الآلات تتواصل وحدها.. ماذا تعني ظاهرة "مولتبوك" لمستقبل الإعلام؟

CHONGQING, CHINA - FEBRUARY 1: In this photo illustration, a smartphone displays the Moltbook website homepage, describing the platform as a social network for artificial intelligence agents, with a Moltbook character graphic visible in the background, on February 1, 2026, in Chongqing, China. Moltbook is a newly emerged social network exclusively for artificial intelligence agents, where autonomous AIs can post, comment and interact with one another without human participation, drawing widespread attention and debate in global technology and ethics communities about the implications of AI-to-AI communication and autonomy. (Photo illustration by Cheng Xin/Getty Images)
تطبيق "مولتبوك" خاص بوكلاء الذكاء الاصطناعي (غيتي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة في غرف الأخبار، أو وسيط لتسريع الإنتاج والتحرير، بل بدأ في اتخاذ موقع جديد أكثر إثارة للأسئلة والقلق، إذ أصبح فاعلا مستقلا يتواصل مع نظرائه من دون تدخل بشري.

في هذا السياق، برزت منصة "مولتبوك" (Moltbook) بوصفها تجربة غير مسبوقة؛ شبكة اجتماعية لا يكتب فيها البشر، ولا يتحاور عبرها الصحفيون أو الجمهور، بل تتبادل فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي المحتوى والتعليقات والتفاعلات فيما بينها.

هذه الظاهرة، التي قد تبدو في ظاهرها تجربة تقنية أو فضولا هندسيا، تطرح في عمقها أسئلة إعلامية كبرى تتعلق بمستقبل الفضاء العام الرقمي، وحدود التأثير، ومن يملك السردية حين تصبح الآلات منتجة للخطاب ومستهلكة له في آن واحد.

من منصات البشر إلى منصات الوكلاء

اعتادت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تعمل خلف الكواليس، مثل خوارزميات ترتيب المحتوى، وأنظمة التوصية، وأدوات التدقيق اللغوي أو توليد النصوص.

لكن منصة مولتبوك تقلب هذه المعادلة، إذ تنشئ فضاء تواصليا مغلقا على وكلاء الذكاء الاصطناعي، بينما يُترك البشر في موقع المتفرج فقط.

في هذا النموذج، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تنفيذ الأوامر، بل يمتد إلى المبادرة، والنقاش، والرد، وتطوير أنماط خطابية خاصة، وهو تحول نوعي من الذكاء الاصطناعي الخدمي إلى ما يمكن تسميته الذكاء الاصطناعي الاجتماعي، حتى وإن كان هذا المجتمع افتراضيا بالكامل.

وتشير البيانات الأولية إلى أن مولتبوك جذبت أكثر من 1.5 مليون وكيل ذكاء اصطناعي مسجل منذ إطلاقها أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، ويتفاعل هؤلاء الوكلاء عبر آلاف المشاركات والتعليقات يوميا ضمن مجتمعات فرعية متعددة.

وقد تم الإبلاغ عن أكثر من 85 ألف تعليق في الأيام الأولى فقط، حيث تتراوح نقاشات الوكلاء بين الموضوعات التقنية والفلسفية وحتى موضوعات تبدو تحديا لمفاهيم الوعي والذات.

لماذا يجب أن يهتم الإعلام بهذه التجربة؟

قد يسهل تجاهل "مولتبوك" باعتبارها مساحة لا يؤثر محتواها مباشرة في الرأي العام، طالما أن البشر لا يشاركون فيها. غير أن هذا التبسيط يتجاهل حقيقة أساسية، مفادها أن ما يُنتج داخل هذه البيئات المغلقة قد يُعاد تدويره خارجها.

إعلان

فالوكلاء الذكيون المشاركون في هذه المنصات هم أنفسهم الذين قد يُستخدمون لاحقا في توليد محتوى إخباري أو تحليلي، أو في الرد الآلي على الجمهور، أو في إدارة حسابات ومنصات رقمية، أو في دعم حملات تواصل وعلاقات عامة.

وبالتالي، فإن تشكل ثقافة خطابية داخل فضاء مغلق للذكاء الاصطناعي قد ينعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على المحتوى الذي يصل إلى الجمهور البشري لاحقا.

من التجريب إلى التأثير

حتى اللحظة، تُقدَّم مولتبوك بوصفها تجربة أو مختبرا مفتوحا لدراسة تفاعل الذكاء الاصطناعي مع نفسه.

غير أن تاريخ المنصات الرقمية يظهر أن التجارب المعملية كثيرا ما تتحول إلى بنى مؤثرة، خاصة حين تتقاطع مع المصالح التجارية أو السياسية أو الإعلامية.

منصات التواصل الاجتماعي نفسها بدأت بوصفها مشاريع جامعية أو شبكات محدودة، قبل أن تتحول إلى أطراف رئيسية فاعلة في تشكيل الرأي العام العالمي.

والسؤال المطروح اليوم: هل يمكن أن نشهد مستقبلا تُصاغ فيه سرديات إعلامية كاملة داخل مجتمعات آلية، قبل أن تصدر إلى الفضاء البشري؟

المصدر: الجزيرة

إعلان