صديق اللحظة أم عدو الغد؟.. حكاية الصحفيين المستقلين مع الذكاء الاصطناعي

بعد فضيحة اكتشاف مؤسسات إعلامية لنشرها مقالات بأسماء "صحفيين وهميين" تبين لاحقا أنهم مجرد شخصيات ابتكرها الذكاء الاصطناعي، أُعيد رسم ملامح العمل الصحفي المستقل، ليُفرض على المحررين والكتاب واقعا جديدا تتشابك فيه المكاسب التقنية مع الإشكاليات الأخلاقية والمهنية.
وفي هذا السياق، يسلط معهد رويترز لدراسة الصحافة الضوء على هذا التحول الجذري، مستندا إلى آراء 45 صحفيا ومحررا مستقلا من مختلف أنحاء العالم، شاركوه آراءهم حول كيفية إعادة ثورة الذكاء الاصطناعي تشكيل طريقة عملهم، خاصة على صعيد عملية الإنتاج، والثقة، والمخاوف الوجودية الوظيفية.
كفاءة الإنتاج
رأى عدد من الصحفيين في الذكاء الاصطناعي "مساعدا شخصيا" يختصر الوقت، ويحسن من جودة العمل اليومي وتدفقه.
وأكد خيسوس غارسيا، وهو محرر رقمي مكسيكي، أن أدوات مثل "تشات جي بي تي" قلصت وقت الانتظار، مما منحه قدرة مذهلة على التغطية اللحظية للمؤتمرات الصحفية.

ويتفق معه الصحفي الأرجنتيني ألفارو ليوزي، الذي أدمج الذكاء الاصطناعي لهيكلة الأفكار، مما أتاح له التفرغ للتحليل المعمق والقرارات السردية.
واعتبرت الصحفية أولريكي لانجر أن هذه الأدوات فتحت لها مجالات جديدة، بينما أشار الكاتب الكيني روبرت أماليمبا إلى أن التقنية زادت من سرعة وجاذبية أفكاره المقدمة للمحررين.
مخاوف وجودية
في المقابل، سيطرت المخاوف الوجودية والمالية على شريحة أخرى من الصحفيين، وسط قلق واسع من تأثير التقنية في أرزاقهم.
وحذرت الصحفية العلمية الأمريكية سارة سكولز من تراجع التكليفات وانخفاض الأجور، مما فرض حالة من عدم الاستقرار والمزيد من المشقة لضمان استمرار العمل.
ومن كوستاريكا، انتقدت المحررة هاسل فالاس افتراض العملاء بأن كل شيء أصبح أسرع، مما يدفعهم لفرض أجور زهيدة، محذرة من أن ذلك يغري بإنتاج محتوى صحفي "رخيص".

وبلغت المخاوف حد الشعور بالخيانة الفكرية لدى الكاتبة المكسيكية أدريانا كروز التي تخشى سلب وظيفتها، وهو ما عانت منه فعليا الرسامة البريطانية جاستين بيلميس بعد إجبارها على محاكاة "أسلوب الآلة".
ولاحظ صحفي التكنولوجيا البريطاني كريس ساتكليف انهيارا في الطلب على مقالاته لصالح الذكاء الاصطناعي، وهو واقع دفع الكاتب إميل تشانتشار للتعبير عن حزنه لسباق الصحفيين المستحيل مع الآلات.
أزمة ثقة
وعلى صعيد العلاقة بين المحررين والمستقلين، أضاف الذكاء الاصطناعي أعباء وتسبب في فجوة ثقة واضحة في بيئة العمل.
وأكدت الصحفيتان صوفي مانغادو وإليسا جيستري أن استخدام التقنية في البحث يتطلب "تحققا مزدوجا" لاكتشاف "هلوسات" الآلة، مما يستنزف الوقت المطلوب توفيره أصلا.

وللتغلب على أزمة الشك، ابتكر الصحفي كريس ساتكليف حيلة بمنح المحررين صلاحية الدخول لسجل تعديلات مسوداته على "Google Docs"، ليكون ذلك دليلا قاطعا على كتابته للمادة بنفسه.
وتأتي هذه الحيل بعد صدمة حقيقية عاشها المحرر الكندي نيكولاس هيون براون، الذي وقع ضحية لصحفية وهمية، مما دفعه للتوقف عن استقبال عروض الأفكار المفتوحة.
وأمام هذا المشهد المعقد، لخص المحرر الأرجنتيني إريك فرنانديز الموقف بتأكيده المطلق على أنه من غير المقبول ألا يكون هناك عنصر بشري وراء أي عمل صحفي لضمان مصداقيته.
في المحصلة، يبدو أن الذكاء الاصطناعي لن يمحو مهنة الصحافة الحرة، بل يعيد تشكيلها من جذورها، بين من يطوع هذه التقنية لتعزيز إنتاجيته، ومن يصارع للحفاظ على قيمته في سوق تكتسحه الآلات.
ويبقى التحدي الأكبر أمام غرف الأخبار متمثلا في إيجاد صيغة توازن تضمن الاستفادة من سرعة التكنولوجيا دون التنازل عن جوهر الصحافة الأساسي المتمثل في المصداقية، والتحقق، واللمسة البشرية التي لا يمكن استنساخها.