زواج كراهية.. لماذا تصر غرف الأخبار على علاقتها بشركات التكنولوجيا؟

في عام 2026، لم يعد الصراع بين المؤسسات الإعلامية الإخبارية وشركات التقنية الكبرى (Big Tech) مجرد خلاف مالي، بل تحول إلى صراع على ما يمكن تسميته بالسيادة المعرفية.
فقد ظلت المؤسسات الإعلامية ولسنوات تصف هذه المنصات بأنها "أكشاك جباية" وضعت عنوة في طريق الإنترنت المفتوح.
وقد أصبحت هذه المنصات، التي تغلغلت في أدق تفاصيل الحياة اليومية، أصبحت تتحكم في الوصول إلى عقول البشر. وفي حين يتهم الناشرون هذه الشركات بـ"سرقة" عوائد الإعلانات والجمهور، فإنهم يجدون أنفسهم مضطرين للبقاء داخل أسوارها، مما يولد مفارقة أخلاقية ومهنية استدعت تحليلا معمقا من كبار خبراء الصناعة.
تناقض صارخ في غرف الأخبار
يبدأ جوشوا بنتون، الكاتب البارز في مختبر نيمان لاب تقريره الذي نشره بموقع المختبر بطرح سؤال استفزازي حول ما إذا كانت شكوى المؤسسات الإعلامية الإخبارية المستمرة من المنصات مع استمرارها في استخدامها يعد "نفاقا" أم مجرد اعتراف بمصالح متقاطعة؟
ويوضح بنتون أن الناشرين يميلون بشدة لاتهام عمالقة التقنية بالسرقة، سرقة الدولارات الإعلانية، والجمهور، وحتى المحتوى، ومع ذلك، "لا نرى هجرة جماعية من هذه المنصات.. بدلا من ذلك، لا يزال الناشرون يكرسون موارد بشرية ومالية ضخمة لملء منصات مثل فيسبوك وإكس بمحتوى تم تصميمه خصيصا ليرضي خوارزمياتهم".
وفي محاولة لتفسير هذا السلوك المحير، يستعرض جوشوا بنتون في تقريره ورقة بحثية حديثة للباحث راسموس كليس نيلسن بعنوان "هل تريد وسائل الإعلام الإخبارية فك الارتباط بالمنصات؟"، ويشير فيها إلى أن استمرار هذا التفاعل ليس "نفاقا"، بل هو تجسيد لكيفية إدارة الناشرين للمقايضات المعقدة.
ويوضح أن المؤسسات الصحفية تختار استخدام فرص المنصات للوصول إلى الجمهور وزيادة الإيرادات، مفضلة ذلك على التخلص من قيود التبعية للمنصات وما يصاحبها من مخاطر الانعزال عن الجمهور.
فرص الوصول مقابل الاستقلال
ويلفت بنتون في تقريره النظر إلى تضاؤل العائد من هذا الالتزام، حيث يشير إلى بيانات "شارت بيت" (Chartbeat) التي تؤكد أن 4% فقط من حركة مرور المؤسسات الإعلامية تأتي حاليا من فيسبوك. ومع ذلك، يرى الباحث نيلسن أن الناشرين من الناحية العملية لا يسعون لفك الارتباط، لأنهم في النهاية يثمنون الفرص النظرية للوصول (Reach) التي تقدمها المنصات أكثر من استقلاليتهم الكاملة.
وبحسب الكاتب فإن هذا الواقع يجعل الناشرين يكتبون عناوين محشوة بالكلمات المفتاحية لإرضاء غوغل، ويضعون صورا لطيفة لتناسب ذائقة فيسبوك، بل ويشترون إعلانات على تلك المنصات التي يكرهونها للترويج لأعمالهم الخاصة.
ويذهب جوشوا بنتون (نقلا عن دراسة نيلسن) إلى أبعد من ذلك عبر فحص نماذج لمؤسسات عملاقة مثل بي بي سي ونيويورك تايمز. فرغم قوتهما، يجدان صعوبة في فك الارتباط، حيث صرح المدير العام لـ"بي بي سي" تيم ديفي بوضوح عن نيتهم زيادة الوجود الإخباري على منصات مثل يوتيوب وتيك توك لضمان موضع قدم وسط "الضوضاء الرقمية".

وبحسب بنتون، فإن هذه الكيانات تشن هجوما لاذعا على شركات التكنولوجيا الكبرى عندما يخدم ذلك مصالحها، لكنها تُهرَع لعقد شراكات معها عندما تلوح في الأفق فرصة لزيادة التأثير أو الدخل.
ومع ذلك، يطرح جوشوا بنتون في تقريره وجهة نظر مغايرة جزئيا لـنيلسن، مؤكدا أننا نشهد محاولات "فك ارتباط" أكثر شراسة مما قد يبدو.
ويوضح أن التحول الصناعي الشامل نحو نماذج "الاشتراكات" بدلا من الإعلانات هو في جوهره محاولة للتحرر من هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى. كما يرى أن الاستثمار في النشرات البريدية (Newsletters) والبودكاست هو إستراتيجية تهدف للحصول على توزيع يشبه وسائل التواصل الاجتماعي ولكن مع الاحتفاظ بعلاقة مباشرة مع الجمهور، وهو ما ترفض المنصات تقديمه.
ويختتم جوشوا بنتون تقريره المنشور في موقع "نيمان لاب" بأن الجبهة الأكثر أهمية الآن هي معركة الذكاء الاصطناعي، ويلاحظ أن الناشرين أظهروا صرامة غير مسبوقة في منع برمجيات شركات مثل "شات جي بي تي" (ChatGPT) من الوصول لمحتواهم مقارنة بتساهلهم التاريخي مع غوغل.