دور الإعلام كسلطة رابعة في مواجهة "التضليل الرسمي"

في زمن يتقاطع فيه الخطاب السياسي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، لم يعد التضليل مقصورا على الحسابات المجهولة أو الحملات المنسقة، بل بات يصدر أحيانا عن منصات رسمية وشخصيات في قمة هرم السلطة.
عند هذه النقطة تحديدا، يتجلى الدور الجوهري للإعلام بوصفه السلطة الرابعة، ليس باعتباره ناقلا للتصريحات بل رقيبا عليها، ومصححا للرواية العامة عندما تنحرف عن الوقائع.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsصورة مولدة من حساب رسمي
في يناير/كانون الثاني 2026، نشر الحساب الرسمي للبيت الأبيض على منصة إكس صورة زعم أنها توثق لحظة اعتقال الناشطة نيكيما ليفي أرمسترونغ، التي قيل إنها مارست دورا رئيسيا في تنظيم أحداث شغب مرتبطة بكنيسة القديس بول في ولاية مينيسوتا، على يد محققي الأمن الداخلي ووكلاء مكتب التحقيقات الفدرالي.
الصورة أظهرت أرمسترونغ وهي تبكي أثناء الاعتقال، في مشهد عاطفي مكثف يوحي بالانكسار والذنب.
لكنَّ مراجعات بصرية وتحليلات رقمية أجرتها وسائل إعلام أمريكية ومختصون في التحقق البصري كشفت أن الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، ولا تعكس مشهدا حقيقيا موثقا من الواقعة.
إقدام حساب رسمي على نشر صورة غير حقيقية، دون توضيح أو وسم بأنها تعبيرية أو توضيحية، أثار نقاشا واسعا بشأن حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في الخطاب السياسي، وأخطار تمرير محتوى بصري مضلل عبر قنوات يُفترض أنها مصدر ثقة للجمهور.
أرقام وأسعار وروايات بلا سند
في سياق واحد، واصل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب إطلاق سلسلة من التصريحات الاقتصادية التي اتسمت بالمبالغة وغياب السند الموثق.
ففي أكثر من ظهور إعلامي خلال ديسمبر/كانون الأول 2025 ويناير/كانون الثاني 2026، ادعى أن الولايات المتحدة شهدت تدفق استثمارات بقيمة 18 تريليون دولار خلال فترة وجيزة، مقدما الرقم بوصفه إنجازا اقتصاديا محققا.

لكنَّ مراجعة بيانات وزارة الخزانة الأمريكية وتقارير الاستثمار الرسمية لم تدعم هذا الادعاء، إذ أوضحت مؤسسات تَحقق مستقلة أن ما جرى الترويج له لا يتجاوز تعهدات أو إعلانات نيات مستقبلية غير ملزمة، وليست استثمارات فعلية دخلت الاقتصاد الأمريكي.
النمط ذاته تكرر في ملف الطاقة، إذ دأب ترمب على القول إن أسعار البنزين انهارت إلى أدنى مستوياتها منذ عشرين عاما.
وإلى جانب ذلك، روَّج ترمب ادعاءات أخرى في السياق الاقتصادي ذاته، من بينها حديثه عن أرقام غير دقيقة تتعلق بمعدلات التضخم، وحجم العجز التجاري، ومستويات البطالة، إذ جرى تقديم مؤشرات جزئية أو قديمة على أنها تعكس واقعا اقتصاديا راهنا.
الإعلام الأمريكي.. من نقل الخطاب إلى تفكيكه
أمام هذه الوقائع، اضطلعت وسائل الإعلام الأمريكية بدور محوري في تفنيد الادعاءات وإعادة ضبط النقاش العام على أساس البيانات.
فقد نشرت صحيفة واشنطن بوست تقارير تحليلية ومقالات قارنت التصريحات ببيانات أسعار الوقود الفعلية وسجلات الاستثمار، موضحة الفجوة بين الخطاب والواقع، ومحذرة من استخدام الأرقام خارج سياقها.

كما أدت منصات التحقق المتخصصة مثل (PolitiFact) دورا أساسيا في تفكيك هذه التصريحات بندا بندا، عبر الرجوع إلى مصادر حكومية مستقلة مثل وزارة الطاقة الأمريكية، وهيئات الإحصاء، وتقارير الخزانة.
هذا النهج القائم على التحقق المنهجي، لا على الردود السياسية، أسهم في كشف الادعاءات غير الدقيقة ومنع ترسيخها سرديات عامة.

وفي المقابل، يتعامل دونالد ترمب وفريقه الإعلامي مع وسائل الإعلام بمنطق الصراع لا الشراكة، إذ يُنظر إلى الصحافة بوصفها طرفا سياسيا منافسا أكثر منها مؤسسة رقابية مستقلة.
هذا التعامل يقوم على أنماط عدة واضحة، هي التشكيك السابق في مصداقية وسائل الإعلام الناقدة، ووصمها بـ"الإعلام الكاذب"، مقابل تفضيل منصات بعينها تُعَد أقرب إلى خطابه وتوجهاته.
وفي حال نشر تقارير تفنيد أو نقد، غالبا ما يكون الرد عبر الهجوم على الصحفيين أو المؤسسات نفسها، لا على مضمون الوقائع أو البيانات.
هذا الأسلوب لا يهدف فقط إلى الدفاع بل يسعى إلى نزع الشرعية عن دور الإعلام وتقويض ثقته لدى الجمهور، بما يحوّل أي تحقيق صحفي أو تفنيد مهني إلى جزء من معركة سياسية أوسع، لا نقاش حول الحقيقة والوقائع.
