150 عاما على "ألو" الأولى.. لماذا لم يرتجف أجدادنا من الهاتف كما نفعل اليوم؟
لم يخلُ الهاتف قديما من السلبيات، فقد عرف القرن التاسع عشر المكالمات البذيئة والمحتالين والمقالب الهاتفية.

في العاشر من مارس/آذار عام 1876، صرخ مخترع الهاتف ألكسندر غراهام بيل عبر سلك نحاسي بدائي مناديا شريكه: "واتسون.. تعال إلى هنا، أريدك!". لم تكن تلك الكلمات إعلانا عن ميلاد ثورة اتصالات فحسب، بل كانت بداية تحول جذري في طبيعة الحياة البشرية.
واليوم، وبعد مرور قرن ونصف، يطرح الباحث التاريخي أندرو هايسل تساؤلا جوهريا في مقالته بصحيفة "نيويورك تايمز": لماذا استقبل العالم الهاتف قديما بهدوء، بينما نعيش اليوم حالة من "الذعر الأخلاقي" تجاه الهواتف الذكية؟
مخاطر قاتلة وهدوء لافت

يكشف هايسل، الذي فحص أكثر من 40 ألف أرشيف صحفي من العقود الثلاثة الأولى للهاتف، عن مفاجأة صادمة، فالهاتف القديم كان "قاتلاً" بالمعنى الحرفي. ويروي قصة جوزيف شيبكا الذي لقي حتفه عام 1911 بصعقة كهربائية بمجرد رفعه للسماعة بسبب تداخل أسلاك الهاتف مع أسلاك التيار الكهربائي، وهي حادثة تكررت مع من حاولوا إنقاذه.
ورغم تلك الحادثة ومثيلاتها، يؤكد هايسل غياب أي أثر للذعر الجماعي في تلك الحقبة. وينقل عن عالم الاجتماع الأميركي كلود فيشر، في دراسته الشهيرة "أمريكا تتصل" (America Calling)، قوله: "لم يكن هناك سوى القليل من الجدل الجدي حول الهاتف". ويضيف هايسل أن الصحافة، رغم قوتها في ذلك العصر، لم تشن حملات ضد التكنولوجيا الجديدة كما تفعل اليوم تجاه تطبيقات التواصل الاجتماعي وخوارزميات الإدمان.
ولم يخلُ الهاتف قديما من السلبيات، فقد عرف القرن التاسع عشر المكالمات البذيئة والمحتالين والمقالب الهاتفية. ويرصد تقرير هايسل شكاوى محدودة من بعض الكتاب حول اقتحام الخصوصية أو فقدان التركيز، لكنها لم تصل أبدا لمستوى القلق المعاصر على الصحة النفسية للأطفال.
ويشير هايسل إلى مفارقة مذهلة في التعامل مع المراهقين، ففي الستينيات، كانت العائلات الأميركية تخصص خطا ثانيا للأبناء المراهقين يُدرج في دليل الهاتف تحت مسمى "هاتف المراهقين"، وكان "استحواذهم" على الهاتف مادة خصبة للفكاهة في أعمدة الصحف، وليس موضوعا لغلاف المجلات حول الجيل القلق.
سحر الاختراع وقيد السلك

يعزو الكاتب هذا الهدوء القديم إلى أمرين أساسيين:
- روح العصر: فبحسب المؤرخ ليو ماركس فإن الأميركيين في القرن الـ19 كانوا ينظرون للمخترعين كـ "مفكرين أبطال "، وكان هناك شعور بالإمكانات غير المحدودة لما يصدر عنهم دون الالتفات للآثار الجانبية كالتلوث أو الإدمان.
- الاستخدام المنضبط: كان الهاتف قديما جهازاً منزليا محدودا بسلك نحاسي يمنع المستخدم من التعلّق الدائم به، مما جعله أداة للمساعدة والخدمة، مثل طلب الطبيب أو معرفة نتائج مباريات البيسبول، دون أن يستنزف طاقة المستخدم الذهنية.
ويختم أندرو تقريره بتفنيد الادعاء بأن قلقنا الحالي مجرد "تكرار لتخوفات قديمة من التكنولوجيا". ويؤكد أن الهاتف القديم كان مجرد وسيلة لنقل الصوت، بينما الهاتف الذكي اليوم هو "إنترنت وجهاز إدمان" صُمم ليكون جذابا بلا حدود.
ويقول بوضوح: "أجدادكم كانوا سعداء بالهاتف لأنه كان أداة اتصال، أما إذا كانت مشاعركم تجاه هاتفكم الذكي مختلطة، فلا تدعوا أحداً يوهمكم بأنكم مجرد أشخاص مذعورين، فالمخاوف الحالية حقيقية ولها ما يبررها".