كيف وصل تاكر كارلسون وأمريكا إلى هذه الحال؟

تاكر كارلسون يتحدث خلال مراسم التأبين للناشط السياسي تشارلي كيرك في ولاية أريزونا، في 21 سبتمبر/أيلول 2025
تاكر كارلسون أصبح على مر السنين من الداعمين الرئيسيين لدونالد ترمب وقطبا بارزا في حركة "ماغا" (الأوروبية)

لكي يفهم المرء كيف أصبحت أمريكا على هذه الحال، أي كيف تحولت من التعددية الثقافية وعولمة السوق الحرة في تسعينيات القرن الماضي، ووصلت إلى مرحلة الحملات القسرية ضد المهاجرين، وتورطت في فنزويلا؛ تقترح المؤرخة جينيفر بيرنز تتبُّع مسيرة الإعلامي اليميني المثير للجدل تاكر كارلسون.

وللغوص في التحولات التي شهدها مسار هذا المعلق اليميني، تقترح بيرنز -في مقال بنيويورك تايمز- الاطلاع على كتاب ألفه جيسون زينغرلي بعنوان "مكروه من جميع الأشخاص المناسبين"، وهو سيرة ذاتية لكارلسون تتتبع تحوُّله من شخصية مثالية في الأوساط السياسية بواشنطن إلى كبير أعمدة نظرية المؤامرة في حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" (ماغا).

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وفي هذا الكتاب، يسلط زينغرلي الضوء على بعض جوانب طفولة كارلسون المضطربة، لكنه يركز على حياته المهنية في سياق المآزق الأيديولوجية المختلفة التي سادت في أمريكا خلال حقبة ما قبل دخول دونالد ترمب معترك السياسة عام 2016.

في تلك المرحلة كان كارلسون صحفيا يحظى بإعجاب التقدميين، بفضل مقالاته الصحفية التي تتسم بالحيوية والذكاء، وتناقش مواضيع اقتصادية وسياسية.

ورغم أنه كان طالبا متوسط المستوى، فقد تمكن كارلسون من الحصول على وظيفة مبكرة في مجلة "ذا ويكلي ستاندارد" في فترتها الذهبية، ولم يكن صوتا بارزا في صفوف التيار المحافظ، لكنه كان معروفا بمهاراته السردية أكثر من آرائه.

ودافع كارلسون عن الهجرة النظامية، وأيّد بشدة الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، لكنه سافر في العام الموالي إلى بغداد لتقييم الوضع بنفسه، وخلص بعد ذلك إلى أنه انخدع، وصرح علنا بأن الحرب كانت خطأ، وكان ذلك تحولا لافتا في أوساط المعلقين المحافظين.

سحر التلفزيون

لكن التحول الحقيقي في مسار كارلسون بدأ -في نظر زينغرلي- عندما انتقل عام 2001 إلى التلفزيون، وشارك في البرنامج الحواري "كروس فاير" على قناة "سي أن أن" كممثل للتيار المحافظ، لكن التجربة انتهت في عام 2004 عندما حل الكوميدي جون ستيوارت ضيفا على البرنامج، واتهم كارلسون "بإيذاء أمريكا" وتم إلغاء البرنامج نفسه لاحقا.

إعلان

وبعد ذلك ركب كارلسون موجة الإعلام الرقمي، وشارك عام 2010 في إطلاق موقع "ذا ديلي كولر" الذي حقق نجاحا ملحوظا، دون أن يرقى إلى مستوى المواقع اليمينية الاستفزازية مثل "ذا درادج ريبورت" أو "برايتبارت نيوز".

ومن وحي تلك المواقع، فهم كارلسون توقعات القراء، فبدأ كتّاب "ذا ديلي كولر" يميلون نحو أفكار اليمين البديل بشأن قضايا العرق والهجرة، وفي خضم هذا السعي لجذب انتباه رواد الإنترنت، اقتنع كارلسون بترشيح دونالد ترمب للرئاسة عام 2016 وأصبح -في نظر المؤلف- "جسرًا مثاليا بين الأساليب القديمة والجديدة للتيار المحافظ".

في تلك الأجواء، استقطبت قناة فوكس نيوز كارلسون وحولته إلى نجم رئيسي ببرنامج يحمل اسمه "تاكر كارلسون الليلة"، والذي أعلنت عنه القناة قبل أيام قليلة من فوز ترمب في انتخابات 2016.

بحلول الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري لعام 2022، أصبح كارلسون قائدا حقيقيا لحركة سياسية، حيث نظم "انتخابات تاكر التمهيدية" الخاصة به من خلال استضافة المرشحين السياسيين على الهواء، وأصبح -في رأي زينغرلي- مصدرًا لـ"أيديولوجية شعبوية قومية أكثر تماسكًا بكثير من أي شيء قدمه ترمب نفسه".

دعم متبادل

لكن فوكس لم تجد بدّا من التخلي عنه عام 2023 مع تصاعد الجدل داخل الاستوديو وخارجه، فاتبع كارلسون رياح التغيير مرة أخرى وأسس شركته الإعلامية الرقمية الخاصة، وتخلى عن تحفظاته، وأصبح يدعم ترامب بالكامل.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2024، تبادل ترمب وكارلسون الدعم في سعيهما لاستعادة النفوذ والانتقام من خصومهما، وفق مؤلف الكتاب. ومع بداية ولاية ترمب الثانية، ازداد نفوذ كارلسون حيث كان داعما رئيسيا لـجيه دي فانس لتولي منصب نائب الرئيس.

وفي الآونة الأخيرة، رصد زينغرلي ما سماه تحول كارلسون الواضح نحو "معاداة السامية" التي وصفها بأمّ جميع نظريات المؤامرة.

وتساءلت المؤرخة بيرز عن سر ذلك التحول، وقالت إن القصة برمتها تشبه مأساة يونانية، حيث يقاوم كارلسون الرغبة في الشهرة لكنه في النهاية يضحي بكل شيء من أجل ذلك. لكن بيرنز عادت لتضع الأمر في سياقه السياسي والإعلامي وتقول إنها ليست مأساة يونانية بقدر ما هي مأساة أمريكية بامتياز في مشهد إعلامي سريع التطور.

المصدر: نيويورك تايمز

إعلان