تقليل الطعام لا يكفي لإنقاص الوزن

"قيل لنا لعقود إن فقدان الوزن مسألة قوة إرادة وطعام أقل ورياضة أكثر، وإن زيادة الوزن من جديد هي نتيجة لقلة الانضباط؛ بينما يثبت العلم الحديث أن هذا ليس صحيحا، وأن أدمغتنا بما تمتلكه من آليات قوية للدفاع عن وزن الجسم، هي التي تتحكم في العملية برمتها".
بهذه الخلاصة استهل فالديمار يوهانسن، الباحث في كلية الطب بجامعة كوبنهاغن، وكريستوفر كليمنسن، الأستاذ المشارك في الجامعة نفسها، مقالهما الذي نُشر مؤخرا على موقع "كونفرزيشن". وخلصا إلى أن "السمنة ليست فشلا شخصيا"، بل هي حالة بيولوجية تُشكّلها أدمغتنا وجيناتنا والبيئات التي نعيش فيها.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsتشير الأبحاث، وفق ما يورده المقال، إلى أن نمط تغذية الوالدين وأساليب إرضاع الأطفال والعادات الحياتية في السنوات الأولى من العمر، لها دور محوري في تشكيل آليات تحكم الدماغ في الشهية وتخزين الدهون، وهي تأثيرات قد تستمر سنوات طويلة في مراحل لاحقة من الحياة.
ويختتم يوهانسن وكليمنسن مقالهما بالتأكيد أنك "إذا كنت تكافح لإنقاص وزنك فاعلم أنك لست وحدك، وليس هذا خطأك؛ فالدماغ خصم قوي، لكن بالعلم يمكن تغيير قواعد اللعبة".
أجسامنا مصممة لمقاومة فقدان الوزن
يشرح المقال أنه في عالم أصبحت حركتنا فيه قليلة جدا، وأصبح سهلا الوصول إلى الوجبات السريعة الغنية بالسعرات الحرارية، فإنه من الصعب فقدان الوزن؛ إذ بمجرد بدء الشخص برنامجا لتحقيق ذلك "يتجند الجسم كما لو كان ذلك تهديدا لوجوده"، فترتفع هرمونات الجوع، وتزداد الرغبة الشديدة في الطعام، وينخفض إنفاق الطاقة.
ويشير العالمان إلى أن أبحاثهما أظهرت أن أدمغتنا تمتلك آليات قوية للدفاع عن وزن الجسم، وأنها قادرة على "تذكر" الوزن السابق والتعامل معه بوصفه "الوضع الطبيعي" الذي يجب الحفاظ عليه. وهو ما يفسر سبب استعادة كثير من الأشخاص وزنهم بعد اتباع حميات غذائية.
وبحسب يوهانسن وكليمنسن، فإن العلم يُظهر أن عودة الوزن ليس سببها قلة الانضباط أو ضعف الإرادة، بل الحقيقة أن أجسامنا تعمل تماما وفق ما صممت من أجله: الدفاع ضد فقدان الوزن.
وحتى فيما يتعلق بأدوية إنقاص الوزن، مثل "ويغوفي" و"مونجارو"، التي مثّلت بارقة أمل جديدة لكثيرين، يؤكد الباحثان أن الاستجابة لها تختلف من شخص لآخر، فعند البعض تجعل الآثار الجانبية الاستمرار في العلاج أمرا صعبا، بينما لا يبدو لدى آخرين أنها تُحدث فقدانا ملحوظا في الوزن. وغالبا ما يُعيد الجسم فرض توازنه ويستعيد الوزن المفقود بمجرد التوقف عن العلاج.
وينبه يوهانسن وكليمنسن على أن الأبحاث تُظهر أن "الصحة الجيدة، لا تعني الوزن المثالي"، وأن ممارسة الرياضة والنوم الجيد والتغذية المتوازنة، والصحة النفسية، جميعها عوامل تُحسّن صحة القلب والأيض، "حتى لو كان مؤشر كتلة الجسم على الميزان ضعيفا جدا".

فقدان الوزن ليس سهلا لكنه ممكن
فعلى سبيل المثال، "يُعاني 208 ملايين أميركي من السمنة أو زيادة الوزن"، وفقا لدراسة نشرتها مجلة "لانسيت" الطبية عام 2024. وفي الوقت الذي أشارت فيه مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (سي دي سي)، إلى أن "أكثر من 160 مليون أميركي يتبعون حمية غذائية، وينفقون أكثر من 70 مليار دولار سنويا، على وسائل إنقاص الوزن"، اتضح أن "حوالي 80% منهم يستعيدون الوزن الذي فقدوه باتباع حميات غذائية خاصة في 5 سنوات".
وهو ما يشير إلى أن "فقدان الوزن ليس بالأمر السهل"، كما تقول الدكتورة ماليكا مارشال، المحررة في منشورات هارفارد الصحية. مُوضحة أن "فقدان الوزن ممكن تماما، عند اتباعه بشكل صحيح"، من خلال مفتاحين للنجاح:
- الأول، هو إيجاد نهج يناسبك أنت بالتحديد، ويجعلك تشعر بالراحة ويحفزك. (تشير الأبحاث إلى أن الأسباب الطبية، والخوف من خروج الوزن عن السيطرة، وانعكاس النتائج على صورة الشخص في المرآة؛ في مقدمة العوامل المُحفزة التي ساهمت في نجاح الأشخاص الذين يحافظون على وزنهم على الأمد الطويل).
- الثاني، هو أخذ وقتك وإدراك أن فقدان الوزن المستدام يحدث ببطء ولكن بثبات.
لذا -بحسب الدكتورة مارشال- قبل أن تبدأ مسيرتك، تأكد من 3 أشياء:
- أن تعرف بالضبط ما تسعى إلى تحقيقه، ومقدار الوزن الذي تحتاج إلى خسارته لتكون بصحة جيدة.
- حدد أهدافا شخصية قابلة للتحقيق، وأدخل تغييرات في نمط حياتك لإنقاص الوزن تدريجيا والحفاظ عليه.
- كن مستعدا لتعديل نمط حياتك حسب الحاجة لزيادة فرص نجاحك.
لا بديل عن الالتزام بنظام غذائي صحي إلى الأبد
معظم الناس يبحثون عن حلول سحرية عندما يرغبون في فقدان الوزن، لكن الدكتورة مارشال تقول إن الأشخاص الذين فقدوا وزنهم، وحافظوا عليه نجحوا في ذلك لأنهم تحولوا بشكل دائم نحو عادات غذائية صحية؛ ولم يقتصروا على اتباع أنظمة غذائية صارمة لفترة من الوقت حتى يتم فقدان الوزن، ثم يعودون إلى تناول الطعام الذي سبق أن اعتادوا عليه.
وتؤكد مارشال أن تعويض الأطعمة غير الصحية والوجبات الخفيفة الجاهزة بأطعمة صحية وغير مصنعة "إلى الأبد" وليس لبضعة أسابيع، "سيساعدك على تحقيق فقدان الوزن"، إضافة إلى العديد من الفوائد الصحية الأخرى. وتضيف مارشال قائلة "تذكر أن أفضل نظام غذائي هو النظام الذي ستلتزم به، فلا تتسرع وتشتر مجموعة من الأطعمة الصحية التي تعلم أنك لن تأكلها أبدا".

سمات أساسية للأنظمة الغذائية الأكثر فعالية
لا يوجد نظام غذائي واحد يعتبره خبراء التغذية "الأكثر صحة"، ولكن هناك أنماط طعام صممها الخبراء ولاحظوا أنها صحية بالنسبة لمختلف الناس الذين اتبعوها حول العالم؛ وهي أنماط تشترك في 5 سمات، بحسب مارشال، مثل:
- تميل إلى أن تكون نباتية.
- تُركز على الدهون الصحية.
- تتجنب السكريات البسيطة.
- قليلة الصوديوم.
- تفضل الأطعمة الطبيعية على الأطعمة المصنعة.
فعلى سبيل المثال يأتي النظام الغذائي المتوسطي في مقدمة الأنظمة الفعالة لفقدان الوزن، "ويرتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والاكتئاب وبعض أنواع السرطان".
ويركز على الفواكه والخضروات والبقوليات والمكسرات والحبوب الكاملة، ويحتوي على كميات معتدلة من الزبادي والجبن والدواجن والأسماك، ويعتبر زيت الزيتون أساسيا للطهي، ويسمح بالقليل من اللحوم الحمراء والأطعمة السكرية.
كما طوّر الخبراء حمية "داش"، وهي نظام غذائي صحي يعمل بفعالية فائقة "لخفض ضغط الدم وتقليل خطر الإصابة بقصور القلب"؛ ويتضمن قائمة أطعمة مشابهة لتلك الموجودة في النظام المتوسطي، إلى جانب حمية "مايند" التي تجمع بين نظامي "البحر المتوسط" و"داش".
وتوضح مارشال أن القاسم المشترك بين هذه الأنظمة الغذائية أنها جميعها مفيدة للقلب، وأن "تناول الطعام الصحي المفيد للقلب، يُعدّ طريقة ذكية لخسارة الوزن".