عودة تعليقات الجمهور على المحتوى الإخباري.. 3 دروس من فايننشال تايمز

خلص مختبر نيمان لاب للصحافة إلى أن تعليقات الجمهور على المحتوى الإخباري تشهد عودة قوية إلى دائرة اهتمام الناشرين وغرف الأخبار، بعد إدراكهم قيمة هذه التعليقات وأثرها تحريريا، وعلى عائدات الإعلانات والاشتراكات.
ونقل المختبر تجربة صحيفة فايننشال تايمز اللندنية في إدارة التعليقات واستثمارها، عبر الكاتب بن وايتلو، الذي أدار فريق الإشراف على التعليقات في الصحيفة.
النظرة السابقة للتعليقات
واستعرض بن وايتلو تطور النظرة وآلية التعامل مع التعليقات في العقد الماضي، موضحا أن ناشري الأخبار لم يكونوا قادرين على إغلاق أقسام التعليقات بسرعة كافية في عام 2010، مضيفا أن "الكراهية والجدالات السيئة كانت تطغى في كثير من الأحيان على أي نقاش حقيقي أو تواصل إنساني في التعليقات"، إضافة إلى أنها كانت تشوّه الطريقة التي يفهم بها القراء المحتوى الصحفي.
وقال الكاتب إن الناشرين نظروا إلى أقسام التعليقات بوصفها خطرا على السمعة ومركز كلفة، وبحلول عام 2015 كانت عشرات المواقع قد قلصت بشكل كبير أو عطلت كليا ميزات التعليق، وكلها جادلت غالبا من دون بيانات تدعم ذلك، بأن قراءها يفضلون مناقشة القصص عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لماذا عاد الانتباه لأهمية التعليقات؟
لكنّ أمرا مفاجئا يحدث في السنوات الأخيرة وفق بن وايتلو، إذ تشهد تعليقات القراء نهضة محدودة، فبعد سنوات من مطاردة التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي والتعرض للاحتراق بسببها، أدرك الناشرون أن للتعليق قيمة ملموسة ليس للجمهور الأوسع فحسب، لكنْ أيضا من حيث عائدات الإعلانات والاشتراكات.
وأعادت واشنطن بوست إطلاق منصة التعليقات المخصصة للمشتركين فقط في أواخر 2024، وبعد موجة اعتراض أولية من المتابعين، يبدو أن أدوات التعليق باتت مدمجة بالكامل في الموقع.
أما فايننشال تايمز فتستخدم الآن أدوات إشراف آلية لمساعدة القراء على خوض نقاشات أفضل أسفل المقالات، وتشجيع أشخاص لا يشاركون عادة على التعليق.
وفي الوقت نفسه، روّجت مجلة وايرد لتجربة تعليقات جديدة تتيح للقراء التواصل مع الصحفيين والكتاب كجزء من عرض اشتراكها المُحسن.
وقال بن وايتلو إن المؤسسات الإخبارية أدركت أخيرا أن أفضل مجتمع وجمهور يتفاعل مع إنتاجاتها يوجد داخل مواقعها، لا سيما بعد تراجع أرباح الإعلانات الرقمية، والقبول العام لفكرة الدفع مقابل المحتوى، وتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى مستنقع، وظهور أدوات ذكاء اصطناعي قوية جديدة.

تجربة فايننشال تايمز
وأوضح الكاتب كيف فرضت صحيفة فايننشال تايمز في عام 2010 اشتراكا مدفوعا للمتابعين قال كثيرون إنه سيفشل، بالتزامن مع مضاعفة استثمارها في تعليقات القراء، ما غيّر دوافع مشاركة الصحفيين في النقاشات الإلكترونية، ثم المعلقين أنفسهم لاحقا.
وقال "بوصفي المحرر المسؤول عن تعليقات القراء، رأيت ذلك عن كثب، كان يحق للمشتركين الدافعين فقط النشر، وكان هناك إشراف نشط، وأصبحت طريقة تفاعل الجمهور مع القصة جزءا من العملية الصحفية".
وحاول فريق صغير من مشرفي المجتمع -معظمهم في بداياتهم الصحفية وفضوليون تجاه سلوك الجمهور- إبقاء النقاشات على المسار الصحيح، وراقبوا التعليقات على موضوعات ساخنة مثل بريكست، وانتخاب دونالد ترامب عام 2016، وحادثة عضّ لاعب لآخر في ملعب كرة القدم التي وصفت نقاشاتها بالأصعب على المشرفين.
وحسب بن وايتلو، كان المشرفون يمشّطون آلاف التعليقات يوميا لإبراز الأفضل منها، ويشيرون للصحفيين إلى التعليقات التي تحمل سؤالا وجيها أو تستحق ردا.
وتطرق الكاتب إلى أبرز التحديات أثناء إدارته قسم التعليقات، مشيرا إلى أن كل يوم كان مليئا بقرارات تقديرية "هل نُبقي التعليقات مفتوحة تحت أخبار الجريمة ونحن نعلم أن تعليقا واحدا طائشا قد يعرضنا للمحكمة؟".

وأضاف "كيف نوجّه النقاش بشأن الهجرة ليظل بناء لا سامّا؟ كانت هناك مناطق رمادية كثيرة. مثلا، قد يستخدم القراء مصطلحا اعتبرناه كراهية، ثم يشيرون إلى أن كاتب عمود استخدمه في قطعة ساخرة، كان شرح الفارق يتطلب صبرا شديدا، وصراحة، كنت أحيانا أنحاز للقراء".
وأشار إلى أن الجمهور كان يعترض على قرارات لا تعجبه، ويرسل اقتباسات من السياسات العامة لتدعيم حججه، وزاد "تعرفنا إلى أكثر المعلقين نشاطا، خصوصا في قسم الرياضة".
وذكر الكاتب أمثلة لبعض النتائج الإيجابية للتعليقات، لافتا إلى مساهمات شخصية تحت قصص عن الصحة النفسية للرجال والانتحار قوبلت بردود مؤثرة وصادقة من قراء آخرين، كما بدأ الناس يتعارفون، وتتشكل روابط بينهم وأحيانا صداقات.
واستخدم بعض الكتاب -وفق بن وايتلو- تعليقات القراء كنقطة انطلاق لمقالات، مضيفا "في مناسبة ما، اخترنا أفضل المعلقين السياسيين لزيارة مكاتب فايننشال تايمز والحوار مع المحرر السياسي".
الدرس الأول: تتبّع الفوائد التجارية
واستخلاصا لتجربته مع فايننشال تايمز، نصح الكاتب ببناء مبرر الاستثمار في التعليقات على تفاعل القراء، ورضا العملاء ومعدلات تجديد الاشتراك، وأضاف "إذا استطعتَ إثبات أن نقاشا صحيا يُبقي المشتركين الدافعين أطول، حتى لو كانوا يقرؤون ولا يشاركون، يصبح تبرير الاستثمار أسهل".
وتابع بن وايتلو "قد يتفاجأ كثير من الصحفيين الذين تواجه مقالاتهم نقدا في التعليقات بهذه الحقيقة: من يكتب تعليقا أرجح أن يعود إلى الموقع ويكون أوفى للعلامة، حتى لو لم يكن تعليقه مديحا".
وأكد أن هذه النتيجة كانت ظاهرة في تجربة فايننشال تايمز، إذ كان المعلقون المنتظمون يقرؤون مقالات أكثر، ويجددون اشتراكاتهم، ويتعاملون بمرونة أكبر مع تغييرات المنتج، كما وجدت الصحيفة أن كُتاب التعليقات أكثر تفاعلا بما يصل إلى 48 مرة مقارنة بمن لا يعلقون.
ومع ذلك، يشير الكاتب إلى أن الصحيفة لم تنجح في بلورة استثمار واضح مربح للتعليقات، حتى مع تراكم الأدلة على فائدتها للأعمال، مضيفا "كان من الصعب طلب استثمار إضافي لأن العوائد لم تكن جلية لصناع القرار. لذلك لم تمضِ طلبات زيادة الطاقم أو استبدال التقنية الرديئة قدما".

الدرس الثاني: التعليقات كجزء من التسويق
وواصل بن وايتلو نصائحه قائلا "اعتبر ردود الصحفيين والمحررين والقراء المطلعين ميزة أساسية، اعمل مع فرق الإنتاج والتكنولوجيا والتسويق لدمجها، اجعل ترك أول تعليق جزءا من تجربة الانضمام، وضمّنها في مواد التسويق، وتأكد من ظهور أهداف التعليق في كل لوحات المتابعة الداخلية".
الدرس الثالث: استثمر في الأشخاص
وشدد الكاتب على أن إشراف الأخبار السريعة يتطلب عينا تحريرية قوية، ويجب الاعتراف بهذه المهارة ومكافأتها، وقال إنه ومع تمكين الذكاء الاصطناعي من رصد المخالفات على نحو أفضل، ينبغي لغرف الأخبار استثمار هذا الهامش في رفاه المشرفين وتقدمهم المهني، وخلص إلى أن الأتمتة قد تقلل الضجيج، لكنها لن تستبدل الحكم البشري أو حدس غرفة الأخبار قريبا.
وأكد أن الأشخاص هم من جعل الاستثمار بالتعليقات ينجح، إذ كان المشرفون أقرب إلى قيّمين يرحبون بالضيوف، يوجهون الحوار، وأحيانا يضطرون لإخراج أحدهم، وكانوا عيون وآذان غرفة الأخبار بين القراء، لكنهم كثيرا ما كانوا مرهقين، يعملون بكل الساعات مع دعم محدود وتقدير قليل، واستقال كثيرون لغياب مسار مهني واضح.
وقال بن وايتلو إنه وفي ظل تقلب بيئة النشر الرقمي، من الضروري فهم احتياجات جمهور الأخبار بما يتجاوز المعلومة الآنية، مشيرا إلى أن الناس يتوقون إلى التواصل والحوار الحقيقي بشأن قضايا تمس حياتهم، مؤكدا أن أقسام التعليقات قادرة على أداء دور حيوي.