فايننشال تايمز ترسم خارطة طريق مستقبل صحافة المحليات

THE LOCAL NEWS PLAYBOOK: CREATING VALUE FOR A SUSTAINABLE FUTURE
فايننشال تايمز: التقرير يستند إلى مقابلات مع قادة وسائل إعلام عالمية، ومسح شمل مؤسسات تعمل في مجال الأخبار المحلية في 9 بلدان (الجزيرة)

في الوقت الذي تواجه فيه صحافة المحليات تحديات وجودية تهدد استمرارها، نشرت "فايننشال تايمز ستراتيجيز" (FT Strategies)، بالتعاون مع مؤسسة "نايت" (Knight Foundation) تقريرا بعنوان: "دليل صحافة المحليات: إيجاد قيمة لمستقبل مستدام".

وبحسب خبراء، فإن التقرير الذي أصدرته المؤسسة البريطانية الإعلامية الشهيرة ليس مجرد دراسة بحثية، بل هو "مانيفستو" إستراتيجي وعملي موجه لقادة المؤسسات الإعلامية المختصة بصحافة المحليات حول العالم.

وتكمن أهميته في كونه نتاج خبرة عريقة لصحيفة "فايننشال تايمز" في التحول الرقمي، حيث يضع بين أيدي الناشرين الصغار والمتوسطين الأدوات التي مكنت كبريات المؤسسات العالمية من النجاة من فخ الانهيار المالي والتقني.

ويشدد التقرير على أن صحافة المحليات هي "عماد الديمقراطية"، وأن غيابها يؤدي إلى تآكل الثقة المجتمعية، مما يجعل البحث عن نموذج أعمال مستدام ضرورة وطنية وليست تجارية فحسب.

وذكرت فايننشال تايمز أن التقرير يستند إلى مقابلات مع قادة وسائل إعلام عالمية، ومسح شمل مؤسسات تعمل في مجال الأخبار المحلية في 9 بلدان، وخبرة "فايننشال تايمز ستراتيجيز" (FT Strategies) في العمل مع أكثر من 1000 مؤسسة إخبارية في جميع أنحاء العالم.

خمس ركائز للاستدامة

وحدد التقرير 5 ركائز أساسية أطلق عليها "محركات القيمة"، التي يجب على أي مؤسسة إعلامية تبنيها لضمان مستقبلها فيما يتصل بالنجاح في مضمار صحافة المحليات، وهذه المحددات هي:

  • الاتصال العميق بالمجتمع: ويقصد به التحول من مجرد نقل الأخبار إلى خدمة المجتمع، وفهم الاحتياجات الحقيقية للسكان المحليين.
  • العلاقات المباشرة: من أجل بناء علاقة تقنية ومباشرة مع الجمهور عبر النشرات البريدية والاشتراكات لتقليل الاعتماد على خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي المتقلبة.
  • توازن الإيرادات: عدم الاعتماد على مصدر دخل واحد، وضرورة التنويع بين اشتراكات القراء، الإعلانات المحلية، التبرعات، والمنح.
  • الابتكار الذكي: ويشير إلى استثمار التكنولوجيا، وبشكل خاص الذكاء الاصطناعي، لزيادة الكفاءة التشغيلية وتحليل بيانات الجمهور، وليس فقط لإنتاج المحتوى.
  • الالتزام بالرسالة: مواءمة أهداف العمل التجارية مع المهمة الصحفية السامية لتعزيز الثقة والمصداقية.
BASEL, SWITZERLAND - JUNE 18: A visitor holds a copy of the Financial Times and The Art Newspaper at Art Basel at Messe Basel on June 18, 2025 in Basel, Switzerland. (Photo by Harold Cunningham/Getty Images)
التقرير: مستقبل صحافة المحليات يحمل فرصا هائلة للنمو في حال غيرت المؤسسات نماذج عملها التقليدية (غيتي إيميجز)

لا يوجد حل واحد للجميع

ويحدد التقرير 8 مسارات إستراتيجية (نماذج أعمال) أثبتت نجاحها ومرونتها في مواجهة تحديات صحافة المحليات، وتختلف هذه المسارات بناء على هيكل المؤسسة، مواردها، وطبيعة السوق الذي تشتغل فيه، وهي كالتالي:

إعلان

أولا: المركز الإخباري الشبكي:
وهي مؤسسات تابعة لمجموعات تمتلك عدة علامات تجارية وتعتمد على عمليات مشتركة، وهذا النموذج يفيد في توسيع نطاق التغطية المحلية والإقليمية بكفاءة عالية من خلال دمج الخدمات الخلفية (مثل التقنية والموارد البشرية) لتقليل التكاليف وزيادة الوصول.

ثانيا: المؤسسة الرقمية المحلية العامة:
وهي غرف أخبار رقمية مستقلة وشاملة، لا تملك إرثا ورقيا، وتعتمد على نموذج تشغيل مرن تقوده المنتجات الرقمية. والهدف منها تقديم تغطية عامة ومتنوعة للمجتمع المحلي مع التركيز على تجربة المستخدم الرقمية والابتكار السريع دون أعباء الطباعة التقليدية.

ثالثا: المؤسسة التقليدية اليومية المطوّرة:
وهي أسماء صحفية ورقية عريقة تستخدم عائدات الطباعة لتمويل عملية التحول الرقمي. وتستخدم هذه المؤسسات إيرادات الورق لتخفيف مخاطر الاستثمار الرقمي، وتستفيد من بناء محفظة إعلانية هجينة تجمع بين استهداف الجمهور الورقي والوصول الرقمي الواسع. وتعمل على تحويل الجمهور الوفي للنسخ الورقية إلى الاشتراك في باقات رقمية للحفاظ على عادات المتابعة اليومية، وهو النموذج نفسه الذي ساهم في نجاحات نيويورك تايمز.

رابعا: المنارة الإخبارية الشعبية:
وهي مؤسسات مستقلة ومرنة تعمل فيما يعرف باسم "الصحاري الإخبارية" وهي المناطق التي تنعدم فيها وسائل الإعلام، والتي لا تحظى بتغطية جيدة، وتركز المنارة الإخبارية الشعبية على المحتوى الخدمي الأساسي.

يشجع التقرير المؤسسات المحلية على عدم الخوف من التقنيات الناشئة، بل استخدامها كأداة لتحرير الصحفيين من المهام الروتينية ليتفرغوا للتحقيقات الميدانية التي تصنع الفارق في مجتمعاتهم.

بواسطة فايننشال تايمز

وتعتمد المنارة الإخبارية الشعبية في نجاحها على المنح والعمل الخيري لتمويل مهمتها المجتمعية. وتعمل على تقديم معلومات ضرورية للجمهور (Need-to-know) تلبي فجوات لم تحظَ أصلا بأي تغطية، وتحرص على الوجود الميداني المكثف في الفعاليات المختلفة لبناء شرعية ومصداقية محلية.

خامسا: التعاونية المملوكة لأصحاب المصلحة:
وهو نموذج يعتمد على الملكية الجماعية أو التعاونية، حيث يكون للجمهور أو العاملين في المؤسسة دور في الإدارة. ويعتمد هذا النموذج في تحقيق نجاحاته على تبني صوت تحريري مميز وجريء يختلف عن الحياد التقليدي للمؤسسات الكبرى. كما أنه يجعل من قسم التعليقات أو التفاعل ميزة حصرية لأصحاب المصلحة لتعزيز الشعور بالانتماء "للملاك".

سادسا: الناقل المباشر المرن: 
وهي عبارة عن منافذ إخبارية خفيفة تعتمد بشكل أساسي على النشرات البريدية أو تطبيقات المراسلة (مثل واتساب) للتواصل المباشر. ويحقق هذا النموذج نجاحاته من خلال الحفاظ على تكاليف تشغيل منخفضة جدا عبر تجنب البنية التحتية المعقدة للمواقع الإلكترونية. كما أنه يقيم بناء علاقات مباشرة مع الجمهور بعيدا عن خوارزميات منصات التواصل. ويركز دائما على المحتوى الذي يركز على انشغالات الناس والخدمات العملية التي تحل مشكلات السكان اليومية.

إعلان

سابعا: مُنشِئ المحتوى المستقل:
ويقصد بهم منشئو المحتوى الذين يعملون تحت إدارة مؤثر معين أو فرق مجهرية تعمل على منصات مثل سبستاك أو يوتيوب. وأهم عوامل نجاح هذه النموذج هو تحول الشخصية أو الصوت الفردي إلى علامة تجارية تبني ثقة عميقة مع الجمهور، بالإضافة إلى تنويع الدخل عبر برامج الشراكة مع المنصات المشار إليها بالإضافة إلى اشتراكات الجمهور.

ثامنا: شبكة الإعلام العام المدعومة مجتمعيا:
وهي شبكات تعتمد على تمويل الجمهور بشكل أساسي وتؤدي دور المرفق العام. ويحقق هذا النموذج نجاحاته من خلال إقناع الجمهور بأن وجود الشبكة مسؤوليته المجتمعية، مما يحول السلبيين إلى متبرعين نشطين. ويعمل هذه النموذج على إنتاج محتوى محلي عالي الجودة وبيعه لمؤسسات أخرى، مما يمول التغطية المحلية العميقة.

الابتكار الذكي ضرورة حتمية

ويشدد تقرير فايننشال تايمز على أن "الابتكار الذكي" هو المحرك الذي يربط جميع الركائز ببعضها. ويشجع التقرير المؤسسات المحلية على عدم الخوف من التقنيات الناشئة، بل استخدامها كأداة لتحرير الصحفيين من المهام الروتينية ليتفرغوا للتحقيقات الميدانية التي تصنع الفارق في مجتمعاتهم.

ويختتم التقرير رسالته بالتأكيد على أن مستقبل صحافة المحليات، رغم صعوبته، يحمل فرصا هائلة للنمو إذا ما تحلت المؤسسات بالشجاعة الكافية لتغيير نماذج عملها التقليدية وتبني عقلية "الجمهور أولا".

المصدر: فايننشال تايمز

إعلان