كيف تحول الإعلام إلى منصة إعلانية وما سر تقارب بعض مؤسساته مع ترامب؟

epaselect epa12597341 US President Donald Trump speaks at a Hanukkah Reception in the East Room of the White House in Washington DC, USA, 16 December 2025. EPA/JIM LO SCALZO
الكاتبة أروى مهداوي: وسائل الإعلام الأميركية باتت تتعاون مع إدارة الرئيس بشكل متزايد بدلا من مراقبتها ومحاسبتها (الأوروبية)

حذرت الكتابة في صحيفة غارديان البريطانية أروى مهداوي من أن الحدود الفاصلة بين قطاعي الإعلانات والعلاقات العامة وبين الصحافة باتت غير واضحة بشكل خطير.

واستحضرت الكاتبة تجربتها قبل قرابة 10 سنوات، وأقرت بالندم بشأن انتقالها من العمل في الإعلان إلى الإعلام، وقالت: "قررت ترك وظيفتي ذات الراتب المرتفع في مجال الإعلان من أجل السعي وراء مهنة غير مستقرة في الصحافة المستقلة".

ووصفت الطريقة التي استقالت بها بالغبية، حيث كتبت مقالا محرجا إلى أحد العاملين في صحيفة غارديان عن "الوظيفة التي لا معنى لها في مجال الإعلان" وأعلنت خلالها الاستقالة.

وخلصت مهداوي إلى القول: "على الرغم من أن بيع الملابس الداخلية للجمهور قد لا يكون مرضيا تماما، فإنه أفضل للروح من بيع الحروب والإبادة الجماعية للناس".

وزادت "بيع منتجات التنظيف عبر إعلانات تلفزيونية مدتها 30 ثانية هو عمل نبيل أكثر بكثير من تلميع صورة السياسيين الاستبداديين عبر تقارير متوازنة تتكون -وفق تعبير جورج أورويل- من التلطيف، والتساؤلات المثيرة للجدل، والغموض المطلق".

President Donald Trump, from left, speaks while signing an executive order as Commerce Secretary nominee Howard Lutnick, Rupert Murdoch and Larry Ellison, chairman and chief technology officer of Oracle Corporation, listen in the Oval Office of the White House, Monday, Feb. 3, 2025, in Washington. (AP Photo/Evan Vucci)
الرئيس ترامب أثناء توقيعه أمرا تنفيذيا وإلى يساره يجلس روبرت مردوخ ولاري إليسون في 3 فبراير/شباط 2025 (أسوشيتد برس)

وشددت الكاتبة على جوهر عمل الصحفيين المتمثل بالتركيز على الحقيقة دون خوف أو محاباة، سواء في السياسة الخارجية أو التكنولوجيا الجديدة، لا على التودد إلى الأقوياء أو إظهار الشركات في صورة جيدة.

ورأت بأن العالم يشهد تلاشيا للخطوط الفاصلة بين الإعلان والعلاقات العامة والصحافة، حيث اختُطفت مؤسسات إعلامية كانت تحظى بالاحترام من قبل مليارديرات مثل جيف بيزوس وعائلة مردوخ ولاري إليسون، وجرى تحويلها إلى أبواق ومكبرات صوت إستراتيجية، إذ تباع رؤى السياسيين إلى الجمهور بالطرق نفسها التي يستخدمها المعلنون لتسويق الكحول، وفق تعبير الكاتبة.

إعلان

وبرهنت مهداوي لما وصلت إليه عبر جملة من الشواهد، مثل صحيفة واشنطن بوست، التي استقال منها رسام كاريكاتير حائز جائزة بوليتزر في يناير/كانون الثاني الماضي بسبب رفض الصحيفة نشر رسم يظهر بيزوس (مالك الصحيفة) راكعا أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، استغنت الصحيفة أيضا عن الكاتبة كارين عطية، بعد أن نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تعليقات عن الناشط اليميني الراحل تشارلي كيرك الذي أدلى بتصريحات عنصرية.

ثم استدركت بالقول: "بالطبع، لا يزال هناك الكثير من الصحفيين المجتهدين الذين يقومون بعمل رائع في الواشنطن بوست، لكن الصحيفة الآن مرتبطة ارتباطا وثيقا، عبر بيزوس ومصالحه التجارية بإدارة ترامب".

واستنتجت مهداوي أن الأمر لا يتعلق فقط بالانصياع لترامب، بل باختيار وسائل الإعلام من تحميه ومن تنزع عنه إنسانيته.

وقالت: "بصفتي فلسطينية بريطانية، كان من الصعب العمل في وسائل الإعلام خلال العامين الماضيين، في ظل الإبادة الجماعية في غزة -التي لا تزال مستمرة- والتطهير العرقي المتسارع في الضفة الغربية".

ووصفت سلوك مؤسسات إخبارية بالتواطؤ إزاء الحرب الإسرائيلية على القطاع، وأشارت إلى التزام كثير من الصحفيين في الغرب الصمت إزاء استشهاد زملائهم الفلسطينيين، وأضافت "ما كان من الممكن أن تحدث هذه المجزرة في غزة على هذا النطاق لولا قيام وسائل الإعلام بتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم وتهيئة الرأي العام لقبول هذه الفظائع".

وضربت الكاتبة أمثلة على التواطؤ، إذ كان أحد أكبر المواضيع المثيرة للجدل بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول -والتي جرى استغلالها لإقناع الناس بأنه لا يوجد فلسطيني مدني واحد بريء- هو أن حركة حماس قطعت رؤوس 40 طفلا.

وسردت كيف نُشرت هذه الكذبة -وفق وصف الكاتبة- من قِبل مراسل شبكة "سي بي إس" ومذيع شبكة "سي إن إن"، دون التحقق منها.

وذكّرت مهداوي بأن شبكة "سي بي إس" وهي إحدى كبريات المؤسسات الإخبارية الأميركية أمست مملوكة للمليارديرين لاري إليسون وابنه ديفيد، في حين تدير قسم الأخبار باري فايس التي اكتشفها ديفيد وفقا لما أوردته صحيفة فايننشال تايمز، بسبب آرائها المؤيدة لإسرائيل.

وقالت إن "آل إليسون" يكافحون من أجل الاستحواذ على شركة "وارنر براذرز" التي تمتلك "سي إن إن"، حيث أجرى إليسون الأب -وهو متبرع وحليف قديم لترامب- محادثات مع البيت الأبيض بشأن إقالة بعض مقدمي برامج الشبكة الذين يقال إن الرئيس يكرههم.

وبيّنت أنه من الصعب حصر استحواذ الشركات العملاقة وأصحابها من المليارديرات على وسائل الإعلام، وكم من المال قدموا جميعا لترامب، مضيفة أن وسائل الإعلام الأميركية باتت تتعاون مع إدارة الرئيس بشكل متزايد، بدلا من مراقبتها ومحاسبتها.

المصدر: غارديان

إعلان