براءة المعكرونة.. لماذا لم تعد "الباستا" عدوا للرشاقة كما ظننا لسنوات؟

حفظ

A chef prepares a traditional pasta Carbonara dish at Da Sabatino restaurant as Italian cuisine awaits a crucial UNESCO decision that could recognise it as an Intangible Cultural Heritage of Humanity in Rome, Italy, December 3, 2025. REUTERS/Remo Casilli
لسنوات عديدة ظلت المعكرونة ضمن الوجبات "المتهمة" بالتسبب في زيادة الوزن (رويترز)

لسنوات طويلة، عاشت "المعكرونة" في قفص الاتهام، نُظر إليها كقنبلة موقوتة من النشويات، وصُنفت كعدو لدود لكل من يطمح في خصر نحيف. اضطر الملايين حول العالم لحذفها من قوائم طعامهم بقلب مكسور، معتقدين أن صحن "الباستا" هو تذكرة ذهاب بلا عودة نحو زيادة الوزن. لكن، يبدو أن الوقت قد حان لتقديم اعتذار رسمي لهذا الطبق الإيطالي العريق.

تكشف الدراسات الحديثة، من قلب إيطاليا إلى مختبرات كندا، عن مفاجأة مدوية: المعكرونة بريئة من تهمة السمنة! بل إنها، وبخلاف الاعتقاد السائد، قد تكون شريكا سريا في رحلة الرشاقة إذا ما طُهيت وقُدمت بذكاء. فكيف تحول هذا الطبق من "عدو" إلى "صديق" في أعين العلماء؟

This photograph shows spaghetti pasta during the Barilla Innovation & Technology Experience (BITE) media day at the Barilla headquarters in Parma, on November 18, 2025. Barilla has invested €20 million in a research and development center (Barilla Innovation & Technology Experience - BITE) employing 200 people, which aims to solidify the group's position among the giants of "Made in Italy", marking the company’s most significant investment in food innovation in recent years. (Photo by Stefano RELLANDINI / AFP)
المعكرونة قد تكون شريكا في رحلة الرشاقة (الفرنسية)

عندما تبتسم الأرقام لعشاق الباستا

في دراسة حديثة نُشرت في دورية "فرونتييرز إن نيوترشن"، حلل الباحثون بيانات ضخمة من المسح الوطني لفحص الصحة والتغذية في الولايات المتحدة، وكانت النتائج مذهلة. وجد الباحثون أن البالغين الذين يتناولون المعكرونة بانتظام يتمتعون بجودة نظام غذائي أعلى بكثير مقارنة بمن يتجنبونها.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

لم يكتفِ الباحثون باكتشاف أن عشاق المعكرونة يحصلون على مستويات أعلى من الفيتامينات والمعادن الأساسية (مثل الفولات والمغنيسيوم)، بل لاحظوا أيضا أن استهلاك المعكرونة لا يرتبط بزيادة الوزن أو ارتفاع مؤشر كتلة الجسم. بل على العكس، سجل المتناولون لها مستويات سكر دم أكثر استقراراً بفضل طبيعة نشويات المعكرونة الفريدة.

المعكرونة ليست كالخبز الأبيض

وفي الضفة الأخرى من الأطلسي، قام باحثون في جامعة تورنتو الكندية بإجراء مراجعة شاملة ومنهجية لأكثر من 30 تجربة سريرية شارك فيها نحو 2500 شخص، بهدف معرفة تأثير المعكرونة على الوزن عند تناولها ضمن نظام غذائي ذي مؤشر "غلايسيمي" منخفض، وهو نظام لتصنيف المواد النشوية حسب سرعة رفعها لمستوى السكر في الدم.

Pasta. Various kinds of uncooked pasta and noodles over stone background, top view with copy space for text. Italian food culinary concept. Collection of different raw pasta on cooking table
أكد الباحثون أن تجنب المعكرونة تماما قد يكون قرارا خاطئا لمن يسعون لفقدان الوزن بشكل صحي ومستدام (شترستوك)

النتائج التي نشرت في موقع "ببمد" التابع للمكتبة الوطنية للطب كانت حاسمة؛ فالأشخاص الذين تناولوا المعكرونة كجزء من نظام غذائي صحي فقدوا حوالي 0.5 كيلوغرام من وزنهم خلال فترة المتابعة، ولم يسجلوا أي زيادة في دهون الجسم.

إعلان

والسر الذي اكتشفه العلماء يكمن في "البناء الفيزيائي" للمعكرونة. فبينما يعد الخبز الأبيض والبطاطس من الأغذية ذات المؤشر "الغلايسيمي" المرتفع، تعد المعكرونة من الأطعمة ذات المؤشر "الغلايسيمي" المنخفض. هذا يعني أن الجسم يحتاج لوقت أطول لهضمها، مما يوفر تدفقا مستمرا للطاقة دون أن يفرز البنكرياس كميات هائلة من الأنسولين، وهو الهرمون المسؤول عن مساعدة الجسم على استخدام سكر الدم (الغلوكوز) للحصول على الطاقة.

آل دينتي.. الكيمياء الإيطالية خلف الرشاقة

إذا ذهبت إلى إيطاليا، ستجد أن طهي المعكرونة حتى تصبح طرية جدا يُعد "خطيئة" في عالم الطبخ. الإيطاليون يفضلونها آل دينتي (Al Dente)، أي صلبة قليلا، وخلف هذا التفضيل الثقافي يكمن سر كيميائي وحيوي مذهل يغير طريقة تعامل أجسامنا مع الطاقة.

Oil pasta on a plate
يفضل الإيطاليون أن تكون المعرونة صلبة قليلا (شترستوك)

من الناحية العلمية، عندما تُطهى المعكرونة لفترة قصيرة وتظل متماسكة، تظل جزيئات النشا داخلها محاصرة في شبكة من الغلوتين (Gluten). هذا البناء يجعل الإنزيمات الهاضمة تجد صعوبة في الوصول إلى النشا بسرعة. والنتيجة:

  • إبطاء امتصاص الغلوكوز: مما يحافظ على استقرار مستويات الطاقة.
  • تحسين الشعور بالشبع: بفضل هذا الهضم البطيء، يرسل الجسم إشارات الشبع للدماغ لفترات أطول.
  • تقليل السعرات الممتصة: جزء من النشا في المعكرونة "الصلبة" يتحول إلى ما يشبه الألياف، فلا يُمتص بالكامل.

كيف تحول طبق المعكرونة إلى وجبة متكاملة؟

تؤكد بعض المنصات الصحية مثل "بي بي سي غود فود" أن المعكرونة ليست "جريمة"، بل هي "لوحة بيضاء" تعتمد صحتها على ما ترسمينه فوقها. في الغرب، غالبا ما تُغرق المعكرونة بالكريمة والأجبان الدسمة، وهذا هو العدو الحقيقي، وليس العجين.

لتحويل المعكرونة إلى وجبة رشاقة، يوصي الخبراء باتباع إستراتيجية "الإضافات الذكية":

  • الخضروات: اجعلي كمية الخضروات (مثل البروكلي، السبانخ، الكوسة، أو الفلفل الملون) تعادل حجم المعكرونة في الطبق.
  • الألياف الموجودة في الخضروات تعمل كـ "فرامل" إضافية تمنع ارتفاع السكر.
  • البروتين هو المفتاح: إضافة الدجاج المشوي، الروبيان، أو التونة، وحتى البقوليات مثل الحمص، يرفع من القيمة الغذائية للوجبة ويحفز عملية الأيض (حرق الدهون).
  • الدهون الصحية: استخدام زيت الزيتون البكر الممتاز بدلا من الزبدة أو الصلصات الجاهزة. فزيت الزيتون يحتوي على أحماض دهنية تساعد على تقليل الالتهابات وتزيد من شعور الشبع.
  • الصلصات الطبيعية: استبدال الصلصات المليئة بالسكر المضاف بصلصة طماطم منزلية الصنع، مع الثوم والأعشاب مثل الريحان والأوريغانو.
Tuna fusilli pasta, spiral or spiral pasta
إضافة البروتين يرفع من القيمة الغذائية للوجبة ويحفز حرق الدهون (شترستوك)

تبريد المعكرونة.. السحر العلمي للنشا المقاوم

وفقا للدراسات المنشورة في دورية "نيوتريشن بوليتين" وأبحاث جامعة "ساري" البريطانية، فإن تبريد المعكرونة يمنحها خصائص حيوية فريدة. هذه العملية الفيزيائية تُحفز ما يعرف بـ "ارتداد النشا"، حيث يتغير هيكله الجزيئي ليتحول إلى "نشا مقاوم".

هذا النوع من النشا مثل الألياف الغذائية، لا يُهضم في الأمعاء الدقيقة، مما يعني سعرات حرارية أقل. وبدلا من ذلك، يذهب للأمعاء الغليظة ليصبح غذاء للبكتيريا النافعة "البروبيوتيك"، مما يحسن صحة القولون ويقوي المناعة. إنها عملية بسيطة تحول طبق النشويات إلى "طعام رائع!" للأمعاء.

تبريد المعكرونة يمنحها خصائص حيوية مفيدة للأمعاء (بيكسلز)

الحصص الغذائية.. السر في الكمية

لا يمكن الحديث عن براءة المعكرونة دون التطرق لـ "حجم الطبق". في دراسة معهد "نيوروميد"، لاحظ العلماء أن الإيطاليين يتناولون المعكرونة كجزء من وجبة، وليس كوجبة وحيدة ضخمة. فالحصة المثالية التي توصي بها تقارير "هيلث لاين" هي حوالي كوب واحد من المعكرونة المطبوخة (أو نصف كوب جافة قبل الطهي).

إعلان

والمشكلة الحقيقية في المطاعم السريعة هي تقديم حصص تعادل 3 أو 4 أضعاف الحاجة اليومية. لذا، الرشاقة تكمن في الاستمتاع بالنكهة وليس في "التخمة".

عودة الابن الضال للمائدة

المعكرونة ليست عدوا، بل هي مصدر ممتاز للطاقة المعقدة، والوقود المفضل للدماغ والعضلات. إذا طُهيت بأسلوب "آل دينتي"، وغُمرت بزيت الزيتون والخضروات الملونة، وقُدمت بحصص معقولة، فإنها تصبح حليفا قويا في الحفاظ على الصحة والرشاقة.

لذا، في المرة القادمة التي تشتهي فيها طبق "بيني" أو "سباغيتي" شهيا، لا تشعر بالذنب. تذكر أن سر الرشاقة الإيطالية ليس في المنع، بل في التوازن واحترام جودة المكونات. استمتع بطبقك، وامضغ ببطء، واعلم أن الطريق إلى الرشاقة لا يمر عبر حرمان النفس.

المصدر: الجزيرة

إعلان