قبل هدمها بهدف توسعة الطرق.. متطوعون مصريون يوثقون المدافن التاريخية في القاهرة

مدفن محمود سامي باشا البارودي الواقع في العاصمة المصرية القاهرة (الجزيرة)

شهدت الأسابيع الأخيرة جدلا حول هدم بعض المقابر التاريخية في مصر، تمهيدا لتوسعة الطرق وإنشاء المزيد من الجسور في العاصمة القاهرة، وسط مطالبات بالحفاظ على ما تبقى من تراث "القرافة".

تاريخ "قرافة الشافعي".. جنة الأرواح

تقع مدافن القاهرة التاريخية أسفل جبل المقطم جنوب القاهرة، حيث شيد قبل ألف عام أو يزيد أول مدافن للمسلمين، التي تضم شواهد وقبابا أثرية، وتعتبر من التحف الفنية التاريخية وليست مجرد مدافن.

وذكر المقريزي في كتابه عن مصر "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار"، أن "القرافة" سميت بذلك الاسم لأن أول من استوطنها من العرب بعد الفتح الإسلامي كانت قبيلة بنو قرافة اليمنية، وكانت لهم أم يطلق عليها "قرافة"، فلما ماتت دفنت في تلك المنطقة وشيد لها جامع أطلق عليه "جامع قرافة".

ويقول المقريزي إن الصحابي الجليل عمرو بن العاص بعد فتح مصر أرسل لعمر بن الخطاب يخبره أن تلك المنطقة فيها أشجار من الجنة، فأمره خليفة المسلمين بأن تكون تلك البقعة من أرض مصر مدافن المسلمين، الذين كانت أول عاصمة لهم هي الفسطاط على مقربة من "القرافة".

وكان اللون الزاهي هو السائد في كل شيء في "مدينة الموتى"، كما أطلق عليها المستشرقون، إذ تكسو الأشجار وورود الكافور والزعفران الأماكن الواسعة بين كل مدفن وآخر، وفي خلفيتها جبل المقطم، في مشهد بديع جعل القرافة جنة الأرواح.

حقي بك العظم أول رئيس وزراء لسوريا مدفون في مدفن آل العظم (الجزيرة)

توثيق المدافن التاريخية غير المسجلة

منذ عام 2021، بدأت توسعة الطرق في القاهرة القديمة، ومن المفترض أن تمرّ من قرافة الشافعي والسيدة نفيسة، مما دفع مجموعة من الشباب من محبي التراث والمهتمين بتوثيقه لإطلاق مبادرات عبر مواقع التواصل الاجتماعي للحفاظ على أجزاءٍ من المدافن التاريخية، ولا سيما أن الكثير منها لم يسجل كآثار موثقة.

جانب من المدافن التاريخية في العاصمة المصرية القاهرة (الجزيرة)

يقول المهندس "أ. أ" للجزيرة نت، إن "الحديث ليس عن الآثار المسجلة. بيانات الحكومة واضحة في هذا الشأن بأنه لا مساس بأي أثر مسجل، لكن حديثنا كله يدور حول المدافن التاريخية غير المسجلة، وهي كثيرة للغاية في مسار الطريق".

ويضيف المهندس الزراعي الذي تجمع مع مجموعة من محبي التراث وهواة الآثار، بينهم أطباء ومهندسون وفنانون وأصحاب مهن حرة، أن الشغف بالتاريخ جمعهم، فقرروا حماية وتوثيق ما يمكن حمايته من المدافن المهددة بالصور أو الفيديوهات، أو فك رموز الشواهد وخطوطها، وتعريف الناس بالقيمة التاريخية لتلك المدافن وأصحابها الذين خدموا مصر منذ عهد محمد علي، وقبله من سلاطين المماليك.

شواهد تروي تاريخ أصحابها

يوما بعد يوم، تلتقي المجموعة وتبدأ جولتها من منطقة السيدة عائشة متجهة إلى مقابر الشافعي، وفي كل مرة تكون الدهشة هي العامل المشترك بين الجميع.

مدفن الأمير المملوكي الراحل محمد باشا الدرمللي (الجزيرة)

يقول "أ. أ" للجزيرة نت، إنهم يرون في المقابر تاريخا جديدا ومختلفا عن التاريخ الذي عرفوه في الكتب والمرويات، فمثلا "هل تعلم أن قرافة الإمام الشافعي، تحوي مدفن واحد من 800 شهيد سقطوا في ثورة 1919 المصرية"، ويضيف "هل يعرف أحد تاريخ الشهيد عباس أفندي محمد، المستشهد في يوم الخميس 2 رجب 1337، الموافق 3 أبريل/نيسان 1919؟ هل يعرف أحد دوره في الثورة المصرية؟ هل يعرف أحد قبره الذي كتب على شاهده (هو الحي الباقي/ هذا قبر المرحوم عباس أفندي محمد/ شهيد الحرية والوطن)، وحفر فوق الكلام علم مصر الملكي ذو الهلال و3 نجوم، وطلي باللون الأحمر لون العلم في ثورة 1919؟".

ووثقت الحملة التطوّعية المدافن المعرضة للهدم، التي تحمل قيمة تاريخية لأصحابها، كما تحمل أثرا لا تخطئه العين، مثل مدفن الأمير محمد باشا الدرمللي، القائم منذ 1887، في حين تمت إزالة كل المدافن حوله، بما فيها مدافن الصدقة التي خصصها الدرمللي لمن لا يجد مدفنا، وأقيمت عام 1870.

وثقت الحملة المدافن المعرضة للهدم والتي تحمل قيمة تاريخية لأصحابها (الجزيرة)

ومن بين قوائم الإزالة: مدفن نشئة دل قادين أفندي، مستولدة الخديوي إسماعيل التي توفيت في إسطنبول عام 1924، وأوصت أن تدفن في مصر، وصُلي عليها في آيا صوفيا، وانتقل الجثمان إلى مثواه الأخير في قرافة الشافعي في جنازة عسكرية.

تتمتع قرافة الشافعي بتاريخ عريق يوثق عصرا حافلا بالأحداث والصراعات (الجزيرة)

دائرة خضراء داخلها نقطة، هي ختم الإزالة الذي تلصقه محافظة القاهرة على المدافن المعرضة للهدم، ومن بينها كان مدفن محمود سامي البارودي، وزير الحربية الملقب بـ"رب السيف والقلم".

ولا يخشى المتطوعون من إزالة المدافن فقط، بل ينادون بحفظ كل شبر في قرافة الشافعي التي تحوي تاريخا ممتدا يوثق عصرا حافلا بالأحداث والصراعات.

المصدر : الجزيرة