.
من جهته، رأى الصحفي الأمريكي إريك مايكل غارسيا أن الفيديو نسف الرواية الرسمية لشبكة CBS، التي أصرت سابقا على أن إلغاء البرنامج كان قرارا ماليا بحتا.
وكتب غارسيا، طوال الوقت كانت CBS تقول إن القرار مالي، والآن ترمب يتباهى علنا بأنه تخلص من كولبير، وتحوّلت هذه التغريدة إلى واحدة من أكثر المنشورات تداولا بين الصحفيين الأمريكيين المنتقدين للشبكة.
بدوره، انتقد الأكاديمي والمحلل السياسي النرويجي غلين ديسن استمرار ترامب في نشر محتوى يعتمد على الذكاء الاصطناعي، قائلا: أفتقد الأيام التي كان يتحدث فيها عن إنهاء الحروب الأمريكية ومحاسبة طبقة إبستين، في إشارة إلى تحول الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي نحو المعارك الثقافية والإعلامية أكثر من الملفات الجيوسياسية الكبرى.
كما وصف الصحفي الإيطالي دانييلي أنغريساني المشهد بأنه تصرف يشبه دول العالم الثالث، معتبرا أن ترمب يتبنى علنا مسؤولية إغلاق البرنامج؛ ثم يتباهي بذلك بفيديو مولد بالذكاء الاصطناعي.
بينما رأت الإعلامية الهندية غارغي راوات أن ما جرى يمثل رقابة حكومية تحدث في الولايات المتحدة أيضا، في إشارة إلى المفارقة بين الخطاب الأمريكي التقليدي حول حرية التعبير، والمشهد الحالي المرتبط بالضغط على الإعلاميين المعارضين.
أما الصحفي البرازيلي غوغا نوبلات فاعتبر أن ترمب يتصرف كبديل عن الديكتاتور، متهما إياه بمهاجمة حرية التعبير بعد الضغط لإخراج البرنامج من الهواء.
وفي المقابل، حاول ترمب تحويل نهاية البرنامج إلى لحظة انتصار سياسي شخصي، إذ كتب على منصته "إقالة ستيفن كولبير من CBS هي بداية النهاية لمقدمي البرامج الليلية عديمي الموهبة"، مضيفا أن "آخرين أقل موهبة سيلحقون به قريبا".
وجاء ذلك رغم أن برنامج كولبير كان الأعلى مشاهدة في فترته الزمنية، ما زاد من الشكوك حول الخلفيات الحقيقية لقرار الإلغاء.

الحلقة الختامية للبرنامج تحولت بدورها إلى حدث رمزي داخل الوسط الإعلامي الأمريكي، إذ شهدت مشاركة أسماء فنية بارزة مثل بول مكارتني وبروس سبرينغستين، فيما أوقف مقدم البرامج جيمي كيميل بث برنامجه على شبكة ABC تضامنا مع كولبير وإرث "ذي لايت شو"، الذي انطلق لأول مرة عام 1993 مع الإعلامي الشهير ديفيد ليترمان.
وتعيد هذه الواقعة فتح النقاش مجددا حول حدود نفوذ السياسيين على المؤسسات الإعلامية الأمريكية، ودور الشركات المالكة في إعادة رسم الخطوط التحريرية تحت ضغط المصالح الاقتصادية والتنظيمية، في وقت يبدو فيه الصراع بين البيت الأبيض والإعلام الأمريكي أكثر حدة واستقطابا من أي وقت مضى.
