الصحافة في دارفور.. حكايات الموت غيابا واغتيالا تحت حصار الدعم السريع

حفظ

صور توضح اثار الدمار والذي لحق باذاعة الفاشر المصدر الجزيرة نت
اثار الدمار الذي لحق باذاعة الفاشر بعد قصفها من قبل قوات الدعم السريع (الجزيرة)

دارفور – لم تعد قوات الدعم السريع في دارفور غرب السودان تكتفي بملاحقة الصحفيين، بل وسعت دائرة الاستهداف لتطال عائلاتهم بأكملها، عبر ما يعرف بلجنة "الظواهر السالبة"، في محاولة لطمس أي صوت قد ينقل حقيقة الانتهاكات، وسط غياب دولي وصمت حقوقي.

ومع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تحول إقليم دارفور إلى سجن مفتوح للصحفيين، حيث تختفي الأصوات خلف جدران الصمت التي تفرضها قوات الدعم السريع.

ومنذ سيطرة القوات على الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم تشهد المنطقة انتهاكات جسدية فحسب، بل اغتيالا ممنهجا للكلمة، عبر حملة اختطافات واعتقالات طالت عشرات الصحفيين، بعضهم لا يزال مصيره مجهولا.

 

اختطاف جماعي

وفي حلقة جديدة من مسلسل الانتهاكات، اقتحمت قوة تابعة للجنة "الظواهر السالبة" – وهي قوة عسكرية موازية تعمل تحت مظلة قوات الدعم السريع – منزل الزميلة الصحفية زمزم خاطر في مدينة كتم (نحو 105 كيلومترات شمال غرب الفاشر). لم يقتصر الأمر على التفتيش، بل قامت القوة بتقييد أفراد الأسرة واقتيادهم إلى جهة غير معلومة.

الصحفية زمزم خاطر التي اختطفت قوات الدعم السريع افراد اسرتها ـ المصدر الجزيرة نت(1)
الصحفية زمزم خاطر التي اختطفت قوات الدعم السريع افراد اسرتها (الجزيرة)

وقالت زمزم خاطر للجزيرة نت: "المنزل تعرض لمداهمة عنيفة في ساعة متأخرة من الليل، دون أي مذكرة رسمية أو سبب قانوني واضح. القوة المسلحة نهبت كل الممتلكات مع إطلاق النار في الهواء، قبل أن تختطف الأسرة بالكامل، وعددهم 14 فردا بينهم 5 كانوا ضيوفا".

وأضافت: "سبب المداهمة كان مجرد منشور كتبته على وسائل التواصل الاجتماعي، انتقدت فيه قصف طائرة مسيرة لمناسبة اجتماعية في المدينة قبل أيام".

واتهمت خاطر قيادة  قوات الدعم السريع، محملة إياها المسؤولية الكاملة عن حياة أسرتها. وتكشف هذه الحادثة استهداف الصحفي وأسرته بالكامل، وإشاعة الرعب بين كل من يفكر في انتقاد الدعم السريع.

الصحفي المعتقل عصام جراد ـ المصدر الجزيرة نت
الصحفي المعتقل عصام جراد مدير إذاعة وتلفزيون الفاشر (الجزيرة)

صحفيون مفقودون

وقبل حادثة مدينة كتم، كانت الفاشر مسرحا لانتهاكات أوسع. فمنذ اجتياح قوات الدعم السريع للمدينة، دفع صحفيون ثمنا باهظا، ولا تزال قائمة المفقودين والمعتقلين تطول، وفق ما ورد في تقارير متطابقة من مصادر محلية ودولية.

إعلان

فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، لا يزال الزميل معمر إبراهيم (مراسل قناة الجزيرة مباشر) رهن الاحتجاز لدى قوات الدعم السريع، إلى جانب الزميل عصام جراد (مدير إذاعة وتلفزيون الفاشر).

كما يظل مصير عدد من الزملاء مجهولا، من بينهم مجدي يوسف (مراسل إذاعي) ومحمد حسين شلبي (مصور فيديو وفوتوغرافي).

الصحفي النور سليمان مدير اعلام الوالي الذي اغتالته قوات الدعم السريع بالفاشر المصدر الجزيرة نت
الصحفي النور سليمان مدير اعلام مكتب والي شمال دارفور الذي اغتالته قوات الدعم السريع بالفاشر  (الجزيرة)

ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل شهدت الفاشر اغتيالات طالت كبار المسؤولين الإعلاميين، حيث قتل تاج السر إبراهيم (مدير وكالة السودان للأنباء "سونا")، كما قتل النور سليمان (مدير الإعلام بمكتب والي شمال دارفور)، إلى جانب مقتل المنتج الإذاعي أحمد سعدنا في منزله بالفاشر.
وبحسب مراقبين ونشطاء في مجال حقوق الإنسان، فإن هذه الأسماء ليست مجرد أرقام، بل شهود على جريمة ممنهجة تهدف إلى إسكات أي صوت قد ينقل حقيقة ما يجري في دارفور.

الصحفي تاج السر سليمان الذي اغتالته قوات الدعم السريع بمنزله في الفاشر المصدر الجزيرة نت_
"

الصحفي تاج السر سليمان الذي اغتالته قوات الدعم السريع بمنزله في الفاشر المصدر الجزيرة نت_ (الجزيرة)

لجنة ترهيب

وبحسب العديد من المنظمات الحقوقية فإن ما حدث في كتم ليس حادثة فردية، بل هو جزء من استراتيجية واضحة تتبعها قوات الدعم السريع. "لجنة الظواهر السالبة" ليست مجرد قوة أمنية، بل أداة لترهيب أي شخص يحاول فضح الانتهاكات. فباستهداف أسر الصحفيين، ترسل قوات الدعم السريع رسالة واضحة: "لا أحد في مأمن، حتى عائلاتكم".

وتشير تقارير من داخل مدينة كتم إلى أن المدينة تعيش تحت حصار مشدد، مع قطع كامل للاتصالات والإنترنت التي تعمل عبر خدمة "ستارلينك"، ونهب للممتلكات، ما صعب على الصحفيين ممارسة عملهم، وأصبح كل من يحمل قلما أو كاميرا هدفا مشروعا للملاحقة والاعتقال.

 

اعتراف وتعهد

وكانت قوات الدعم السريع قد أكدت في فيديو سابق، نشر على قناة الجزيرة مباشر، عن اعتقال الصحفي معمر إبراهيم، الذي وجهت له تهمة سمتها "إشانة السمعة"، أنها تحصلت على الصحفي المعني وتم التحفظ عليه من قبلها.

وقالت إنها تأكدت أن الصحفي غير محايد، لأنه وصف قوات الدعم السريع بـ"الميليشيا" و"الجنجويد"  في صفحاته على فيسبوك، معتبرة أن هذا وصف يلصقه بها فقط أعداؤها.

وأشار المتحدث في الفيديو إلى أن الصحفي في صحة جيدة ويتواصل مع أسرته، وتعهد أن القوات ستطلق سراحه بعد التحقيق، بيد أنه ما يزال في قبضتها حتى الآن.

وظهر في الفيديو أيضا الصحفي معمر إبراهيم، الذي أكد أن اعتقاله وأسره جاء رغم تأكيده على هويته وتعرف القوات على شخصيته. ونفى أن يكون استعمل أوصاف الميليشيا والجنجويد في عمله المهني.

 

صرخة بلا مجيب

وفي مخيمات النزوح، والسجون السرية، وعلى الحدود، لا يزال الصحفيون السودانيون ينتظرون فرجا لا يأتي. أسرة زمزم خاطر لا تزال محتجزة، والعديد من الزملاء ما زالوا في عداد المفقودين.
ويبقى السؤال الذي تطرحه هذه الحوادث: كم صحفيا آخر يجب أن يُعتقل أو يُقتل قبل أن يتحرك العالم؟ وكم عائلة أخرى يجب أن تُختطف قبل أن ندرك أن ما يحدث في دارفور هو جريمة ضد الإنسانية؟

المصدر: الجزيرة
شاركنا بناء موقع الجزيرة الجديد!

إعلان