كيف أصبحت "الأزياء المستأجرة" تجارة ضخمة في العالم؟

بدأت سوق الملابس المستأجرة في الازدهار قبل بضع سنوات مع "الجيل زد" (Gen Z)، ولكن أيضا مع ارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار والأزمة الاقتصادية العالمية بعد أزمة "كوفيد-19" ثم الحرب الروسية على أوكرانيا

يمكنك أن تستأجر بيتا أو غرفة في فندق أو سيارة، أو حتى قطعة أرض لإقامة مشروع عليها، ولكن هل يمكن استئجار الملابس؟ كانت الفكرة غريبة في البداية، ولكن شيئا فشيئا أصبحت تجارة رائجة في أوروبا وآسيا والعالم، إذ تتسابق في ذلك كبرى العلامات التجارية وتجار التجزئة في صناعة وتجارة الأزياء، بل وتتوسع فيه مع الإقبال الكبير على استئجار الملابس والأزياء الغالية الثمن.

فقد أدخلت "إتش أند إم" (H&M) قسما للتأجير في متجرها في شارع "ريجنت" في قلب العاصمة البريطانية لندن، بينما أعلنت شركة "إم أند إس" (M&S) مؤخرا عن توسيع عروضها على منصة التأجير "هاير ستريت" (Hirestreet)، التي بدأت من خلالها تأجير الملابس للمرة الأولى قبل نحو عام من الآن.

كما تمنح كل من شركات "إل كيه بينت" (LK Bennett) و"جون لويس" (John Lewis) و"جيغسو" (Jigsaw) العملاء خيار الاستئجار بدلا من الشراء عبر الإنترنت، كما ذكرت صحيفة "غارديان" (The Guardian) البريطانية أخيرا.

نمو متصاعد

فلماذا يُقبل الكثير من الناس على استئجار الملابس والأزياء؟ وما مدى انتشار هذه التجارة ومستقبلها في العالم خلال السنوات المقبلة؟

من المقدر أن يصل حجم سوق تأجير الملابس عبر الإنترنت إلى 1,856 مليون دولار في بداية هذا العام، بمعدل نمو سنوي مركب مقداره 10.6% من 2017 إلى 2023، بحيث يعمل سوق الإيجار على تلبية حاجات المستهلكين من الملابس الفاخرة.

ويتجه إلى هذه السوق من لا يستطيعون تحمل نفقات شراء الملابس الفاخرة أو لا يرغبون في إنفاق الأموال لشرائها من أجل استعمالها لمناسبة أو اثنتين، وفق منصة "ألايد ماركت ريسرتش" (Allied Market Research) أخيرا.

فمثلا، يمكن استئجار فستان فخم من سلسلة متاجر "باكو رابان" (Paco Rabanne) بمبلغ 219 جنيها (نحو 270 دولارا) فقط ولمدة 4 أيام، بدلا من شرائه بمبلغ 2500 جنيه إسترليني (نحو 3 آلاف دولار).

Taking photos of pre owned clothes hanging on rail for resale or clothing rental
استئجار الأزياء الفاخرة لا يقتصر على عامة الناس أو أبناء الطبقة المتوسطة فقط (شترستوك)

التكنولوجيا تساعد على النمو

لدى دول أميركا الشمالية نظام راسخ ومتجذر للتأجير عبر الإنترنت، وبدأت شركات ناشئة لتأجير الملابس عملها في هذه السوق منذ عدة سنوات، أما في الدول الأخرى مثل الصين والهند والبرازيل فقد ساعدت زيادة انتشار الإنترنت على تحقيق معدل نمو قوي، حيث يزداد الطلب ويتطور يوما بعد يوم.

كما أدى انتشار استخدام التطبيقات والهواتف الذكية في هذه البلدان إلى تعزيز السوق بشكل كبير، إذ تعد سهولة الوصول للمتاجر عبر الإنترنت محركا رئيسيا لنمو السوق العالمية لتأجير الملابس، أما المحرك الآخر لنمو السوق فهو سهولة استخدام البيع بالتجزئة عبر الشبكة، إضافة إلى وجود تحول كبير في القبول الاجتماعي لاستجار الملابس.

وبدأت العديد من شركات التأجير عبر الإنترنت جهودا كبيرة لتعزيز وصولها إلى السوق بمساعدة التكنولوجيا، والابتكارات الإعلانية الأخرى مثل تقديم خصم على ثمن استئجار الملابس في حالة الحجز المسبق قبل شهر، مما ساعد في دعم وتعزيز هذه السوق، وفق ما ذكرت منصة "ألايد ماركت ريسرتش" في تقريرها.

وهناك عوامل أخرى ساعدت على نمو السوق منها سهولة الاستخدام، والقدرة على البحث ومقارنة الأسعار، واختيار المناسب منها من منصات التأجير المنتشرة عبر الإنترنت، إضافة إلى التأثير الكبير لشبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام وانتشار صفحات تأجير الملابس عبر هذه المنصات مما ساعد على توسع ونمو السوق بشكل كبير.

Collection of trendy women's garments on rack near green wall, closeup. Clothing rental service
تتسابق كبرى العلامات التجارية لتأجير ما تنتجه من ملابس (شترستوك)

مشاهير وأغنياء يرتدون الملابس المستأجرة

استئجار الأزياء الفاخرة لا يقتصر على عامة الناس أو أبناء الطبقة المتوسطة فقط، بل تعداه إلى الطبقة الأرستقراطية والمشاهير من أغنياء العالم. مثلا، ارتدت دوقة كامبريدج أخيرا فستانا أخضر ليمونيا من "سولاس" (Solace) أثناء مشاركتها في حفلة جائزة "إيرث شوت" (Earthshot) في مدينة بوسطن الأميركية، إذ استأجرت الفستان مقابل 74 جنيها إسترلينيا (نحو 91 دولارا) فقط من إحدى المنصات المتخصصة عبر الإنترنت، بدلا من شرائه بـ 350 جنيها (نحو 433 دولارا).

ووفق تقرير "غارديان" المذكور آنفا، فإن الممثلة بريانكا تشوبرا جوناس، ونجمة تلفزيون الواقع كورتني كارداشيان، من عشاق الأزياء المستأجرة.

بدأت سوق الملابس المستأجرة في الازدهار قبل بضع سنوات مع "الجيل زد" (Gen Z)، بسبب هوس أبناء هذا الجيل وشغفهم بالحفاظ على البيئة وحقوق العمال. ولكن أيضا مع ارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار والأزمة الاقتصادية العالمية بعد أزمة "كوفيد-19" ثم الحرب الروسية على أوكرانيا، توجّه الكثير من الناس في أرجاء المعمورة نحو سوق الملابس والأزياء المستأجرة.

و"الجيل زد"‏ هو الجيل الذي يلي جيل الألفية. ولا توجد تواريخ محددة لبدء وانتهاء هذا الجيل، لكن الباحثين وعلماء الديموغرافيا يستخدمونه غالبا للتعبير عن مواليد منتصف عقد التسعينيات من القرن 20 إلى نهاية العقد الأول من القرن 21.

الهنود يتباهون بالملابس المستأجرة

في الهند، مثلا، يتباهى الهنود بالملابس المستأجرة في المناسبات والأعراس، بحسب منصة "فورتشن إنديا" (Fortune India). وقد بدأت هذه التجارة في الهند عام 2014 حين أراد الزوجان أبهيناف أناند وسريشتي أرورا أناند استئجار ملابس لهما في حفلة زفافهما، بدلا من شرائها بأثمان باهظة. ولكنهما لم يتمكنا من العثور على مثل هذه الخدمة في نيودلهي، فانتهزت سريشتي -التي كانت تعمل في وظيفة مريحة بإحدى الشركات في العاصمة الهندية- الفرصة وأطلقت مع زوجها متجرا صغيرا لتأجير الملابس في حديقة راجوري في نيودلهي عام 2015.

تخلى الزوجان عن وظيفتيهما المريحة ليصبحا رائدَي أعمال ناجحين. يقول أناند: "أردنا استئجار ملابس لحفلة زفافنا لأننا علمنا أننا سنرتديها مرة واحدة فقط، فلماذا نهدر أموالنا في شرائها لاستعمالها مرة واحدة". ويضيف: "عندما لم نتمكن من العثور على أي عروض تأجير، أدركنا أن هناك طلبا، ولكن لا يوجد عرض".

"الأزياء المستأجرة"
الكثير من العلامات التجارية الشهيرة تعمد لتأجير أزيائها عبر الإنترنت (شترستوك)

واليوم، أصبحت شركة "ويدينغ بيلز" (Wedding Bells) التي أسسها الزوجان الشابان شركة مزدهرة. فمن متجر واحد في عام 2015 توسعت الأعمال إلى 3 متاجر في نيودلهي، وهما يخططان لفتح فروع في مدن هندية أخرى.

"ولم يعد الناس يخجلون من استئجار الملابس لحفلات الزفاف"، وفق تعبير أنشال سايني، الرئيس التنفيذي في شركة "فلايروب" (Flyrobe) لتأجير الأزياء: "إنهم يضعون علامة فخر لنا على وسائل التواصل الاجتماعي".

وتنمو سوق الأزياء والملابس المستأجرة حاليا بدرجة كبيرة في الهند ومختلف دول العالم، وبالذات مع تولي "الجيل زد" زمام الأمور، إذ أصبح يُشكِّلُ الغالبية العظمى من الأجيال الشابة العاملة في العالم.

وهو جيل يحركه إحساس كبير بالعدالة الاجتماعية والرغبة في حماية البيئة، إذ تعد صناعة الأزياء واحدة من أكثر الصناعات تلويثا للبيئة في العالم، فهي تسبب التلوث أكثر من قطاعات الشحن بالسفن والطيران والصناعة الجوية مجتمعة. كما أنها مسؤولة عن 20% من مياه الصرف الصحي في العالم، و10% من انبعاثات الكربون السامة. ويصنفها الكثير من العلماء والخبراء على أنها ثاني أكبر ملوث للبيئة بعد صناعة النفط، بحسب تقرير سابق في "الجزيرة نت".

وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها معظم شعوب العالم، وتراجع القدرات الشرائية للناس في شتى الدول والأقطار، وتوجه الكثير من العلامات التجارية الشهيرة لتأجير أزيائها عبر الإنترنت، يُتوقع أن يواصل سوق الملابس والأزياء المستأجرة الازدهار إلى درجة كبيرة مستقبلا.

المصدر : الجزيرة + وكالات