قاعة فاخرة وفراغ خبري.. كواليس تغطية محادثات إسلام آباد

في قلب العاصمة الباكستانية إسلام آباد، توافد مئات الصحفيين من مختلف أنحاء العالم لتغطية المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. لكن ما وجدوه على الأرض لم يكن تدفقا للمعلومات، بل تجربة إعلامية مغلقة داخل إطار منظم بعناية وبعيدا عن أطراف عملية التفاوض.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsمن داخل مركز جناح للمؤتمرات، الذي خُصص ليكون المركز الإعلامي الرسمي للمحادثات، بدت التحضيرات واسعة النطاق؛ قاعات ضخمة مجهزة بشاشات عرض، ومحطات عمل، وغرف مخصصة للقنوات، ومنصات للبودكاست.
كما وثق مقطع مصور أجواء غير تقليدية شملت موسيقى حية وأركانا للضيافة، في محاولة لصياغة تجربة إعلامية متكاملة تناسب الحدث الكبير الذي كان ينظر إليه على أنه سيوقف حربا إقليمية واسعة ويعيد الملاحة بشكل طبيعي إلى مضيق هرمز.
وبحسب وسائل إعلام باكستانية ذهبت السلطات أبعد من ذلك، فأعلنت إعفاء الصحفيين والوفود الأجنبية من الطرفين الأمريكي والإيراني من تأشيرات الدخول، وسهلت إجراءات وصولهم، في خطوة هدفت إلى جذب تغطية دولية واسعة.

وتصدرت المفاوضات عناوين الصحف في باكستان، التي أبرزت استضافة إسلام آباد للمحادثات بوصفها إنجازا دبلوماسيا.
وركزت التغطيات على دور الوساطة، مع إبراز لقاءات رسمية وتصريحات حذرة، مقابل غياب تفاصيل جوهرية عن مجريات التفاوض خلف الأبواب المغلقة.
وعلى المستوى الأمني، أُغلقت "المنطقة الحمراء" في المدينة، وانتشر نحو 10 آلاف عنصر أمني لتأمين الحدث، مما عزز الطابع الاستثنائي للمفاوضات.
لكن خلف هذا التنظيم المحكم، برزت فجوة واضحة في جوهر العمل الصحفي. إذ لم تُعقد إحاطات إعلامية مباشرة، وغابت مصادر المعلومات، بينما اقتصرت التحديثات على بيانات رسمية ورسائل عبر تطبيقات مغلقة، دون إتاحة المجال للأسئلة أو الوصول إلى تفاصيل المفاوضات.
هذا الواقع انعكس بوضوح في شهادات الصحفيين أنفسهم. إذ استحضرت الصحفية مايرا ماكدونالد تجربتها في تغطية مثل هذه المؤتمرات، قائلة إن الصحفيين كانوا أحيانا "يقفزون فجأة ويركضون نحو الأبواب وكأن شيئا يحدث، فيتبعهم الآخرون"، في محاولة لكسر الملل داخل قاعات الانتظار، مضيفة أن ذلك -رغم جدية المفاوضات- كان "أفضل من البقاء بلا شيء".
بدورها، وصفت الصحفية مهرين زهرا مالك المشهد بلهجة حادة، مشيرة إلى أن صحفيين جرى نقلهم من أنحاء العالم لتغطية المحادثات "وجدوا أنفسهم يحتسون القهوة داخل مركز إعلامي فاخر، دون إحاطات، ودون وصول، وبمعرفة محدودة عما يجري خارج القاعة"، مضيفة أن أحدهم لخّص التجربة بالقول: "أشعر بملل شديد".
هذا الواقع وضع الصحفيين في موقع المراقب لا الناقل؛ إذ حضروا الحدث جسديا، لكنهم ظلوا خارج دائرته فعليا.
بعضهم عبّر عن شعوره بالملل، وآخرون أقروا بأنهم "يغطون مفاوضات لا يرونها"، في إشارة إلى محدودية ما يمكن نقله للجمهور.
ويصف الصحفي أسعد هاشم المشهد داخل المركز الإعلامي في إسلام آباد بأنه مفارقة لافتة، إذ هرع مئات الصحفيين من مختلف أنحاء العالم لتغطية محادثات حساسة بين الولايات المتحدة وإيران، لكنهم وجدوا أنفسهم ينتظرون داخل قاعة فاخرة، على بعد نصف كيلومتر فقط من موقع المفاوضات المغلقة، دون أي وصول فعلي إلى مجرياتها.
ويضيف هاشم أن أقصى ما كان متاحا لهم هو احتساء القهوة والاستماع إلى الموسيقى الشرقية الحية، في وقت بقيت فيه تفاصيل التفاوض بعيدة عن التغطية المباشرة.
وفي مفارقة لافتة، توفرت داخل المركز خدمات إنترنت فائقة السرعة، لكن دون محتوى حقيقي يمكن بثه، مما عكس تباينا بين التمكين التقني والتقييد المعلوماتي.

فبينما كان الصحفيون قادرين على الإرسال بسرعة، لم يكن لديهم ما يرسلونه نظرا لغيابهم عن أطراف الحدث الفعلي وبالتالي فقدوا الوصول لإجراء حوارات ونقاشات جادة تهم الجمهور.
تعكس تجربة إسلام آباد نمطا متزايدا في إدارة المؤتمرات الحساسة، حيث تُمنح وسائل الإعلام حضورا واسعا، لكن ضمن بيئة مضبوطة تتحكم في تدفق المعلومات.
وفي مثل هذا السياق، يتحول دور الصحفي من شاهد على الحدث إلى شاهد على كيفية إدارته.
وبين قاعات مجهزة بعناية ومفاوضات جرت خلف أبواب مغلقة، وجد الصحفيون أنفسهم أمام معادلة معقدة؛ تغطية حدث تاريخي بأدوات محدودة، في مشهد يطرح تساؤلات حول مستقبل العمل الصحفي في ظل تزايد "إدارة السردية" على حساب الوصول إلى الحقيقة.

وجاءت "محادثات إسلام آباد" في سياق تصعيد غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإيران منذ أواخر فبراير/شباط 2026، بعد تبادل ضربات عسكرية مباشرة شملت أهدافا داخل إيران وهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، مما أثار مخاوف من انزلاق المواجهة إلى حرب إقليمية واسعة.
في هذا السياق، برزت باكستان وسيطا مقبولا نسبيا لدى الطرفين، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة، لتستضيف جولة مفاوضات تهدف إلى احتواء التصعيد وفتح مسار نحو تهدئة مرحلية.
